تقرير عن بحث: خطورة مساواة الحديث الضعيف بالموضوع
بطاقة البحث:
المؤلف: الأستاذ الدكتور خليل بن إبراهيم ملا خاطر العزامي
عنوان البحث: خطورة مساواة الحديث الضعيف بالموضوع
معلومات عن البحث: بحث قُدم للندوة العلمية الثانية حول (الحديث الشريف وتحديات العصر)، المنعقد في كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي بتاريخ 17-19 صفر 1426هـ، 135 صفحة.
مقدمة:
يعد هذا البحث محاولة في توضيح بعض المفاهيم التي أصبحت مشوشة لدى بعض الباحثين وطلبة العلم فيما يتعلق بالحديث الضعيف، والفرق بينه وبين الموضوع، ويرى الكاتب أن الهجمة على الحديث الضعيف مخالفة لإجماع الأمة، وضرب لأقوال السلف عرض الحائط.
حياة الكاتب:
الدكتور خليل بن إبراهيم ملا خاطر العازمي (1938 – 2023م) هو عالم سوري من دير الزور، متخصص في الحديث الشريف وعلومه، وتخرج من جامعة الأزهر، ثم عمل أستاذاً جامعياً لأكثر من جامعة في المملكة العربية السعودية.
كتب الدكتور خليل أكثر من خمسين عملاً بين بحث وكتاب وتحقيق مخطوط، وأغلب هذه المؤلفات في الحديث الشريف وعلومه.
أبرز الموضوعات الواردة في الكتاب:
جاء البحث مقسماً على فصول؛ ابتدأ فيها الكاتب ببيان مكانة السنة النبوية واحتياط الصحابة في روايتها، وبيان منشأ الضعف وأسبابه، ومن ثم تعريف الحديث الضعيف وأقسامه وحكم روايته وسبب وجوده في كتب الحديث، والرواية عن الضعفاء، وحكم العمل به، ورد ما نُسب إلى القاضي ابن العربي في هذه المسألة، ثم بيان الفرق بين الحديث الضعيف والموضوع، وخطورة مساواتهما.
منشأ ضعف الحديث:
يبين الكاتب أن الضعف في الحديث نشأ تبعاً لعوامل عديدة، منها:
1. لم يكن الناس يعرفون في العصور الأولى السند، ولكنهم كانوا يحتاطون ويتثبتون في السماع والأخذ، وبسبب عدم وجود من يُطالب بالسند نشأ الحديث المرسل وخاصة في روايات السيرة النبوية.
2. العوارض البشرية من نسيان وخطأ ووهم وضعف ذاكرة، فهذه العوارض كانت سبباً مهماً لوقوع الخطأ والتغيير والتبديل والخلط في رواية الحديث.
3. رواية الحديث دون تمحيص وعدم إحكام الرواية، وهذا وقع كثيراً لطائفة من العباد والزهاد والصالحين.
أسباب ضعف الحديث:
يبين الكاتب أسباب ضعف الحديث ويقسمها على مراتب؛ فأخفها رواية سيء الحفظ، والمبتدع بدعة غير مكفرة، والجهالة، ومخالفة الثقات، والوهم.
ثم يليها مرتبة المنكر، وتشمل رواية فاحش الغلط والغافل والفاسق.
ثم يليها مرتبة المتروك، ثم مرتبة الموضوع.
فالمتروك والموضوع لا تجوز روايتهما إلا ببيان وضعهما وحالهما.
وأما رواية الضعيف فتدخل في المتابعات والشواهد.
وأما رواية المنكر إذا تعددت الطرق تصبح كرواية المستور.
حكم رواية الحديث الضعيف:
يبين الكاتب أن علماء الحديث متفقون على رواية الحديث الضعيف وإخراجه في مصنفاتهم، وخير دليل على ذلك وجود الضعيف في جميع مصنفات الحديث ما عدا الصحيحين، وقد أخبر بعض أصحاب هذه المصنفات الحديثية بوجود الضعيف في مصنفاتهم، مثل أبي داود والترمذي، فلو لم يكن رواية الحديث الضعيف جائزاً لما رووه في كتبهم.
