نشرة الإفتاء - العدد 40 أضيف بتاريخ: 27-10-2020

حكم الاحتفال بالمولد النبوي أضيف بتاريخ: 25-10-2020

التقرير الإحصائي السنوي 2019 أضيف بتاريخ: 22-10-2020

عقيدة المسلم أضيف بتاريخ: 15-09-2020

اجتماع الجمعة مع العيد أضيف بتاريخ: 22-07-2020

دليل النظافة من منظور إسلامي أضيف بتاريخ: 05-07-2020

حكم التوسل وأنواعه أضيف بتاريخ: 12-05-2020

الصلاة على النبي بعد الأذان أضيف بتاريخ: 11-05-2020




جميع منشورات الإفتاء

مائة عام كتبت تاريخ الهاشميين أضيف بتاريخ: 13-04-2021

أحكام المسابقة في الفقه أضيف بتاريخ: 12-04-2021

الوباء عذر يسقط الجمعة أضيف بتاريخ: 11-03-2021

الإسراء تعزيز لمكانة القدس أضيف بتاريخ: 11-03-2021




جميع المقالات

دراسات وبحوث


أضيف بتاريخ : 01-07-2013

هذا البحث يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي دائرة الإفتاء العام


تأجيل العقوبة في الفقه الإسلامي - دراسة مقارنة(*)

د. محمد محمود العموش/ كلية الدراسات الفقهية والقانونية - جامعة آل البيت

ملخص

يتناول البحث أهداف العقوبة وأغراضها في الشريعة الإسلامية، كما يتناول الحالات التي تؤجل فيها العقوبة بعد ثبوتها بشكل قاطع على الجاني بوسائل الإثبات المعتمدة عند الفقهاء، فأثبت البحث بعض الحالات التي تؤجل العقوبة فيها مثل المرأة الحامل والمرض واللاجئ إلى الحرم واختلاف الدارين... كما بين البحث وجهات نظر الفقهاء وأدلتهم ومناقشاتهم وترجيحاتهم. فأثبت البحث حالات تؤجل فيها العقوبة فإذا زال المانع تنفذ العقوبة.

المقدمة

الحمد لله ربّ العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن من عظيم نعم الله سبحانه وتعالى علينا أن هدانا للإسلام، ومن عظيم نعمه أن مَنَّ علينا ببعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليخرجنا من الظلمات إلى النور والتخلص من الظلم والعبودية والطغيان، ومن مظاهر رحمته سبحانه وتعالى أن شرع العقوبات على الجنايات الواقعة بين الناس بعضهم بعضاً لتستقيم الحياة وينعم الناس بالأمن والأمان في نفوسهم وأبدانهم وأعراضهم وأموالهم وعقولهم، فرتب لكل جناية ما يناسبها من عقوبة، لكن هناك بعض الحالات تؤجل فيها العقوبة لمصلحة راجحة وضرورة ملحة، فإذا زال المانع عاد الممنوع من هُنا جاء هذا البحث ليبين الحالات التي تؤجل فيها العقوبة.

منهجية البحث:

سوف تكون منهجية الباحث في إعداد هذا البحث على النحو الآتي:

1- المنهج التحليلي: حيث إنني سأقوم باستقراء وتحليل المسائل وأقوال الفقهاء المتعلقة بهذا الموضوع من الكتب الفقهية الأصيلة للمذاهب الفقهية الأربعة، ومن غيرها إن تيسر ذلك.

2- المنهج المقارن: من خلال دراسة المسائل الفقهية دراسة مقارنة، مع مراعاة التسلسل الزمني لهذه المذاهب.

3- ذكر الأدلة الشرعية لكل مذهب، ثم مناقشة هذه الأدلة، ومن ثم بيان الرأي الراجح حسب قوة الدليل، مع بيان وجه الترجيح بكل موضوعية بعيداً عن التعصب للمذاهب.

مشكلة الدراسة:

تتمثل مشكلة الدراسة في أن العقوبات في الفقه الإسلامي واجبة التنفيذ بعد ثبوتها على الجاني من قبل الحاكم، لكن هذه الدراسة تبحث في إمكانية وجود ظروف معينة تستدعي تأجيل تنفيذ هذه العقوبات حتى تزول هذه الظروف التي يمكن لو نفذت في مثل هذه الظروف لألحقت أضراراً بالغة بالجاني أو بغيره، كما تبحث هذه الدراسة في آراء الفقهاء في هذه الحالات وهل هم متفقون على هذه الحالات التي تؤجل فيها العقوبة أم أن هنالك خلافاً بين الفقهاء في ذلك؟ من خلال هذه الدراسة تم إلقاء الضوء على هذه المسألة وتمت تجليتها من جميع جوانبها.

فرضيات البحث:

ينطلق البحث من فرضية واضحة محددة، وهي حالات تؤجل فيها العقوبة الحدية أو القصاص أو التعازير بعد ثبوتها على الجاني.

