دراسات وبحوث

أضيف بتاريخ : 20-01-2026


دور المؤسسات الدينية في مواجهة العنف الجامعي

(دائرة الإفتاء العام أنموذجاً)(*)

المفتي الدكتور عبدالله محمد الربابعة

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن سار على نهجهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:

فإن الأمن حاجة إنسانية ملحة، ومطلب فطري لا تستقيم الحياة بدونه، ولا يستغني عنه فرد أو مجتمع، والحياة بلا أمن حياة قاحلة مجدبة، شديدة قاسية، لا يمكن أن تقبل، فالأمن من أهم مقومات السعادة والاستقرار، وأهم أسباب التقدم والتحضر والرقي، وهو مطلب تتفق على أهميته جميع الأمم والشعوب، والأفراد والمجتمعات، في كل زمان ومكان، وإذا فقد الأمن اضطربت النفوس، وسيطر عليها الخوف والقلق، وتعطلت مصالح الناس، وانقبضوا عن السعي والكسب، وإذا كان الأمن حاجة إنسانية ملحة، لا يستغني عنها فرد أو مجتمع، فإن ذلك يعني بالضرورة وجوب مواجهة ما يخل به من العنف والتطرف، ومعالجة آثاره، وقطع الأسباب الداعية إليه.

وللإسلام منهجه المتفرد في تحقيق الأمن ومكافحة العنف، فهو يهتم بالجوانب التربوية والوقائية التي تمنع وقوع العنف أصلًا، كما يهتم بالجوانب الزجرية والعقابية، التي تمحو آثاره، وتمنع من معاودته وتكراره؛ وهذا بخلاف ما عليه المناهج البشرية الجاهلية، والقوانين الوضعية التي تهتم بمعالجة العنف بعد وقوعه، أكثر من اهتمامها بمنع حدوثه ابتداءً، ومن الالتزام بها والاستجابة لها واحترامها ما يتوفر للتشريع الإلهي، الذي هو من وضع الخالق الحكيم، الذي خلق الإنسان، ويعلم ما يصلحه ويسعده في عاجل أمره وآجلة، تشريعٌ بريء من جهل الإنسان، وهواه، وضعفه، وتقلباته، ولا محاباة فيه لفرد، ولا لطبقة، ولا لجنس؛ وقد أنزل الله تعالى شريعته لتحقيق أمنهم وحفظ مصالحهم، وهدايتهم لما فيه سعادتهم في دنياهم وآخرتهم، قال الله تعالى: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ، إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) [قريش: 1-4]، وقد اشتمل البحث على مقدمة ومبحثين وخاتمة وقائمة مراجع.

المبحث الأول: أثر العنف الجامعي على المجتمع والأسرة، وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: التعريف بمصطلحات البحث، المطلب الثاني: أشكال العنف الجامعي، والمطلب الثالث: أسباب العنف الجامعي وأضراره.

المبحث الثاني: دور المؤسسات الدينية في مواجهة العنف الجامعي، وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: ظاهرة العنف الجامعي، وأثره على النواحي التعليمية، المطلب الثاني: دور المؤسسات الدينية في مواجعه العنف الجامعي، المطلب الثالث: دور المؤسسات الدينية في التقليل من أثار العنف الجامعي على الأسرة والمجتمع وسبل العلاج، والخاتمة.

مشكلة البحث وأسئلته

بينت هذه الدراسة أثر العنف على الجامعات وعلى المجتمع وعلى الأسرة، وأن العنف الجامعي اليوم من أهم الأمور التي باتت تؤرق الجامعات على وجه الخصوص والمجتمع على وجه العموم، ويحتاج هذا إلى تكثيف الجهود وإظهار دور المؤسسات الدينية لمعالجة هذه الظاهرة، والسؤال الرئيسي ما دور المؤسسات الدينية في علاج العنف الجامعي؟ ويتفرع عنه الأسئلة الآتية:

1. ما دور المؤسسات الدينية في التصدي للعنف، وما أثار العنف على أمن المجتمعات؟

2. كيف يمكن الوصول إلى الحلول للقضاء على هذه الظاهرة الخطيرة في مجتمعاتنا العلمية؟

3. ما الطريقة المثلى التي نعمل بها لعلاج العنف الجامعي، وبيان دور المؤسسات الدينية للحيلولة دون انتشار هذه الظاهرة؟

فرضية الدراسة

تحاول هذه الدراسة التحقق من فرضية بحثية إشكالية، تكمن في دور المؤسسات الدينية في مواجهة العنف الجامعي.

أهداف الدراسة

تتمثل أهداف الدراسة في الأهداف الآتية:

1. بيان دور المؤسسات الدينية في الوصول إلى الحلول المناسبة للتصدي للعنف الجامعي.

2. العمل على توفير الأبحاث العلمية والنشرات التوعوية للحيلولة دون انتشار ظاهرة العنف في الجامعات.

3. بيان الطريقة الصحيحة للتعامل مع العنف، وتوضيح وتسهيل الصعوبات التي قد يتعرض لها الطلبة في الجامعات لضمان المنهج الصحيح، للوصول إلى مجتمع علمي أكاديمي خالٍ من العنف والإرهاب والتعنت.

4. وضع رؤيا بحثية تحفّز الواقع التعليمي لبيان أثر العنف، والقضاء على منابته والوصول إلى بيئة علمية أمنه خالية ظاهرة العنف الجامعي.

أهمية البحث

تنبع أهمية هذا البحث من أهمية ديمومة المحافظة على المجتمع العلمي في الجامعات من العنف والإرهاب والتعنت والغلو والتطرف، وحماية المجتمع من العابثين في أمن المجتمعات، بالإضافة إلى ما يأتي:

1. مساعدة علماء الشريعة والمختصين في القضاء على منابع العنف والإرهاب في المجتمعات التعليمية والأسرة التي يعيش بها الإنسان، من خلال توفير عدد من الخيارات البحثية المتنوعة، والتي يمكن من خلالها الوصول إلى الحكم الصحيح من خلال التعريف بأثار العنف والحد من انتشاره ليعيش المجتمع العلمي والأسري، بعيداً عن الخلافات وبعيداً عن التنمر والتعنت، للوصول إلى مجتمع أمن وخال من العنف بأنواعه المتعددة.