سبب رواية أصحاب الحديث عن الضعفاء:
يبيّن الكاتب في هذا الفصل أنه ما من إمام من أئمة الحديث إلا وقد روى عن الضعفاء للرواية أو للاحتجاج، ثم أورد الكاتب (25) سبباً لذلك، ومن أهم هذه الأسباب:
1. أن يكون الجرح في الراوي غير مؤثر.
2. وقوع الاختلاف في الراوي، فيكون ثقة عند المصنف وضعيفاّ عند غيره.
3. أن يكون الحديث أخرجه المصنف عن الضعيف في المتابعات والشواهد، وليس في الأصول.
4. أن يقرن المصنف الراوي الضعيف بآخر ثقة، مما يدل على أن الحجة قامت بالثقة وعلى حفظ الضعيف.
5. أن يكون ضعف الضعيف قد طرأ عليه بعد أخذ المصنف عنه، كاختلاط حصل له أو حرق كتبه.
6. أن يروي عن الضعيف بغير قصد الاحتجاج.
7. أن يكون الحديث الذي يرويه المصنف عن الضعيف في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب مما يتساهل علماء الحديث في روايته والعمل به.
ينقل الكاتب اتفاق علماء الحديث على عدم الجزم بضعف الحديث اعتماداً على سند واحد ورد ذلك الحديث به، لاحتمال وروده من طريق آخر صحيح، فلا بد من جمع أحاديث الباب؛ قال الإمام ابن الصلاح: "إذا رأيت حديثا بإسناد ضعيف فلك أن تقول هذا ضعيف وتعني أنه بذلك الإسناد ضعيف. وليس لك أن تقول هذا ضعيف وتعني به ضعف متن الحديث بناء على مجرد ضعف ذلك الإسناد، فقد يكون مرويا بإسناد آخر صحيح يثبت بمثله الحديث. بل يتوقف جواز ذلك على حكم إمام من أئمة الحديث بأنه لم يرو بإسناد يثبت به أو بأنه حديث ضعيف أو نحو هذا مفسرا وجه القدح فيه، فإن أطلق ولم يفسر ففيه كلام يأتي إن شاء الله تعالى، فاعلم ذلك فإنه مما يغلط فيه".
حكم العمل بالحديث الضعيف:
تساهل علماء الحديث في رواية الحديث الضعيف والعمل به فيما سوى العقائد والحلال والحرام، مثل المواعظ والفضائل والترغيب والترهيب والتاريخ والرقائق والزهد، وينقل الكاتب نصوصاً عن عدد من أئمة الحديث المتقدمين والمتأخرين كالإمام أحمد بن حنبل والإمام سفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي والنووي وابن الصلاح والعراقي، وينقل الكاتب وقوع الإجماع على العمل بالحديث الضعيف في الفضائل والرقائق عن السخاوي والرملي.
قال الإمام أحمد: "إذا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الأعمال وما لا يضع حكما ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد".
وقال الإمام السخاوي: "حكى النووي في عدة من تصانيفه إجماع أهل الحديث وغيرهم على العمل به في الفضائل ونحوها خاصة".
ويشترط لجواز العمل بالحديث الضعيف:
1. أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهم بالكذب ومن فحش غلطه.
2. أن يكون الحديث مندرجاً تحت أصل عام معمول به من أصول الشريعة.
3. ألا يعتقد عند العمل به ثبوته، لئلا ينسب للنبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله.