خطة البحث:

تم تقسيم هذه الدراسة على النحو الآتي:

المطلب الأول: التعريف بمصطلحات البحث.

المطلب الثاني: أقسام العقوبة وأهدافها.

المطلب الثالث: حالات تؤجل فيها العقوبة.

المطلب الأول:

التعريف بمصطلحات البحث.

الفرع الأول: تعريف الأجل لغةً واصطلاحاً:

الأجل لغةً: يطلق ويُراد به معانٍ عدة منها:

1- وقت الشيء ومدته: نقول: أجلته تأجيلاً أي جعلت له أجلاً، والآجل على وزن فاعل([1]).

2- غاية الوقت في الموت: وحلول الدين ونحوه. قال تعالى: (وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) [235: البقرة] أي: حتى تقضي عدتها. وقال تعالى: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى) [129: طه] أي: لكان القتل الذي نالهم لازماً لهم أبداً، وكان العذاب دائماً بهم. ويعني بالأجل المسمى يوم القيامة، لأن الله وعدهم بالعذاب ليوم القيامة([2]).

3- تحديد الأجل: والتأجيل نقيض العاجل، والأجيل المؤجل إلى الوقت([3]). ويقال: أجل الأمر إلى أجل مسمى أي إلى وقت محدود وغير محدود. قال ابن فارس: الأجيل المُُرْجأ، أي: المُؤَخَر إلى وقت. قال: وغاية الأجيل مهواه الردى([4]).

الأجل اصطلاحاً: هي المدة المستقبلية التي يضاف إليها أمر من الأمور سواء كانت هذه الإضافة أجلاً للوفاء بالتزام، أو أجلاً لإنهاء التزام، وسواء كانت هذه المدة مقررة بالشرع، أو بالقضاء، أو بإرادة الملتزم فرداً أو أكثر([5]).

وهذا التعريف يشمل:

1- الأجل الشرعي: وهو المدة المستقبلية التي حددها المشرع الحكيم سبباً لحكم شرعي، كالعدة([6]).

2- الأجل القضائي: وهو المدة المستقبلية التي يحددها القضاء أجلاً لأمر من الأمور كإحضار الخصم أو البينة.

3- الأجل الاتفاقي: وهو المدة المستقبلية التي يحددها الملتزم موعداً للوفاء بالتزامه (أجل الإضافة) أو لإنهاء تنفيذ هذا الالتزام (أجل التوقيت) سواء كان ذلك فيما يتم من التصرفات بإرادة منفردة أو بإرادتين([7]).

الفرع الثاني: تعريف العقوبة لغةً واصطلاحاً:

العقوبة لغةً: هي الجزاء على الذنب يقال لها أيضاً العقاب([8]). والعقاب والمعاقبة هو أن تجزي الشخص بما فعل، وأعقبه على ما صنع جازاه، فالعقوبة تعني الجزاء([9]).

العقوبة اصطلاحاً: اسم لما يوقع على الإنسان من جزاء في الدنيا نتيجة مخالفة الشرع([10]). وتعرف: الجزاء المقرر لمصلحة الجماعة على عصيان أمر الشارع([11]). وعلى ذلك لا بُد أن تحمل العقوبة في معناها الألم وهذا الألم قد يكون بدنياً كالجلد والقطع والقتل أو نفسياً كالهجر والتوبيخ... وقد يكون مادياً كالغرامات المالية.

كما أن العقوبة لا توقع إلا على إنسان بالغ عاقل مختار...([12]). وهذه العقوبة توقع في الحياة الدنيا، فتخرج الحياة الآخرة، فالحياة الآخرة أمرها إلى الله إن شاء عفا وإن شاء عاقب. كما أن العقوبة لا توقع إلا على جرم سواء أكان الجرم بسبب فعل ما أمر الله سبحانه وتعالى بتركه أم بسبب ترك ما أمر الله بفعله.

المطلب الثاني:

أقسام العقوبة وأهدافها.

الفرع الأول: أقسام العقوبة:

تُقسم العقوبة بحسب جسامتها إلى ثلاثة أقسام:

أولاً: الحدود: وهي عقوبة مقدرة واجبة حقاً لله عز شأنه([13]).

وفق هذا التعريف لا يسمى القصاص حداً فهو وإن كان مقدراً إلاّ أنه حق للعبد فيجوز فيه العفو والشفاعة... كما لا يسمى التعزير حداً وإن كان عقوبة، لكن ترك أمرها إلى ولي الأمر المسلم في كل زمان ومكان.

حقا لله: أي إنّ هذه الجرائم إذا وقعت على فرد فإن ضررها وفسادها يعود على المجتمع. قال الماوردي: "والحدود زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر وترك ما أمر..."([14]).

وجرائم الحدود هي([15]): 1-حد الزنا؛ 2-حد القذف؛ 3-حد السرقة؛ 4-حد قطاع الطريق؛ 5-حد الخمر؛ 6-حد البغي؛ 7-حد الردة.