2. تحقيق الشمول والتوازن في حماية المجتمع التعليمي والأسري من العبثية بأنواعها، ومن خلال الأبحاث العلمية التي يمكن من خلالها فتح باب النقاش الفكري للوصول إلى مجتمع خال من العنف والإرهاب والتكفير والغلو.

منهج البحث

تعتمد هذه الدراسة على المنهج التكاملي الذي يتخذ من الوصف، ثم الاستقراء، ثم تحليل أدوات منهجية للوصول إلى التقييم، والخروج بنتائج علمية، تكون إجابة عن أسئلة الدراسة، ومنسجمة مع أهدافها؛ لتقدم حلولا لمشكلتها الرئيسة، ويمكن توضيح ذلك كما يلي:

1. الوصف والاستقراء: حيث سيقوم الباحث باستقراء كافة مواضيع العنف والإرهاب والغلو والتكفير والتعنت، وتصنيفها وفق منهجية محددة تتوافق مع مفردات الدراسة وأهدافها.

2. التحليل: حيث سيقوم الباحث بتحليل عناصر الموضوعات الخاصة بالعنف التعليمي والعنف الأسري، والتعرف على وسائل حمايتها من العبثية، وطرائقها المختارة شكلا ومضمونا، وقياس منهجها واستقلاليتها، والكشف عن التقليد والتكرار والنمطية في ذلك.

الدراسات السابقة

هناك عدة دراسات تتعلق بموضوع العنف والأرهاب، لكن هذه الدراسات لم تستوعب دور المؤسسات الدينية في مواجهة الإرهاب، وحماية المجتمعات من العنف وأثاره المدمرة على أمن المجتمعات، وكانت تتكلم عن بعض الجوانب الخاصة بالعنف والارهاب، ومنها ما يأتي:

1. بحث عبد الله الجاسر، دور وسائط الإعلام في مواجهة التطرف والإرهاب، بحث منشور في "تحديات العالم العربي في ظل المتغيرات الدولية"، أعمال المؤتمر الدولي الثاني الذي نظمه مركز الدراسات العربي الأوروبي، القاهرة من 25-27 / 1 / 1994م، مركز الدراسات العربي الأوروبي، باريس 1994م، ص 463، حيث تكلم المؤلف في البحث عن دور وسائط الإعلام في مواجهة التطرف والإرهاب، ولم يتكلم حول دور المؤسسات الدينية في مواجهة العنف الجامعي.

2. بحث السيد محمد الحسيني، تعقيب في «تحديات العالم العربي في ظل المتغيرات الدولية»، أعمال المؤتمر الدولي الثاني الذي نظمه مركز الدراسات العربي الأوروبي، القاهرة من 25-27 / 1 / 1994م، مركز الدراسات العربي الأوروبي، باريس 1994م، ص476-478، حيث تكلم الباحث عن تحديات العالم العربي في ظل المتغيرات الدولية ولم يتكلم حول موضوع العنف الجامعي، ودور المؤسسات الدينية في علاج هذه الظاهرة.

المبحث الأول

أثر العنف الجامعي على المجتمع والأسرة

لعل من المناسب الحديث عن العنف الجامعي في مجالاته المختلفة؛ لأن العنف أصبح في هذا الزمن من السمات التي قد تكون بارزة أحياناً، وهذا ما نشاهده في كثير من الأوقات، وما ذلك إلا لوجود الخلل الظاهر في المنظومة الأخلاقية والمجتمعية، وهذا الخلل يزال إذا تكاثفت الجهود في جميع الميادين المختلفة.

المطلب الأول: التعريف بمصطلحات البحث

يعد العنف من الأمور الطارئة في حياة الأمم والشعوب، والتي يؤثر وجود العنف فيها على الاستقرار والأمن في المجتمع العلمي؛ ولتحقيق تماسك بنيان المجتمع العلمي وضمان أمنه، لا بد من السعي إلى القضاء على العنف أو التقليل منه[1].

التعريف اللغوي:

العُنْفُ: ضدُّ الرفق، تقول: عَنُفَ عليه بالضم وعَنُفَ به أيضاً، والعَنيفُ: الذي ليس له رِفْقٌ بركوب الخيل؛ والجمع عُنُفٌ، واعْتَنَفْتُ الأمر: إذا أخذتَه بعنف. واعْتَنَفْتُ الأرض، أي كرهتها. وعُنْفُوانُ الشيء: أوّلُه، يقال: هو في عُنفُوانِ شبابه، وعُنْفُوانُ النبات: أوله[2].

والعُنْف: ضدّ الرفق، وعَنَفَ يَعْنُفُ عَنْفاً فهو عنيفٌ، وعنّفته تعنيفاً، والعنف: قلة الرّفق بالشّيء وقد عَنُفَ به عُنْفاً فهو عَنيف، والجمع عُنُف وقد أعْنَفَه وعَنَّفَه واعتنفت الشّيء: أخذته في شدة، وقيل: العنيف: الأخرق بما عمل وولي[3]، والعنف: بضم فسكون: معالجة الأمور بالشدة والغلظة[4]، والعُنْف: الخُرْقُ بالأَمر وقلّة الرِّفْق به وهو ضد الرفق.

التعريف الاصطلاحي:

هناك عدة تعاريف للمعنى الاصطلاحي تدل على معنى العنف، ومنها:

1- أن العنف هو الاستخدام العقلي للقوة، أو التهديد باستخدامها لإلحاق الأذى والضرر بالأشخاص والإتلاف للممتلكات[5].

2- أن العنف مفهوم سلبي يرمي إلى انتزاع المطالب بالقوة، وإكراه الآخر على التنازل عنها أو الاعتراف بها بوسائط يتكبد خسائر من جراء استعمالها[6].

3- أنه يقصد به جميع أعمال العنف وأعمال القمع الأخرى، من أجل التحرر والحصول على حقها المشروع في تقرير المصير والاستقلال ومن أجل حقوق الإنسان وحرياته الأساسية الأخرى[7].