العمل بالحديث الضعيف في الأحكام إذا لم يوجد سواه:
ذهب كثير من الأئمة الفقهاء والمحدثين كأبي حنيفة ومالك وأحمد وإحدى الروايتين عنه إلى الأخذ بالحديث الضعيف –إذا كان ضعفه غير شديد– في الأحكام إذا لم يوجد في الباب سواه، فالأخذ بالضعيف عند الأئمة الثلاثة مقدم على الأخذ بالرأي؛ قال الإمام أحمد: "الحديث الضعيف أحب إلينا من الرأي"، وقد نقل مثل ذلك عن الثوري والأوزاعي، ومن الأمثلة على تقديم الضعيف على القياس إذا لم يوجد حديث أقوى منه:
1. قدم الإمام أبو حنيفة حديث القهقهة في الصلاة على القياس، وقد أجمع المحدثون على ضعفه.
2. قدم الإمام أبو حنيفة حديث (أكثر الحيض عشرة أيام) وهو ضعيف على القياس.
3. قدم الإمام مالك المرسل والبلاغات وأقوال الصحابة على القياس.
4. قدم الإمام الشافعي حديث جواز الصلاة في مكة وقت النهي مع ضعفه على القياس.
5. أخذ الإمام أحمد بحديث (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) مع ضعفه.
الضعيف الذي جرى العمل عليه، وتلقته الأمة بالقبول:
اتفق العلماء على الأخذ بالحديث الضعيف إذا جرى العمل عليه وتلقته الأمة بالقبول، وقد أورد الإمام الترمذي العديد من الأمثلة على ذلك، ومنه حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (من جمع بين صلاتين بغير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر) فضعفه الترمذي، ثم قال: والعمل على هذا عند أهل العلم: ألا يجمع بين الصلاتين إلا بالسفر أو بعرفة.
قال الخطيب البغدادي: "وقد يستدل أيضاً على صحته –أي الحديث– بأن يكون خبراً عن أمر اقتضاه نص القرآن أو السنة المتواترة أو أجمعت الأمة على تصديقه أو تلقته الكافة بالقبول وعملت بموجبه لأجله".
ما نُسب إلى بعض العلماء من رفض العمل بالحديث الضعيف:
يبحث الكاتب فيما نُسب الى بعض الأئمة كالبخاري ومسلم ويحيى بن معين وابن العربي المالكي وابن حزم من عدم جواز العمل بالحديث الضعيف مطلقاً، ويوضح بالرجوع إلى كتبهم أنهم أجازوا الأخذ بالحديث الضعيف ما لم يكن شديد الضعف، فالبخاري ذكر في [الأدب المفرد] أحاديث ضعيفة، واشتراطه الصحة في كتابه الجامع الصحيح إنما كان شرطاً في ذلك الكتاب لا غير.
وأما يحيى بن معين فقد روي عنه أنه أجاز الرواية عن الضعفاء في المغازي.
وأما ابن حزم فعلق على كلام الإمام أحمد (ضعيف الحديث أحب إلينا من القياس)، قال: (وبهذا نقول).
ثم يوضح الكاتب أن ما نُسب إلى ابن العربي من عدم جواز العمل بالحديث الضعيف محمول على ما إذا كان الحديث شديد الضعف، بدليل أن قد احتج في كتاب [عارضة الأحوذي بشرح جامع الترمذي] على جواز العمل بالحديث الضعيف في الفضائل والترغيب والترهيب إذا كان الضعف يسيراً، ومن ذلك أنه قال عن حديث التشميت بعد الثالثة: روى أبو عيسى حديثاً مجهولاً (إن شئت شمته وإن شئت لا) ثم قال: "وهو وإن كان مجهولاً فإنه يستحب العمل به؛ لأنه دعاء بخير".
مذهب الإمام أحمد في الضعيف:
وضح الكاتب أن مذهب الإمام أحمد الأخذ بالضعف إذا لم يوجد في الباب غيره، ورد على من حمل الضعيف عند ابن حنبل بالحديث الحسن، وأثبت أن الإمام أحمد أورد أحاديث ضعيفة في مسنده، ونقل عن عدد من علماء المذهب تأكيدهم على قاعدة أن الضعيف أولى من القياس، ونقل من فقهاء الحنابلة مسائل في أخذهم بالحديث الضعيف، وفيما يأتي بعض الأقوال في ذلك:
قال مهنا: "سألت أحمد عن حديث معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن غيلان أسلم وعنده عشر نسوة، فقال: ليس بصحيح والعمل عليه".