ثانياً: القصاص:

القصاص لغةً: إتباع الأثر، يقال: قصصت الشيء إذا تتبعت أثره شيئاً بعد شيء([16]).

القصاص اصطلاحاً: عقوبة مقدرة وجبت حقاً للفرد([17]).

وسمي القصاص قَوَداً؛ لأنهم كانوا يقودون الجاني إلى مكان تنفيذ عقوبة القصاص بحبل أو نحوه([18]).

ووفق تعريف القصاص في اللغة والاصطلاح يلتقي المعنى اللغوي مع الثاني (الاصطلاحي) في الجانب التنفيذي، فلا يترك الجاني من غير عقوبة، ولا يترك أولياء الدم من غير إشفاء غيظهم وإطفاء غليلهم وتبريد قلوبهم من غير الاقتصاص من الجاني (تتبع الجاني والمجني عليه بالشفاء)([19]).

قال ابن القيم: "فلولا القصاص لفسد العالم وأهلك الناس بعضهم بعضاً ابتداء واستيفاء، فكان في القصاص دفع المفسدة لتجرى على الدماء بالجناية والاستيفاء.." ([20]).

ثالثاً: التعزير:

التعزير لغةً: هو مصدر عزر من العزر، وهو الردع والمنع والتأديب واللوم([21]).

التعزير اصطلاحاً: عقوبة غير مقدرة تجب حقاً لله أو للعبد في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة([22]).

وسميت بهذا الاسم (التعزير) لأن هذه العقوبة تردع الجاني وتمنعه من اقتراف الجرائم أو العودة إليها.

الفرع الثاني: أهداف العقوبة وأغراضها:

شرعت العقوبة في الإسلام لما تتوخاه من أهداف وتحققه من غايات منها:

1– تحقيق المصلحة العامة وحماية المجتمع: شرعت العقوبة في ديننا الحنيف لما تحققه من مصلحة وما تدفعه من مفسدة، ذلك أن قانون المصلحة ودفع المفسدة يحتم معاقبة من خرج عن جادة الصواب، فإذا بدر منه ما يعكر صفو الأفراد والجماعات فينبغي أن يعالج هذا الداء أو يجتث قبل أن يستفحل خطره ويلحق الأضرار بالمجتمع مما يمهد الطريق إلى تقويض أركانه تمهيداً لإسقاطه. قال تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [179: البقرة]، وقال تعالى:  (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [33: المائدة].

وتهدف الشريعة إلى تحقيق المصالح التي شرعت من أجلها وهي المصالح الأساسية في المجتمع والتي تعرف بالضروريات الخمس: (حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسل) فهي تهدف إلى تحقيق هذه الضروريات وتحصينها مع المحافظة عليها.

يقول العز بن عبد السلام: "ربما كانت المصالح مفاسد فيؤمر بها، أو تباح لا لكونها مفاسد، بل لكونها مؤدية إلى المصالح وذلك كقطع الأيدي المتآكلة، حفظاً للأرواح وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد وكذلك العقوبات الشرعية كلها ليست مطلوبة لكونها مفسدة بل لكون المصلحة هي المقصودة من تشريعها كقطع يد السارق وقتل الجناة ورجم الزناة وجلدهم..."([23]).

ذلك أن السواد الأعظم من الناس يحب الخير ويؤثره لنفسه دون الالتفات في كثير من الحالات إلى مصلحة الجماعة، ذلك أن عقاب الجاني يكرس مفاهيم العدالة وتثبيت دعائم النظم الاجتماعية([24]).

ذلك أن الجريمة عمل عدائي يتنافى مع مبادئ الإسلام وتعاليمه السمحة ففي إيقاع العقوبة إرضاء للمجني عليه وتطييب لخاطره مما يبعده عن التفكير بالثأر وما يخلفه من ويلات لا تُحمد عقباها فتتوسع دائرة الثأر حتى تضم الكثير ممن ليس لهم ذنب ولا سبب.

كما أن في تنفيذ العقوبة على الجاني تكفيراً له في الآخرة: قال صلى الله عليه وسلم: "تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له..."([25]). وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من أصاب حداً فعجل عقوبته في الدنيا، فالله أعدل من أن يثني على عبده العقوبة في الآخرة، ومن أصاب حداً فستره الله عليه وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه"([26]).

كما إن إيقاع العقوبة على الجناة يؤدي إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المجتمع وسرعة الفصل في الخصومات والمنازعات بشكل متقن مما يعمق الثقة والطمأنينة في السلطة القضائية كما يقوي شعور التضامن والتكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع([27]).

2– زجر الجاني وإصلاحه: ومعنى ذلك منع الجاني من معاودة المعصية وارتكاب الجريمة ومنع غيره من التفكير في الجريمة أو الإقدام عليها. (حدود الشرع موانع قبل الوقوع زواجر بعده)([28]).