4- العدوان الذي يقوم به فرد أو جماعة أو دولة ضد الإنسان النفس والدين والمال والعرض والعقل، ويكون ذلك بالتخويف والأذى والتعذيب والقتل بغير حق، وأحد صوره الحرابة، وإخافة السبيل، وأي وجه من أوجه العنف.

الخلاصة في هذا المطلب وكما يراه الباحث أن من الألفاظ القريبة من العنف: التطرف، والإرهاب، والتعنت، والتشديد والتعسير، وهذه المصطلحات بينها علاقة قوية، فالعلاقة بين هذه المصطلحات: الإرهاب، التطرف، العنف، يثير كل من المفردات معنى ما في الذهن عند سماعها، فلو رسمنا دائرة افتراضية، ترمز إلى كل معنى منها على حدة، ثم قارنا بينها، لتبين لنا أن ثمة مساحة كبيرة من تلك الدوائر مشتركة بينها جميعًا، ثم تختص كل منها بأجزاء خاصة بها، هذا المجال المشترك من المساحة بينها، هو القدر الذي يبرر العلاقة بين تلك المصطلحات في واقع الفكر، والسلوك الفردي والجماعي والدولي، في مظاهر الحياة المعاصرة، وهو في كل الحالات يقع خارج نطاق الوسطية.

المطلب الثاني: أشكال العنف الجامعي

يأخذ العنف الجامعي أو ما يسمى اليوم بالفوضى الخلاقة في الجامعات والعدوان أشكالاً كثيرة حسب الطبيعة التي يظهر فيها هذا العنف، وحسب البيئة التي يعيش فيها؛ ولعل هذه الأشكال من العنف تتنوع حسب الواقع التي تظهر فيه، ومن أهمها ما يلي:

1. العنف المادي: ويعرف بأنه كل فعل يلحق الأذى بالمعتدى عليه ويضره جسمياً وجسدياً، وهو أبشع أنواع العنف؛ لأن الإسلام حرم العدوان على النفس، قال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) [المائدة :32]، وقوله صلى الله عليه وسلم : (من أعان على قتل مسلم، ولو بشطر كلمة لقي الله مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله)[8]، ومن العنف المادي: الضرب والركل وكل أشكال الاعتداء، والاغتصاب الذي حرمه الشرع واعتبره من أقبح الفواحش، والحبس في المنزل، وهو أمر محرم شرعاً؛ لأنه عدوان على حرية الإنسان، والطرد من المنزل الذي يمارسه بعض الأزواج تجاه زوجاتهم أو أبنائهم أو آبائهم، وهو أمر منكر في الشرع، ولا يقره طبع سليم ولا خلق قويم[9]، ويُعرّف بأنّه أي عمل يفعله الشخص عمدًا للتسبب بإصابة نفسه مثلاً، كالانتحار[10].

2. العنف المعنوي: هو شكل من أشكال الإيذاء النفسي يؤثر على الصحة النفسية للفرد، ويُعرّف بأنه: استخدام كلمات أو سلوكيات لإلحاق الأذى بالآخرين عن طريق الذم، والتحقير، والتهديد، والابتزاز العاطفي، والسيطرة على قراراتهم، وعزلهم عن محيطهم، وهو من أخطر أنواع العنف؛ لأنه غالبًا ما يترك علامات جسدية واضحة، ويؤدي إلى آثار نفسية وخيمة مثل القهر، والدونية، والاكتئاب، وفي بعض الحالات قد يقود إلى الانتحار[11]، وهو إيذاء الطلبة بعضهم بعضا، وإيذاء الزوجة أو الأبناء بالسب والشتم وجرح المشاعر، وكل ذلك محرم في الشرع، لقوله صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)[12]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا بِالْفَاحِشِ، وَلَا بِالْبَذِيءِ)[13]، ومثله كل قول أو فعل يؤثر على نفسية الغير ويجعله مضطرباً كالإهانة والتخويف والتهديد.

الخلاصة في هذا المطلب، أن أشكال العنف الجامعي تعددت، رغم محاولة التقليل منها بالسبل التعليمية والشرعية؛ إلا أن أشكال العنف لا زالت في تنوع وازدياد خاصة العنف المادي؛ لأنه أبشع أنواع العنف، والذي يؤدي إلى الضرب والتكسير والسباب والشتم والاغتصاب الذي حرمه الشرع، والحبس في المنزل والطرد، أما العنف المعنوي مثل الإيذاء بالسب والشتم وجرح المشاعر، وغيرها، ويحتاج هذا الأمر إلى تكاثف الجهود من أجل التقليل منه للوصول إلى مجتمع علمي آمن، خالٍ من العنف وأنواعه من العدوان والتعنت والإرهاب.

المطلب الثالث: أسباب العنف الجامعي وأضراره

للعنف الجامعي أسباب كثيرة ومتنوعة، بسبب تنوع مصادرها وأساليبها، ومن أهم أسباب العنف الجامعي، ما يأتي:

1. ضآلة الاهتمام بالتفكير الناقد والحوار البناء من قبل الطلبة، وغياب الوعي التربوي والإعلامي؛ لأن الاهتمام بالعقول وإثراءها بالمفيد واستثارتها للتفكير والتحقق يتطلب التناول العلمي الصحيح في النظر إلى الأمور وإعطاء أهمية للحوار الفكري مع الآخر، ومن عيوب التربية والتعليم في المدارس أسلوب التلقين وحشو مواد الدراسة فيها يماثل ما عليه الحال في وسائل الإعلام، بما يجمد الفكر في عديد من الدول العربية والإسلامية على وجه الخصوص أو بأفكار وبرامج تدعم الإرهاب والعنف بطرق مباشرة أو وقتية غير مباشرة.

2. سوء الفهم والتفسير الخاطئ.