وقال الخلال: "مذهبه –يعني الإمام أحمد– أن الحديث الضعيف إذا لم يكن له معارض أخذ به".
ونقل ابن مفلح عن القاضي أبي يعلى في التعليق في حديث مظاهر بن أسلم: في أن عدة الأمة قرءان، مجرد طعن أصحاب الحديث لا يقبل حتى يبينوا جهته مع أن أحمد يقبل الحديث الضعيف انتهى كلامه.
أسباب الأخذ بالحديث الضعيف:
يبحث الكاتب في الحديث الضعيف أنه لا يوجب الرد جملة واحدة، بل قد يتقوى الحديث الضعيف المحتمل ضعفه –بسبب سوء حفظ الراوي أو انقطاع السند– بالمتابعات والشواهد؛ لأن سوء حفظ الراوي أو وهمه لا يعني أن جميع أحاديثه مردودة، فإذا ورد الحديث بطرق أخرى زال ما كنا نخشاه.
كما يقرر الكاتب كلام الحافظ ابن عبد البر: "رُب حديث ضعيف الإسناد صحيح المعنى"، فإذا كان ضعف الحديث محتمل ولم يوجد في الباب ما يعارضه واندرج تحت أصل معمول به، فإن يعمل بذلك الحديث احتياطاً.
الفرق بين الحديث الضعيف والحديث الموضوع:
يقرر الكاتب بعض الفروق بينهما، ومن أبرز هذه الفروق:
1. أن الحديث الضعيف عمل به العلماء بالإجماع في الفضائل والترغيب والترهيب، وعمل به عامة أهل العلم في الحلال والحرام إذا لم يوجد في الباب غيره، والأمة لا تجتمع على ضلالة، بخلاف الموضوع فلا يحل العمل به.
2. أن الحديث الضعيف في الأصل منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بخلاف الموضوع فهو مكذوب مختلق.
3. أن أسباب ضعف الحديث إما انقطاع في السند أو طروء العوارض البشرية مثل النسيان او سوء الحفظ أو عدم الضبط، وأما أسباب الوضع فهي الزندقة ونصرة المذاهب والأهواء والأغراض الدنيوية، فلا يعامل الضعيف كالموضوع.
4. أن الحديث الضعيف تحل روايته بالإجماع، ولذلك وضعه المحدثون في مصنفاتهم، بخلاف الموضوع فلا تحل روايته إلا للتحذير منه.
5. أن علماء الحديث أدخلوا في مصنفاتهم الصحيح والحسن والضعيف، ولم يعيبوا ذلك، بخلاف الموضوع ومن أدخله فقد عابوه.
6. أن الحديث الضعيف إذا تعددت طرقه أو وجد له متابع أو شاهد فإنه يرتقي إلى مرتبة الحسن، بخلاف الموضوع فمهما تعددت طرقه فهو مكذوب.
7. أن الحديث الضعيف قد يوجد ما يدل عليه من الأدلة العامة، بخلاف الموضوع فالأدلة دالة على كذبه.
في الختام يخلص الباحث إلى أنه يجوز العمل بالحديث الضعيف والأخذ به في الفضائل والترغيب والترهيب بالإجماع، وكما يجوز العمل بالضعيف في الأحكام إذا كان ضعفه محتملاً ولم يوجد في الباب غيره وهو مذهب جمهور العلماء، وأما في العقائد فلا يجوز الأخذ بالضعيف؛ لأن العقائد لا تثبت بالاحتمال أو الاحتياط، بل لا بد من القطع فيها.