قال ابن القيم: "كان من بعض حكمته سبحانه وتعالى ورحمته أن شرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس بعضهم على بعض في النفوس والأبدان والأعراض والأقوال... فأحكم الله سبحانه وتعالى وجوه الزجر الرادعة عن هذه الجنايات غاية الأحكام وشرعها على أكمل الوجوه المقنعة لمصلحة الردع والزجر مع عدم المجاوزة لما يستحقه الجاني من الردع"([29]).

فالعقوبات شرعت لإعادة الجاني إلى طريق الصواب وتكفير ذنبه فهي لا تهدف إلى إيلام الجاني أو إهانته بل هي العلاج بالنسبة له والدواء يكون بقدر القضاء على الداء. قال تعالى: (وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [48: الزخرف].

ولعل الماوردي قد أبلغ في القول عندما تحدث عن أغراض العقوبة ودورها في تحقيق الردع فقال: "والحدود زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر وترك ما أمر لما في الطبع من مغالبة الشهوات الملهية عن وعيد الآخرة بعاجل اللذة فجعل الله من زواجر الحدود ما يردع ذا الجهالة حذراً من ألم العقوبة"([30]).

المطلب الثالث

الحالات التي تؤجل فيها العقوبة

الأصل أن العقوبة في الإسلام تقع على الجاني فور ثبوتها عليه، دون مماطلة أو تأخير إلاّ لعذر وذلك ردعاً للجاني وحملاً لغيره على سلوك سُبل السلام والطهارة والنجاة، فالعقوبة على الرغم مما فيها من إيلام يمس الجاني إلا أنه رحمة عامة شاملة... ومن مظاهر هذه الرحمة أن العقوبة توجل في بعض الحالات، ومن أهمها:

الفرع الأول: المرأة الحامل:

لا خلاف بين الفقهاء([31]) أن المرأة الحامل إذا ارتكبت ما يوجب حداً، أو قصاصاً لا يقام الحد عليها حتى تضع حملها، سواء أكان الحمل قبل الجرم أم بعده وسواء كانت حاملاً من سفاح أو من غير سفاح، وسواء كان الحد زناً أو قذفاً أو شرباً...

وإذا وضعت الأم حملها فإن كان الحد رجماً لم ترجم حتى تسقيه اللبن ويصل إلى مرحلة الفطام التي يستغني فيها عن ثدي أمه وبعد ذلك يتكفل به من يرعاه([32]).

قال ابن الهمام ما حاصله: إذا زنت الحامل لم تحد حتى تضع حملها لئلا يؤدي إلى هلاك الولد؛ لأنه نفس محترمة لا جريمة له. ولو تأخرت ولادتها أجلت حولين، فإن لم تلد رجمت، وعن أبي حنيفة أنها لا تحد بعد الولادة حتى تفطم الولد إن لم يكن له من يربيه([33]).

كما أن في إقامة العقوبة عليها إتلافاً لمعصوم وهو الحمل ولا سبيل إليه، وإذ كانت هي غير معصومة من إقامة الحد فإن من القواعد الأساسية  (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [38: النجم] ولا تصيب العقوبة غير الجاني، والعقوبة التي تصيب الحامل يتعدى إلى حملها سواء أكان الحد رجماً أم جلداً فإنه لا ينفذ على الحامل حتى تضع حملها؛ لأنه لا يؤمن تلف الولد من سراية الجلد وربما سرى الجلد إلى نفس الأم فيفوت الولد بفواتها([34]).

والأصل في ذلك القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع.

أ– من القرآن الكريم:

قوله تعالى: (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ) [23: الإسراء].

وجه الدلالة: إن في قتل الجنين وهو في رحم أُمه دون ذنب إسرافاً في القتل؛ لأنه قتل لها ولجنينها ولم يرتكب ذنباً([35]).

ب– من السنة النبوية:

1– حديث المرأة الغامدية، حيث جاء فيه أن امرأة من بني غامد جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني قد فجرت فطهرني، فردها صلى الله عليه وسلم. فلما كان الغد قالت: يا رسول الله لم تَردَّني؟ لعلك أن تَردَّني كما رددت ماعزاً، فوالله إني لحبلى، فقال لها صلى الله عليه وسلم: "أما الآن لا فاذهبي حتى تلدي"، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت: هذا قد ولدته، فقال صلى الله عليه وسلم: "اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه"، فلما فطمته أتته بالصبي وفي يده كسرة خبز فقالت: ها أنا يا نبي الله قد فطمته، وقد أكل الخبز، فرفع صلى الله عليه وسلم الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها"([36]).

2– جاء في حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أن امرأة في جهينة زنت فأتت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله، أصبت حداً، فأقمه عليَّ. فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال: "أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها"، ففعل فأمر بها صلى الله عليه وسلم فشكت عليها ثيابها-أي شدت- ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليه الصلاة والسلام عليها، فقال له عمر رضي الله عنه، تُصلي عليها يا رسول الله وقد زنت؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله"([37]).

وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقرَّ ثبوت الحد عليها، ودرأ إقامة الحد عليها أثناء الحمل مما يدل على عدم استيفاء الحدود والقصاص من الحامل، فهي وإن كانت عاصية إلا أن ولدها لا ذنب له فيمكن استيفاء العقوبة منها من غير ضرر فيؤجل الحد حتى تلد.

ت- الإجماع: أجمعت الأمة الإسلامية([38]) من بعد وفاة رسول الله  صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذه على حرمة إقامة القصاص والحدود على المرأة الحامل حتى تضع حملها.

قال الشربيني: "أما تأخيرها إلى الوضع في قصاص النفس فبالإجماع"([39]).

وقال ابن قدامة: "ولأن هذا إجماع أهل العلم لا نعلم بينهم فيه خلافاً"([40]). قال ابن المنذر:"أجمع أهل العلم على أن المرأة إذا اعترفت بالزنا وهي حامل أنها لا ترجم حتى تضع حملها"([41]).

مسألة: إذا عرفنا أن المرأة الحامل تؤجل العقوبة عنها... فهل تحبس عندما لا نأمن عليها من القتل من قبل أوليائِها؟ أم تترك في بيت وليها خاصة.

لا خلاف بين الفقهاء([42]) أن المرأة الحامل إذا وجب عليها الحد أو القصاص تؤجل العقوبة، سواء أكانت حاملاً من سفاح أم من حلال.

قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن الحامل لا ترجم حتى تضع حملها"([43]). وذلك أن القول بإقامة الحد عليها يؤدي إلى قتل جنينها، ومعنى ذلك استيفاء نفسين بنفس واحدة، وقد نهت شريعتنا الغراء عن ذلك([44]).

قال ابن الهمام: "إذا زنت المرأة لا تحد حتى تضع حملها لئلا يؤدي إلى هلاك ولدها؛ لأنه نفس محرمة لا ذنب لها"([45]). قال تعالى: (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) [23: الإسراء]. والقول باستيفاء القصاص من الحامل إسراف لمكان الجنين([46]).

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المرأة إذا قتلت عمداً لا تقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملاً، وحتى تُكفِّل ولدها، وإن زنت لم ترجم حتى تضع ما في بطنها وتُكفِّل ولدها"([47]).

قال ابن مفلح: وإذا ادعت المرأة حملاً حبست حتى يبين أمرها([48])، ونص الشافعي على أن المرأة إذا ادعت حملاً حبست حتى يتبين أمرها لصعوبة إثبات حملها بالبينة([49]).

ويرى أبو سعيد الاصطخري: أن المرأة إذا ادعت حملاً تحبس حتى تشهد أربع نسوة بالحمل، فإن لم يشهد على حملها أربع نسوة، فالقول قول المرأة؛ وذلك لأن الحمل وما يدل عليه كالدم يتعذر إقامة البينة عليه؛ وذلك لأن القول قول المرأة وهي أعلم بحالها من غيرها، فينبغي حبسها حتى يتبين أمرها([50]). لمزيد من الإيضاح ينظر([51]).

الفرع الثاني: التأجيل لدفع الضرر:

هناك حالات تؤجل فيها العقوبة عن الجاني وذلك لما تحدثه هذه العقوبة من ضرر كأن تزيد المرض أو تؤخر الشفاء منها:

1– النفساء: إذا وضعت المرأة حملها... أتقام عليها العقوبة مباشرة أم تؤجل حتى تسترد عافيتها؟ اختلفت أقوال الفقهاء على قولين:

القول الأول: إذا وضعت المرأة حملها وكان الحد جلداً أو قطعاً... لا يقام الحد عليها مباشرة؛ لأن القول بجلدها أو قطعها بعد الولادة مباشرة قد يؤدي إلى موتها باجتماع المرض والضعف والضرب، فإذا انقطع النفاس وتعافت ولم يخش تلفها أُقيمت عليها العقوبة؛ لأن في تأجيل إقامة الحد عليها إقامته على وجه الكمال من غير تلف، وبهذا قال: الحنفية([52])، والمالكية([53])، والشافعية([54])، والحنابلة([55]).

واستدلوا بـ:

أ. حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في حديثةِ العهد بنفاس، فقد روي عنه أنه قال: "إنَّ أمةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدﻫا، فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "أحسنت اتركها حتى تماثل"([56]).

ب-لأنها تكون في حالة ضعف بسبب الحمل والولادة، وهو كره وعناء ومشقة([57])، لقوله تعالى:  (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا) [15: الأحقاف].

القول الثاني: تقام العقوبة عليها مباشرة لكن يخفف عليها في الجلد فتجلد ولكن برفق من غير إضرار بها، وبهذا قال: بعض الحنابلة([58]).