وهذا الأمر الذي يتعرض له بعض الطلبة في الجامعات، وأحيانا السماع المغلوط والتفسير غير المبرر، مما يترتب عليه الفوضى، ويتطور إلى أنواع العنف المختلفة، ويدعم هذا النوع من بعض من ينصبون أنفسهم مربين، ويتساهلون في أمور الحلال والحرام، ويأخذون من الأمور ظاهرها أو وفق أهوائهم الشخصية، دون الرجوع إلى العلماء الأكفاء وأهل العلم الشرعي الصحيح، الذين يهتمون بالناشئة ويحافظون على كيان المجتمع، وربما كان ديدنهم الاستعجال، وعدم فهم مقاصد الشريعة[14].

3. الأزمات الاقتصادية، حيث تعاني المجتمعات من تدهور ظروفها المعيشية بفعل انتشار الفقر وتدهور الخدمات وظهور طبقة من الأثرياء الذين يسلكون سلوكًا استفزازيًا بالنسبة للفقراء، وهذا ينعكس على الطلبة، وتؤدي الأزمات الاقتصادية أحياناً إلى ازدياد معدل البطالة والتضخم وغلاء الأسعار، وبالتالي تزداد حدة التفاوت الطبقي، وتنعكس آثار هذا الخلل الخطير على الشباب وتنشأ تربة صالحة للتطرف والعنف وتزود الجماعات المتطرفة بأعضاء يعانون من الإحباط ويفتقدون الشعور بالأمان والأمل في المستقبل[15]؛ ولهذا يتكون لدى الطلبة الشعور بالانتقام، وقد يستثمر هذا الشعور بعض المغرضين والمثبطين فيزينون قدرتهم على تحسين الوضع الاقتصادي، دون النظر إلى عواقب ذلك وما يترتب عليها من مفاسد وأضرار[16].

4. تضييق دائرة الشورى والديمقراطية أو انعدامها، حيث لم تأخذ الجامعات بمبدأ الشورى والحوار، ولعل أهم الأطر الديمقراطية وأبرزها فتح قنوات قانونية للحوار والتعبير عن الرأي والفكر لجميع الطلبة؛ ولهذا فإن العجز عن الحوار مع جيل الشباب، وعدم إفساح المجال له كي يعبر عن نفسه، ويخدم بلاده، يجعل الكثير من الشباب ضحية هذا العنف المؤسسي، فتنمو في أوساطهم ظاهرة التطرف والعنف والتطرف[17].

5.الغلو في الفكر: وهو مجاوزة الحد، وهذا الغلو أو ما قد يصطلح عليه بـ (العنف) خطير جدًا في أي مجال من المجالات، والإسلام قد حذر منه حتى ولو كان بلباس الدين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إياكم والغلو)[18]، ويقول صلى الله عليه وسلم: (هلك المتنطعون)[19]، فمن يتصف بهذا الغلو ويجاوز الحد في فهم النصوص، فيعمل ويعتقد في العموميات ويترك النصوص التفصيلية الأخرى، وقع في إهمال النصوص وعدم استقصاء الأدلة وأحوالها[20].

الخلاصة في هذا المطلب أن أسباب العنف الجامعي وأضراره على المجتمع العلمي، وخاصة في الجامعات أهمها ضآلة الاهتمام بالتفكير الناقد والحوار البناء، وغياب الوعي التربوي والإعلامي، وأسلوب التلقين وحشو المواد الدراسة في عقول الطلبة دون شرح النصوص من مصادرها الصحيحة، بما يجمد ويولد الفكر الإرهابي والعنف والغلو والتطرف أحياناً، ويجب معالجة هذه الظاهرة بأسرع وقت ممكن، بالتنسيق مع إدارة الجامعات بتوفير هيئة مستقلة داخل الجامعة تحفظ عقول الطلبة، وتكثيف محاضرات التوعية والإرشاد كمتطلبات جامعية اجبارية، أو من خلال المحاضرين من الهيئات الدينية في المؤسسات في بلدنا، وعقد ندوات تعريفية للطلبة، وشرح وتقديم الإسلام كمنقذ لكل ما يحصل في جامعاتنا.

المبحث الثاني

دور المؤسسات الدينية في مواجهة العنف الجامعي

هناك دور بارز وواضح للمؤسسات الدينية في مواجهة العنف الجامعي، وهذا الدور يجب تفعيله في الجامعات، حتى لا تتكرر مشاهد العنف في ميادين العلم، وخاصة الجامعات والمدارس للوصول إلى بيئة علمية آمنة خالية من العنف والتطرف والغلو والفكر المنحرف الضال.

المطلب الأول: ظاهرة العنف الجامعي، وأثره على النواحي التعليمية

ظاهرة العنف الجامعي أصبحت اليوم تؤرق جامعاتنا، والتي كان لها كبير الأثر في المجتمعات والأوساط العلمية؛ لكن لما دخل الجهل إلى جامعاتنا من خلال الفكر المتطرف وغيره، تولد العنف والتعنت والغلو والخلافات الغير مبررة، مما انعكس سلبا على التعليم الجامعي وظهرت الأثار الخطيرة على الفرد والأسرة والمجتمع، ومن هذه الآثار المدمرة لظاهرة العنف[21]، أن العنف ولّد لدى المعتدى عليه عقد نفسية تجعله حاقداً على الناس وعلى مجتمعه وعلى الجامعة والمدرسة، التي تعلم منها وأصبح مستعداً لكل عمل عدواني في مستقبل الأيام ضد بلده ومدرسته وجامعته، وأدى إلى  تدمير المجتمع والأسرة، وتشتت شملها وأدت إلى حدوث النكبات، وعلى صعيد الأسرة أدى إلى ضياع الزوجة وانحراف الأبناء، وتهديد أمن المجتمع كله وظهر فيه ثقافة العدوان، وأكل الحقوق وجعله مجتمع الثارات والمشاكل التي قد يطول أمدها، وتضرر النساء من العنف الأسري كذلك نظراً لطبيعة المرأة الضعيفة ولرغبتها المستمرة في التضحية؛ حفاظاً على كيان أسرتها وحماية بيتها وسمعة أهلها؛ ولهذا نجدها تقبل التنازل عن حقوقها وترضى أن تكون ضحية للعنف حفاظاً على البيت والأبناء وسمعة العائلة، تضرر كذلك كبار السن، وهم أفراد الأسرة، وتقدمت بهم السن وأصبحوا في حالة ضعف، ولعلهم الأجدر بالاهتمام والرعاية في هذا الوقت، ويرون أن من حقهم المطالبة بالعناية والاهتمام كرد للجميل بدل أن يعاملوا بالقسوة والتهميش؛ ورغم ما تقدم؛ فإننا اليوم بحاجة إلى غرس القيم والمبادئ والأخلاق في نفوس الأبناء منذ الصغر، بل إن الإسلام يتجاوز تاريخ الاختلاف حتى بين الديانات، ويطالب بالعودة إلى أصل الفطرة البشرية والتي يمثلها الدين الإسلامي، وهو دين الأنبياء جميعاً، وهو دين الفطرة[22]، ومتابعة الأبناء وتوجيه سلوكهم،  وتحقيق العدل، وحفظ التوازن في الحياة، ونشر الوعي الديني والثقافة الشرعية بين عامة الطلبة والمجتمع عن طريق الوسائل المتاحة كلها، وربط المجتمعات بدينهم، وتحقيق التحصين الثقافي ضد الفكر الغازي والفكر المتطرف الذي يولد العنف في المجتمع وفي الجامعات والمدارس[23].

