السؤال:
ما حكم الصيام في شهر رجب؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله
ذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية، وبعض الحنابلة إلى استحباب الصيام في شهر رجب، كما يستحب صيام باقي الأشهر الحرم، وهي: محرم، وذو القعدة، وذو الحجة.
ويُستدل لذلك بقول الله تعالى: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36]، جاء في [تفسير ابن كثير (4/ 148)]: "عن ابن عباس قوله: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا} الآية {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} في كلهن، ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حراماً، وعظّم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم".
كما يُستدل ببعض الأحاديث الواردة، منها حديث: (صُمْ مِنْ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ) رواه أبوداود، وسكت عنه [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكتّ عنه فهو صالح].
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم -حين سئل عن سبب صومه شهر شعبان-: (ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ) رواه النسائي، قالوا: دل هذا الحديث على أن شهري رجب ورمضان شهرا عبادة وطاعة لا يغفل الناس عنها.
قال ابن حجر رحمه الله -تعليقاً على الحديث-: "فهذا فيه إشعار بأن في رجب مشابهة برمضان، وأن الناس يشتغلون من العبادة بما يشتغلون به في رمضان، ويغفلون عن نظير ذلك في شعبان، لذلك كان يصومه، وفي تخصيصه ذلك بالصوم إشعار بفضل رجب، وأن ذلك كان من المعلوم المقرر لديهم" [تبيين العجب بما ورد في فضل رجب/ ص26-27].
ثم إنه اشتهر في الآونة الأخيرة الفتوى بمذهب الحنابلة أنه يكره إفراد شهر رجب بالصيام؛ وذلك خشية أن يظن الناس فرضية صومه كرمضان، ولِما ورد من آثار عن بعض الصحابة الكرام.
حيث استدلوا بما رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (2/ 345) عن خرشة بن الحر قال: "رَأَيْتُ عُمَرَ يَضْرِبُ أَكُفَّ النَّاسِ فِي رَجَبٍ، حَتَّى يَضَعُوهَا فِي الْجِفَانِ، وَيَقُولُ: كُلُوا، فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَ يُعَظِّمُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ". ينظر [المغني لابن قدامة 3/ 53].
والجواب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد النهي عن تشبيه رجب برمضان حتى لا يعتقد الناس وجوب صيامه كصيام رمضان، فنهى بعض الصائمين الذي خشي عليهم ذلك الظن، فهي سياسة شرعية منه رضي الله عنه.
ولذلك قال الحنابلة رحمهم الله: تزول الكراهة بإفطار يوم واحد فيه، أو صيام شهر آخر كاملاً كي لا يفرد رجب بالصيام.
فمن اعتاد صيام النوافل، وأكثر الصيام في شهر رجب رجاء الثواب فيه فلا ينكِر عليه أحد من مذاهب الفقهاء الأربعة المعتمدة. والله أعلم.