جاء في غاية المنتهى: "لا يؤخر حد المريض ولو رجي زوال المرض، ولا النفساء فتحد بمجرد الوضع"([59]).

واستدلوا بفعله صلى الله عليه وسلم حيث أمر بضرب المريض الزاني ضربة واحدة بمائة ضربة، فقد أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل قد زنى، فسأله فاعترف، فأمر به فجرد، فإذا هو حمش الخلق مقعد، فقال: "ما يبقي الضرب من هذا شيئاً فدعا بأثكول فيه مائة شمراخ فضربه ضربة واحدة"([60])، والحديث واضح المعنى بين الدلالة.

الترجيح: الراجح هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء وهو تأجيل الحد عن النفساء حتى تبرأ لما قدموه من أدلة، كما أن في إقامة العقوبة عليها اجتماع الضرب مع المرض مما يؤدي إلى تأخير شفائها وربما يؤدي الضرب إلى موتها.

أما الرأي القائل باللطف في الضرب فهذا يؤدي إلى المزاجية في تنفيذ حقوق الله، والله يقول:  (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) [2: النور] أما أمره صلى الله عليه وسلم بضرب الصحابي الزاني مائة شمراخ فضربوه ضربة واحدة ربما لمعرفته صلى الله عليه وسلم أن شفاء هذا الرجل غير ممكن وأنه لا يطيق الضرب فيكون الحديث خاصاً به.

2– المرض:

لا خلاف بين الفقهاء أن من ارتكب جرماً عقوبته الموت لا يؤجل سواء أكان ذلك لمرض أو لغيره؛ لأن المقصود من معاقبته هو إزهاق الروح (الموت)، ولم يستثن الفقهاء إلا المرأة إذا كانت حاملاً أو المرضع إذا لم تجد لولدها من يرضعه، فتؤجل العقوبة إلى فطامه على الرأي الراجح عند الفقهاء([61]).

قال ابن عبد السلام: "لا يؤخر الرجم بسبب المرض لأن قصارى ذلك الموت، وهو المطلوب أيضاً من رجم الصحيح، وليس الموت مقصوداً في الجلد، وقد روى عن عمر رضي الله عنه في ذلك شيء والناس على خلافه"([62]). ويمنع القصاص إذا قال أهل الخبرة في تنفيذه

زيادة ضرر أو زيادة شين([63]).

وقال عبد القادر عودة: "إذا كان الحد الواجب على المريض هو الرجم فلا يؤخر الحد، بل ينفذ في الحال؛ لأن الرجم حد مهلك وهو مستحق القتل"([64]).

وقد قسم الفقهاء المرض إلى نوعين:

النوع الأول: مريض يرجى شفاؤه:

وقد اختلفت أقوال الفقهاء في تأجيل العقوبة حتى يبرأ المريض أوفي تنفيذها على الفور على قولين:

القول الأول: لا يقام عليه الحد، بل يؤخر حتى يبرأ من المرض وإن كان المرض بعد الفصل في الحكم وقبل التنفيذ فيؤجل إلى أن يتماثل للشفاء، وبهذا قال جمهور الفقهاء من: الحنفية([65])، والمالكية([66])، والشافعية([67])، والحنابلة([68])، والزيدية([69]).

واستدلوا بـ:

أ– أن النبي صلى الله عليه وسلم: "أمر من كان به جرح أن لا يستقيد حتى تبرأ جراحته، فإذا برئت استقاد"([70]).

ب– حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في حديثةِ العهد بنفاس، فقد روي عنه أنه قال: "إنَّ أَمَةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدﻫا، فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"أحسنت اتركها حتى تماثل"([71]).

إن مقصود الشرع من العقوبة هو الزجر والردع وليس الإتلاف، وهذا من مواطن التيسير ورفع الحرج في الشريعة الإسلامية.

القول الثاني: أن الحد يقام على المريض ولا يؤخر؛ لأن الحد واجب فلا يؤخر ما أوجبه الله بغير حجة، وبهذا قال: بعض الحنابلة وإسحاق بن راهويه وأبو ثور([72]).

واستدلوا: بفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث أقامَ الحد على قدامة بن مظعون في مرضه ولم يؤخره([73]).

الترجيح: الراجح هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء؛ لأنه القول الذي يتفق مع سماحة الإسلام ويسره كما أنه يحقق مقاصد الشارع في الجاني والمجني عليه معاً، فلا تمر الجريمة عبثاً دون عقاب لئلا يستهتر الناس بالأعراض والدماء... واحتقار المظلوم كما يتأكد في عقول الناس أن العدل كما شرعه الله من أبين الشرع وأهم مقاصده، وأن الحرمات يجب مراعاتها، فلا تهدر ولا تستباح ولا تترك لعبث العابثين وفساد المفسدين.