الخلاصة كما يراه الباحث أن ظاهرة العنف الجامعي اليوم أثرت سلبا على الناحية التعليمية في الجامعات والمدارس، ونحن بأمس الحاجة اليوم إلى العقل الراشد الذي يمتص غضب الطلاب ويحاورهم ويناقشهم، للحيلولة دون توسع دائرة العنف الجامعي، وقد شهدت جامعاتنا ثورة في موضوع العنف الجامعي، وتوسع إلى غالب الجامعات والمدارس، وهذا ما ينبئ بخطر عظيم على التعليم الجامعي، ونحن بحاجة إلى عقلاء، وهم كثر في بلدنا المعطاء الكبير، وبحاجة إلى علماء راشدين، ولا بد لنا أن نبحث عنهم، من خلال التشاركية مع المؤسسات الدينية في بلدنا.

 المطلب الثاني: دور المؤسسات الدينية في مواجعه العنف الجامعي

من أهم المؤسسات الدينية في بلدنا على وجه الخصوص، دائرة قاضي القضاة ودائرة الإفتاء العام الأردنية ووزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية، وكليات الشريعة في جامعاتنا، أما دائرة قاضي القضاة فقد استحدثت مركز إصلاح للعناية بالشباب المقبل على الزواج لحماية الأسرة والمجتمع، ومن خلال المحاضرات التوعوية للطلبة في الجامعات، وقامت أيضا بسن تشريع بهذا الخصوص، وهدفها الإصلاح والتوفيق الأسري مع التنسيق بينهم على مستوى الدائرة والمحاكم الشرعية، وتقوم بدور بارز في رعاية الشباب.

وكذلك دائرة الإفتاء العام الأردنية فقد ساهمت في حل الخلافات بين الشباب ونبذ العنف والتطرف، حيث استحدث دائرة الإفتاء العام الأردنية قسما خاص بما يسمى الفتاوى المنحرفة والشاذة، وهناك مرصد خاص لذلك؛ للحيلولة دون حدوث أي نوع من أنواع العنف المجتمعي، ويقوم المفتي بدور الوعظ والنصح والإرشاد، ليحث الأطراف على تجاوز الخلاف، وتأليف القلوب، وإصلاح ذات البين[24].

وهناك دور واضح أيضا لوزارة الأوقاف في الإصلاح، وهناك جهود كبيرة جداً تبذل من خلال الخطباء والمدرسين والوعاظ، والحقيقة أن هناك ثماراً موجودة في المجتمع الذي نعيش، على الصعيد الرسمي لوزارة الأوقاف، فإنه يوجد قسم خاص ومتخصص فيما يتعلق بالإصلاح الأسري في الوزارة، وخاصة في قسم الوعظ والإرشاد، وهناك ورشات علمية وندوات ودروس تتعلق بهذا الأمر.

وكذلك كليات الشريعة في الجامعات، فهناك مساقات أكاديمية علمية ومتطلبات جامعية تسعى للوصول إلى بيئة أمنه بعيدة عن التطرف والعنف الجامعي.

ولا بد من أن تعيد المؤسسات الدينية الرسمية النظر في أساليبها التقليدية التي اعتادت عليها في مجالات الوعظ والإرشاد والتوجيه، وأن تتحول إلى مؤسسات فعالة قادرة على تقديم إجابات عن تساؤلات الحياة المعاصرة، ومساعدة الطالب الجامعي على التكيف مع الواقع الذي يعيش فيه، ثم النهوض به وتطويره، ولا بد أن تنفتح تلك المؤسسات أبوابها للحوار والمناقشة، وتدير في الوقت نفسه حوارًا حقيقيًا مع التيارات الدينية المختلفة.

وفي هذا المجال أمور لا بد منها، وهي أن الثقافة الدينية التي يتعرض لها الطلبة، والمقررات الدينية المقررة في مدارسنا تحتاج إلى مراجعة دقيقة، كما ندعو إلى تدريس أدب الخلاف ضمن المناهج الدراسية، قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: 125][25].

وإن الحوارات الوطنية مطلب ضروري؛ لأنها تضمن توثيق الصلة بين الطلبة والمجتمع المدني، وتضمن كذلك إتاحة الفرصة أمام القطاعات المختلفة للإسهام بنصيب في صياغة التوجهات السياسية، والمشاركة في مواجهة أزمات الأمة[26]، مع التنسيق مع الأجهزة الإعلامية لتغطية النشر عن العمليات الإرهابية، إذ إن الإرهاب والعنف يعمد دائمًا إلى القيام بعمليات مثيرة من شأنها جذب انتباه الجماهير وإثارة الرعب العام، وغالبًا ما تستدرج وسائل الإعلام إلى التغطية المكثفة للنشاطات الإرهابية، وتحقق بذلك الأهداف الخبيثة للعنف[27].

