وقفات مع السحور
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على لا من لا نبي بعده، عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
رمضان شهر الخير والبركة، شهر الحصاد لما بذره العبد في رجب، وسقاه ونمّاه في شعبان.
ومما اختص الله تعالى به المسلمين في شهر رمضان السحور، وسنعرض موجزاً لأهم الأحكام المتعلقة به في هذا المقال:
أولاً: التسمية:
(السُّحور) -بضم السين- يراد به: الأكل في وقت السحر. وبفتح السين (السَّحور): الطعام الذي يؤكل فيه([1]).
وسمي السحور بأسماء عدة تدل على الفضيلة والخير والبركة، فقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم بالغداء المبارك، فعن العرباض بن سارية رضي الله عنه، قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السحور في رمضان، فقال: (هلم إلى الغداء المبارك) [سنن أبي داود 2/ 303].
وسمي السحور كذلك بالفلاح؛ لما رواه أبو ذر الغفاري رضي الله عنه بقوله: "فقام بنا صلى الله عليه وسلم حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قال: قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور" [سنن أبي داود 2/ 50].
ثانياً: فضله:
- السحور من خصائص الأمة الإسلامية، فأهل الكتاب لم يبح لهم السحور مطلقاً، كذلك مُنع المسلمون في بداية تشريع الصيام من الأكل بعد النوم إلى أن يحين وقت الإفطار، ثم منّ الله تعالى على الأمة بإباحة السحور لها، فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، أكلة السحر) [رواه مسلم، باب فضل السحور 2/ 770].
ومما ورد في تشريع السحور ما رواه البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإفطار أتى امرأته، فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبة لك!
فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) [البقرة: 187] ففرحوا بها فرحاً شديداً، ونزلت: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) [البقرة: 187]) [صحيح البخاري 3/ 28].
- السحور بركة للصائم، فعنْ أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً) [صحيح البخاري 3/ 29].
والبركة في السحور دنيوية وأخروية، وتتضح جوانب البركة في الأمور الآتية:
- السحور فيه تقوية للبدن على تحمل صوم النهار، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اسْتَعِينُوا بِطَعَامِ السَّحَرِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ، وَبِقَيْلُولَةِ النَّهَارِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ) [المستدرك على الصحيحين 1/ 588].
- السحور فيه تحقيق لركن النية في الصيام وقطعاً للوسوسة فيها، فإذا تسحر بنية التقوي على صيام نهار رمضان فهي نية صحيحة، جاء في [مغني المحتاج]: "والمعتمد أنه لو تسحر ليصوم، أو شرب لدفع العطش نهاراً، أو امتنع من الأكل أو الشرب أو الجماع خوف طلوع الفجر كان ذلك نية إن خطر بباله الصوم بالصفات التي يشترط التعرض لها؛ لتضمن كل منها قصد الصوم"([2]).
- وقت السحور وقت الاجتهاد بالدعاء والذكر وصلاة قيام الليل، فمن استيقظ للسحور، كان بإمكانه استغلال هذا الوقت المبارك، يقول تعالى: (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الذاريات: 18].
- السحور بركة للصائم حين يتمكن من أداء صلاة الفجر في أول وقتها، فهذا من أحب الأعمال إلى الله تعالى.
وقد أجمل الإمام النووي رحمه الله تعالى جوانب هذه البركة بقوله: "قوله صلى الله عليه وسلم: (تسحروا فإن في السحور بركة)... وأما البركة التي فيه فظاهرة؛ لأنه يقوي على الصيام، وينشط له، وتحصل بسببه الرغبة في الازدياد من الصيام لخفة المشقة فيه على المتسحر، فهذا هو الصواب المعتمد في معناه، وقيل: لأنه يتضمن الاستيقاظ، والذكر، والدعاء في ذلك الوقت الشريف، وقت تنزل الرحمة، وقبول الدعاء، والاستغفار، وربما توضأ صاحبه وصلى، أو أدام الاستيقاظ للذكر والدعاء والصلاة، أو التأهب لها حتى يطلع الفجر"([3]).
ثالثاً: حكم السحور:
السحور مستحب غير واجب على الصائم، فلو تركه الصائم في بعض الأيام أو بشكل مطلق فصيامه صحيح، إلا أنه فوت على نفسه بركة السحور، كما قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "وأجمع العلماء على استحبابه وأنه ليس بواجب"([4]).
رابعاً: وقت السحور:
يدخل وقت السحور من منتصف الليل إلى أذان الفجر الثاني، فالأكل قبل ذلك لا يسمى سحوراً فلا تتحقق به السنة، والأفضل تأخير السحور إلى ما قبل أذان الفجر الثاني بقليل، ويقدر بمقدار قراءة خمسين آية من القرآن الكريم، فعن زيد بن ثابت رضي الله عنهُ قال: "تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ. قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً". [صحيح البخاري 3/ 29]، ولكن إن شك المتسحر في بقاء وقت السحور أم لا؟ فلا يسن تأخير السحور بل يبادر به، وليتثبت قبل الأكل من بقاء الليل، فإن ثبت له أنه قد أكل بعد دخول وقت الصيام لزمه الإمساك بقية اليوم، وقضاء هذا اليوم([5]).
خامساً: حكم السحور بعد بدء أذان الفجر الثاني:
يجب الحذر من الأكل والشرب بعد بدء الأذان الثاني، تمسكاً بظاهر الحديث النبوي الشريف: (إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ، فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ) [رواه أبو داود 2/ 304]، فقد حكم بعض العلماء على الحديث بعدم الصحة كما جاء في [علل ابن أبي حاتم، رقم/340، 759]، كما أن فيه مخالفة لقول الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) [البقرة: 187].
وعلى فرض صحة الحديث، فقد حمله العلماء على الأذان الأول الذي يؤذن بليل وليس على الأذان الثاني، فلا يحل الأكل بعده؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ بِلاَلًا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) [رواه البخاري 7/ 52].
سادساً: ما يتحقق به السحور:
تتحقق سنة السحور بتناول الكثير من الطعام والشراب أو بالشيء القليل منهما، ولو بأن يشرب المتسحر شربة ماء، فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجَرْعَةٍ من ماء) [صحيح ابن حبان 8/ 253].
وعليه، فالسحور بركة في الدنيا وبركة في الآخرة، وحريٌّ بالمسلم أن يحرص على تحصيل فضيلته في هذا الشهر الكريم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
([1]) لسان العرب (1/ 195)، ويُنظر: بشرى الكريم (1/ 562).
([2]) مغني المحتاج (2/ 148).
([3]) شرح النووي على مسلم (7/ 206).
([4]) شرح النووي على مسلم (5/ 138).
([5]) يُنظر: بشرى الكريم بشرح مسائل التعليم (1/ 564).