أما حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في جلد ابن مظعون لا حجة فيه لاحتمال أن يكون مرضه مرضاً خفيفاً لا يمنع من إقامة الحد على وجه الكمال، ولهذا لم ينقل عنه أنه خفف عنه السوط، وإنما اختار له سوطاً كالذي يضرب به الصحيح، كما إن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدم على فعل غيره؛ لأن الأحكام تؤخذ من قول صاحب الشرع المبلغ عن ربه، وعليه لا يجوز أن نطرح قول الرحمة المهداة ونلتفت إلى قول غيره.

النوع الثاني: مريض لا يرجى شفاؤه:

المريض الجاني الذي لا يرجى شفاؤه إما أن تكون جريمته حدية، أو قصاصاً.

أولاً: إذا كانت الجناية حدية:

إذا كان الجاني ضعيفاً بأصل خلقته أو مصاباً بمرض عضال أو مرض خبيث... وارتكب جريمة حدية، فهل يقام عليه الحد أم لا؟ اختلفت أقوال الفقهاء على قولين:

القول الأول: يقام عليه الحد في الحال، وبهذا قال جمهور الفقهاء من: الحنفية([74])، والشافعيـة([75])، والحنابلة([76])، والظاهرية([77])، لكنهم اشترطوا أن يقام الحد بسوط يؤمن معه التلف كالقضيب الصغير وشمراخ النخل، فإن خيف عليه من ذلك جمع ضغث فيه مائة شمراخ ويضرب به ضربة واحدة.

واستدلوا: بفعله صلى الله عليه وسلم حيث أمر بضرب المريض الزاني ضربة واحدة بمائة ضربة، فقد أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل قد زنى، فسأله فاعترف، فأمر به فجرد، فإذا هو حمش الخلق مقعد، فقال: "ما يبقي الضرب من هذا شيئاً فدعا بأثكول([78]) فيه مائة شمراخ فضربه ضربة واحدة"([79]).

فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في التخفيف على الجاني؛ لأنه علم صلى الله عليه وسلم أنه لا يطيق الجلد مرات متوالية، ووجه التخفيف ضربه بعتكالٍ له مائة شمراخ ضربة واحدة، كما يفهم من هذه الحادثة أن الرجل غير محصن، فلو كان محصناً لرجمه صلى الله عليه وسلم كما رجم غيره حتى الموت.

إن المريض الميئوس من شفائه إما أن يترك لمرضه فلا ينفذ عليه الحد أو ينفذ عليه كاملاً فيفضي ذلك إلى موته، فتعين التوسط في الأمر وجلدهُ جلدةً واحدةً بمائة شمراخ، وليس ثمة ما يمنع من أن تقوم الضربة الواحدة بمائة شمراخ في مقابل المائة ضربة، كما قال تعالى: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ) [44: ص] فهذا أولى من ترك الحد أو قتل المريض بما لا يوجب القتل([80]).

قال محمد أنس عبادة: "كما أن الجاني يتطهر بالعقوبة مع إبقائها على حياته إذا لم تستوجب الجريمة القتل وبذلك يكون التشريع قد أبقى على حياة الجاني وفي مستقبل حياته ما يؤدي فيه خيراً ويحقق براً ورحمة يشارك بها في خير المجتمع بعد أن نبهته العقوبة وأدبه التشريع، وأخذ بيده ليوقفه في مكانه عضواً صالحاً نافعاً"([81]).

القول الثاني: يضرب المريض الذي لا يرجى شفاؤه مائة جلدة ولا يرون ضربه بعتكالٍ فيه مائة شمراخ ضربة واحدة، وبهذا قال: المالكية([82]).

قال بعض المالكية: "لم أسمع مالكاً يقول في الحدود إلا السوط ولا يجزي شيء مكان السوط، فإذا وقعت الحدود قرب السوط"([83]). وقال آخر:"لا يضرب في الحد إلا بالسوط وعدد الضربات بالسوط حق لا يجوز تركه"([84]).

واستدلوا: بقوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) [2: النور].

الترجيح: القول الراجح هو القول الأول، فالمريض الذي لا يرجى شفاؤه من المرض تخفف عليه العقوبة ولا تؤجل تحقيقاً للحق، وتطبيقاً للشرع.

ثانياً: إذا كانت الجناية قصاصاً:

إذا كانت الجناية يترتب عليها القصاص فيما دون النفس وكان مريضاً، فهل يعاقب أم تؤجل العقوبة إلى حين الشفاء؟ اختلفت أقوال الفقهاء على قولين:

القول الأول: يجب تأخير استيفاء القصاص فيما دون النفس حتى يبرأ الجرح ويندمل، وبهذا قال: جمهور الفقهاء: من الحنفية([85])، والمالكية([86])، والحنابلة([87]).

واستدلوا بـ:

أ– ما روي أن رجلاً جرح حسان بن ثابت رضي الله عنه في فخذه بعظم، فجاء الأنصار إلى رسول الله فطالبوا بالقـصاص فقال صلى الله عليه وسلم: "انتـظروا ما يكـون من صاحبكم فأنا والله منظره"([88]).