وعلى الجميع، وبالأخص العلماء والدعاة والمربون واجب عظيم في بيان الحق للشباب، ووصف طريق الصواب، وتوعية الناشئة وتبصيرهم بسلامة المنهج، والشباب الجامعي اليوم بأمس الحاجة لمن يفتح قلبه لهم، ويجلس إليهم، ويسمع منهم، ويلين القول لهم، بدل أن تٌغلق الأبواب في وجوههم، وتعصف بهم الشبهات والضلالات.

ولا بد من المشاركة السياسية للشباب من مختلف الطبقات، في اتخاذ جميع القرارات التي تمس حياة الطلبة سواء داخل الأسرة أو المدرسة أو الجامعة، ويجب أن يتجه الواقع الديني إلى تعليم الطفل كيف يناقش، وكيف يعبر عن رأيه بحرية، وكيف يحترم آراء الآخرين، وكذلك يجب التركيز على فلسفة المشاركة في جميع مراحل التعليم، وذلك من خلال خلق ملكة التفكير الخلاق والنقدي، والحوار المبني على التحليل والاستنباط، واحترام الرأي الآخر، والإيمان بالمشاركة الفعالة في قضايا المجتمع، فضلًا عن غرس روح المبادرة لدى الطلاب من خلال الحوار والإقناع وليس التخويف والعقاب.

وإن الاختلاف بين البشر في أفكارهم وآرائهم ومواقفهم وعاداتهم أمر طبيعي تقتضيه ظروف نشأة البشر، حتى إن القرآن الكريم يؤكد على حتمية وجود الاختلاف والتفاوت بين الناس، في قوله عز وجل: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [يونس:19]، وقال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) [هود: 118-119].

والخلاصة كما يراه الباحث أن هناك دوراً بارزاً لمؤسساتنا الدينية في بلدنا على وجه الخصوص وفي البلاد الإسلامية على وجه العموم، ومن الأمثلة الواقعية لدور المؤسسات الدينية للحد من العنف الجامعي، أن هناك شراكة بين دائرة الإفتاء ودائرة قاضي القضاة مع الجامعات، وتم من خلال الشراكة التنسيق مع الجامعات لإعطاء محاضرات توعوية في الجامعات الأردنية، وخاصة الجامعة الأردنية، وجامعة آل البيت، وجامعة اليرموك، وجامعة جدارا، حيث تم عقد ورشات في رحاب الجامعات المذكورة، وكانت هذه الورشات يجتمع فيها مندوب من دائرة الإفتاء العام ومندوب من دائرة قاضي القضاة، وبحضور عمداء الكلية في الجامعات، وقد قمت كمندوب عن دائرة الإفتاء العام بإعطاء محاضرة توعوية في الجامعة الهاشمية وجامعة آل البيت وجامعة اليرموك، خلال السنوات الثلاثة الماضية، وما زالت الشراكة والتنسيق لهذه المحاضرات حتى يومنا هذا، حتى تنعم جامعاتنا ومدارسنا بالأمن والإيمان لتكون جامعاتنا ومدارسنا واحات أمن وإيمان.

وهناك تنسيق ما بين دائرة الإفتاء العام ووزارة التربية والتعليم لإعطاء الدروس والمحاضرات لتوعية الطلبة من العنف، والحث على إيجاد العلاقة الطيبة بين الطلبة، لأن طلبة المدارس عن قريب يكونون في الجامعات، وعلى الصعيد الشخصي كنت مندوبا عن دائرة الإفتاء العام يوم الثلاثاء بتاريخ 24 /9/ 2025 في محاضرة عن العنف في مدرسة ماريا القبطية، وفي مدرسة ميسون الدمشقية التابعة لمديرية تربية قصبة إربد.

المطلب الثالث: دور المؤسسات الدينية في التقليل من أثار العنف الجامعي على الأسرة والمجتمع وسبل العلاجولما كان العنف اعتداء على نفوس الناس وأموالهم بغير حق، وانتهاكًا لحرماتهم، وأمنهم ومصالحهم، كان لزاما أن تتضافر الجهود من قبل المؤسسات الدينية لحماية المجتمع من العنف، للمحافظة على الضرورات، ومنها تحقيق الأمن المجتمعي وحماية الجامعات من تبعات العنف وآلامه وشروره، ومن أهم أثار العنف الجامعي أن العنف الجامعي يولّد لدى الطلبة الصرعات الطائفية، والعدوانية، ويدمر الفكر لدى الطلبة، ويشتت المجتمعات، ويؤدي إلى ضياع الأسرة والمدرسة والصغار والكبار، ويهدد أمن المجتمع كله ويشيع فيه ثقافة العدوان، وأكل الحقوق، ويجعله مجتمع الثارات والمشاكل التي قد يطول أمدها.

وأما سبل العلاج فتتنوع حسب طبيعة ونوع العنف، فكل مجتمع من المجتمعات يعمل جهده للبعد عن مواطن العنف والإرهاب والتطرف، والمجتمع الواعي هو الذي لا يصل إلى العنف بتاتاً؛ بل يعمل الخطط والبرامج للحيلولة دون الوقوع في العنف، ويجب على المؤسسات الدينية الأخذ بسبل الوقاية للحيلولة دون الوصول إلى العنف المجتمعي، ومن هذه الوسائل أو السبل التي تقي المجتمع وتحمي المجتمعات والجامعات من العنف ما يأتي:

- أن تعيد المؤسسات الدينية النظر في أساليبها التقليدية التي اعتادت عليها في مجالات الوعظ والإرشاد والتوجيه، وأن تتحول إلى مؤسسات فعالة قادرة على تقديم إجابات عن تساؤلات الحياة المعاصرة، ومساعدة الإنسان العربي على التكيف مع الواقع الذي يعيش فيه، ثم النهوض به وتطويره؛ ولا بد أن تنفتح تلك المؤسسات على العالم الخارجي، وتدير في الوقت نفسه حوارًا حقيقيًا مع التيارات المختلفة.

-  إتباع الأساليب الواعية في التحاور، فقد جاء في جاء القرآن الكريم والسنة النبوية بتشريعات حكيمة تمنع مسببات الخصومات والصراعات، وبضوابط هادفة تحول دون اللجوء إلى الثأر؛ لكونه أسلوباً فوضوياً في الانتصاف واسترجاع الحق، وتؤصل هذه التشريعات والضوابط أيضا للقصاص والحدود وسيلة حضارية عن طريق دعم مؤسسة القضاء، والفصل في الخصومات، من أجل اشفاء غليل الإنسان المظلوم بكل واقعية، دون لجوئه إلى استخدام العنف؛ ولذلك لا مجال لاستعمال القوة إلا بالحق[28].

-  المساواة في التعامل مع الطلبة، فالمتأمل في القرآن الكريم والسنة النبوية، يتبين له أن هنالك إشارات قوية تدعو إلى المساواة ونبذ العنف واستعمال القوة بالمفهوم السلبي إلا في حالة الوقوع تحت ظلم الآخر أو عدوانه، كما أنه لا إكراه على الدخول في الإسلام بالقوة، ولا قتل للنفس التي حرم الله إلا بالحق[29].

-  إشباع احتياجات الأبناء النفسية والاجتماعية والسلوكية، وكذلك المادية وأهمية ضبط النفس وعدم استعمال القوة إلا لمن ظلم، فقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب لمقتل عمه حمزة، فبكى وحزن لموته، َقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: نَزَلَتْ سُورَةُ النَّحْلِ بعد أُحد حين قُتِلَ حَمْزَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمُثِّلَ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لئن أظهرني الله عليهم لأمثلن بِثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ) فَلَمَّا سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ، قَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ لَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثِّلْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ بِأَحَدٍ قَطُّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) [النحل:126][30].

-  المشاركة الحسية والمعنوية مع الأبناء، ومصادقتهم لبث الثقة في نفوسهم، والتفاهم بين الأبناء يسهم في علاج القضايا الإنسانية التي تواجه البشرية في كل مكان؛ ونظرًا لاختلاف الخبرات واختلاف الحلول التي تقدمها الجامعات للطلبة؛ فإن تعاون الأبناء مع الآباء، والآباء مع الجامعات يساعد في الوصول إلى حلول مشتركة وفعالة لحل كل مسائل العنف التي تكون بين الطلبة، وبخاصة إذا تم توظيف الخلاف والنزاع توظيفًا جيدًا وصحيحًا، لعلاج مشكلات الطلبة، وبناء مستقبل أفضل لجامعاتنا[31].

- التقليل من مشاهدة مناظر العنف على الفضائيات، والتنسيق مع الأجهزة الإعلامية لتغطية النشرات الواعية عن نبذ العنف والارهاب، إذ إن الإرهاب يعمد دائمًا إلى القيام بعمليات مثيرة من شأنها جذب انتباه الجماهير وإثارة الرعب العام، وغالبًا ما تستدرج وسائل الإعلام إلى التغطية المكثفة للنشاطات الإرهابية، وتحقق بذلك الأهداف الخبيثة للعنف.

الخلاصة في هذا البحث أن من آثار العنف الجامعي على الأسرة والمجتمع تولد العدوان لدى الشباب الجامعي، وتدمير المجتمع والأسرة، وتشتت شملها؛ ويؤدي إلى ضياع وانحراف الأبناء، ويهدد أمن المجتمع كله، ويشيع فيه ثقافة العدوان وأكل الحقوق، ويجعله مجتمع الثارات والمشاكل التي قد يطول أمدها، وعلاج ذلك كله بالعودة إلى منابع العلم الصحيح، والبعد عن كل ما كان سبباً في العنف، للوصول إلى مجتمع آمن وخالٍ من العدوان والعنف والإرهاب والغلو؛ ليعيش المجتمع في واحة أمن في كل ميادين العلم بعيدا عن العنف ومسبباته.  

الخاتمة

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه

وسلم وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن سار على نهجهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:

فقد هدفت هذه الدراسة إلى بيان دور المؤسسات الدينية والتعليمية في مواجهة العنف الجامعي، وخلصت الدراسة إلى أهم النتائج والتوصيات.

أولاً: النتائج

1- أهمية الأمن، وأنه حاجة إنسانية ملحة، ومطلب فطري لا تستقيم الحياة بدونه، ولا يستغني عنه فرد أو مجتمع .

2- أن منهج الإسلام المتفرد في تحقيق الأمن ومكافحة العدوان ونبذ العنف، منهج قويم متكامل، ولا بد من الأخذ به لمحاربة العنف والإرهاب والتطرف.

3- إن سلوك العنف والإرهاب والتطرف، مخالف لتعاليم الإسلام، ومناقض لما جاء به من السماحة واليسر والرحمة.

4- أن مؤسساتنا الشرعية والدينية والتعليمية تحارب العنف، وتؤدي دورًا فاعلًا في القضاء عليه، وقطع شبهاته وضلالاته.

5- العلاج الشافي والبلسم الناجع للعنف هو الإسلام؛ لأن الإسلام يسلك الطريقة الصحيحة في التربية والتعليم انطلاقا من قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)، فالقراءة باسم الله تحل كل خلافاتنا وكل مصائبنا، إذا كانت على منهج القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يكون حل الخلافات أيضا علميًا ودعويًا بالحكمة والموعظة الحسنة من خلال العلماء العاملين المخلصين.

ثانياً: التوصيات.

1- على المؤسسات العلمية والتربوية عقد محاضرات وندوات داخلية وعبر الفضائيات، لتوعية الناس من هذا الوباء الخطير الذي أصبح يدق في قلب الأمة عامة وفي جامعاتنا خاصة.

2- عمل نشرات إرشادية وتوزيعها على طلبة المدارس والجامعات والمساجد، لحماية طلابنا من العنف، وبيان أثره الخطير على الأمة وعلى المجتمع التعليمي بوجه خاص.

 

(*) بحث مقدم للمؤتمر العلمي "من الجامعة إلى المجتمع- شركاء في مواجهة العنف الجامعي"، جامعة جرش، 20-22 /10 / 2025م.

الهوامش


 [1]  انظر: الزيد، حصة بنت عبدالكريم، موقف الصحابة من أحداث العنف في عهد الخلفاء الراشدين، دار الكتب العلمية، بيروت، 1999م، ج1، ص34.

[2]  الجوهري، إسماعيل بن حماد الجوهري (ت393هـ)، الصحاح في اللغة، دار المعرفة، بيروت،2000م، ج1، ص500.

[3]  الفراهيدي، الخليل بن أحمد (ت 170هـ)، العين، المكتبة التجاري، مكة المكرمة، 1405هـ، ج1، ص118.

[4] انظر: محمد رواس قلعجي، معجم لغة الفقهاء، دار صادر، بيروت، 1995م، ج1، ص323.

[5]  انظر: إبراهيم بن موسى، دراسة خاصة عن العنف السياسي في مصر، ص568.

[6]  انظر: عزوزي، حسن بن إدريس، قضايا الإرهاب والعنف والتطرف في ميزان القرآن والسنة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 2000م، ج1، ص13.

[7]  انظر: محمد الحسيني مصيلحي، الإرهاب مظاهره وأشكاله وفقا للاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، دار المعرفة، القاهرة، ج1، ص13.

[8]  رواه ابن ماجة برقم (2620) في السنن، وأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج5 ص74. وقال: غَرِيبٌ، تَفَرَّدَ بِهِ حَكَمٌ عَنْ خَلَفٍ، رَوَاهُ هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ وَالْمُتَقَدِّمُونَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ.

[9]  انظر: فاتنة أبو العافية، مفهوم العنف المجتمعي وأنواعه، مقال منشور على موقع العالم اليوم،2021م، ص22.

[10]  المرجع السابق ص25.

[11]  مقال على الشبكة العنكبوتية، لجمعية الأمل العراقية.

[12]  أخرجه البخاري، باب: خوف المؤمن أن يحبط، برقم 6044.

[13]  مسند ابن أبي شيبة (1/ 239)، رَوَاهُ الْحَكَمُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ مِثْلَهُ، وَحَدِيثُ الْأَعْمَشِ تَفَرَّدَ بِهِ إِسْرَائِيلُ.

[14]  انظر: أسماء بنت عبد العزيز الحسين، أسباب الإرهاب والعنف والتطرف دراسة تحليلية، ج1، ص11، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد.

[15]  انظر: محمد الهواري، الإرهاب المفهوم والأسباب وسبل العلاج، ج1، ص123، دار الكتب العلمية، 1999م.

[16]  انظر: صالح بن غانم، أسباب الإرهاب والعنف والتطرف، ص30.

[17]  انظر: محمد الهواري، الإرهاب المفهوم والأسباب وسبل العلاج ص24. وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، 1419هـ.

[18]  رواه ابن ماجه، ج3، ص1008، برقم 3029، باب قدر رمى حصى الرمي، وابن أبي شيبة، برقم 13909، ج3، ص248، والطبراني في الكبير برقم 7094، ج7، ص267، وأحمد في المسند، ج1، ص347، برقم (3248). قال الألباني: صحيح.

[19]  صحيح مسلم برقم 2670، ج4، ص2055.

[20]  انظر: صالح بن غانم، أسباب الإرهاب والعنف والتطرف، ص21، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، 1419هـ.

[21]  انظر: محمد علي إبراهيم، الإرهاب والعنف والتطرف في ميزان الشرع، ج1، ص24، دار طيبة للنشر والتوزيع، 1406هـ.

[22]  انظر: محمد خليفة حسن، الحوار الديني ودوره في مواجهة التطرف الديني والإرهاب، ج1، ص13، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، 1406هـ.

[23]  انظر: صالح بن غانم، أسباب الإرهاب والعنف والتطرف، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، 1419هـ، ج1، ص39.

[24]  انظر: الموقع الإلكتروني لدائرة الإفتاء العام الأردنية.

[25]  انظر: عز الدين، الأساليب العاجلة وطويلة الأجل لمواجهة التطرف والإرهاب في المنطقة العربية، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، 1408هـ، ص450.

[26]  انظر: السيد محمد الحسيني، تعقيب في «تحديات العالم العربي في ظل المتغيرات الدولية»، أعمال المؤتمر الدولي الثاني الذي نظمه مركز الدراسات العربي الأوروبي، القاهرة من 25-27 / 1 / 1994م، مركز الدراسات العربي الأوروبي، باريس 1994م، ص476-478.

[27]  انظر: عبد الله الجاسر، دور وسائط الإعلام في مواجهة التطرف والإرهاب، بحث منشور في «تحديات العالم العربي في ظل المتغيرات الدولية»، أعمال المؤتمر الدولي الثاني الذي نظمه مركز الدراسات العربي الأوروبي، القاهرة من 25-27 / 1 / 1994م، مركز الدراسات العربي الأوروبي، باريس 1994م، ص463.

[28]  انظر: محمد علي إبراهيم، الإرهاب والعنف والتطرف في ميزان الشرع، دار طيبة للنشر والتوزيع، 1406هـ، ج1، ص24.

[29]  انظر: عزوزي، حسن بن إدريس، قضايا الإرهاب والعنف والتطرف في ميزان القرآن والسنة، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، 1419هـ، ج، ص31.

[30]  انظر: إسماعيل بن عمر بن كثير (ت774هـ)، تفسير ابن كثير، (4/ 527)، المحقق: محمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون، بيروت.

[31]  انظر: محمد خليفة حسن، الحوار الديني ودوره في مواجهة التطرف الديني والإرهاب، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد،1420هـ، ج1، ص10.

رقم البحث [ السابق ]

اقرأ للكاتب




التعليقات


Captcha


تنبيه: هذه النافذة غير مخصصة للأسئلة الشرعية، وإنما للتعليق على الموضوع المنشور لتكون محل استفادة واهتمام إدارة الموقع إن شاء الله، وليست للنشر. وأما الأسئلة الشرعية فيسرنا استقبالها في قسم " أرسل سؤالك "، ولذلك نرجو المعذرة من الإخوة الزوار إذا لم يُجَب على أي سؤال شرعي يدخل من نافذة " التعليقات " وذلك لغرض تنظيم العمل. وشكرا