ب– أن النبي صلى الله عليه وسلم: "أمر من كان به جرح أن لا يستقيد حتى تبرأ جراحته، فإذا برئت استقاد"([89]).

وجه الدلالة في الأحاديث: هو أمره صلى الله عليه وسلم صاحب الحق بتأجيل حقه حتى يبرأ المريض فينبغي عدم مخالفته([90]).

ت- وأجمعوا على أن الانتظار بالقصاص من الجرح حتى يبرأ صاحب الجرح([91]).

ث- إن الجروح قد تسري في البدن وتؤدي إلى قتل المجروح، فإذا استوفى القصاص ثم مات المجروح تبين أن ولي المجني عليه قد أخذ حقاً غير حقه فينبغي الانتظار حتى يندمل الجرح ويشفى المريض.

القول الثاني: يستحب الانتظار إلى مابعد اندمال الجرح وشفاء الجاني، وأن الانتظار ليس بواجب، فلولي الدم أن يطالب بالقصاص قبل أن يندمل الجرح، وبهذا قال: الشافعية([92]) والزيدية([93]).

واستدلوا بـ: أن القصاص واجب بالجناية التي حلت بالمجني عليه والجناية وقعت فيجب القصاص في الحال؛ لأن القصاص فيما دون النفس لا ينضبط بالسراية فينبغي أن يمكن صاحب الحق من استيفاء حقه،أما استحباب الاندمال فليس واجباً لحديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يستقيد حتى تبرأ جراحته المتقدم([94]).

ووجه الدلالة: أن التأجيل لو كان واجباً لأمره صلى الله عليه وسلم بالتأجيل لكن نهاه صلى الله عليه وسلم عن إقامة الحد ومن ثمَّ أقامَ صلى الله عليه وسلم الحد على الجاني وفي نهاية الحديث قال له صلى الله عليه وسلم: "... قد نهيك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل مرضك"([95]).

الترجيح: بعد النظر في أقوال الفريقين يتبين لي رجحان قول من قال بتأخير استيفاء القصاص فيما دون النفس لنهييه صلى الله عليه وسلم عن ذلك حتى يبرأ المريض ويندمل الجرح لوجود الأدلة التي تؤيد هذا الرأي كما أن الألم قد يتضاعف، وبتضاعف الألم تتضاعف العقوبة بالضرورة.

3- التأجيل بسبب الحر والبرد الشديدين:

ذهب جمهور الفقهاء([96]) إلى القول بتأجيل العقوبة في الحر الشديد والبرد الشديد سواء أكانت العقوبة ضرباً أم قطعاً، ولقد أثرت عن الفقهاء العبارات الآتية:

قال صاحب الهداية:"لا يقام القطع عند شدة الحر والبرد"([97]).

قال ابن القاسم: والحر عندي بمنزلة البرد في ذلك([98])، وقال في موضع آخر: وإن كان الحر أمراً يعرف خوفه كالبرد فأراه مثله([99]).

جاء في شرائع الإسلام، والبحر الزخار: أن الحد يؤجل ولا يقام في الحر الشديد ويتوخى به في الشتاء في منتصف النهار، وفي الصيف طرفي النهار([100]).

قال عبد القادر عودة: "وإن كان المحكوم عليه مريضاً أو كان الوقت لا يناسب تنفيذ العقوبة، كأن كان برداً شديداً أو حراً شديداً ولا يستثنون إلا عقوبة القتل؛ لأنها عقوبة مهلكة"([101]).

والذي يقرر مدى ضرر العقوبة على الجاني أهل الاختصاص من الأطباء وغيرهم من المختصين الذين يكشفون عليه ويبينون إمكانية تنفيذ العقوبة عليه في زمن الحر والبرد.

الفرع الثالث: تأجيل تنفيذ القصاص:

الحديث عن تأجيل القصاص يحتم علينا أن نتكلم عن ثبوت حق القصاص ومستوفي القصاص، وذلك على النحو الآتي:

1- ثبوت حق القصاص:

اختلفت أقوال الفقهاء في ثبوت حق القصاص على قولين:

القول الأول: أن حق القصاص يثبت لكل وارث على وجه الكمال ابتداءً لا على وجه الشراكة، ذلك أن القصاص لا يتحمل التجزئة والتقسيم، بخلاف الأموال؛ فإنها قابلة للتجزئة لكل واحد على سبيل الكمال كأن ليس معه غيره، ومما يدل على ثبوت هذا الحق لكل وارث من الورثة على سبيل الكمال هو أن أحدهم لو استوفى حقه لما ضمن شيئاً للباقين، ذلك أن هذا الحق لا يثبت للميت حتى يمكن إرثه؛ لأن ملك الفعل بعد الموت غير متصور، وبذلك يثبت العفو والصلح والقصاص للورثة؛ لأن فيه إشفاء للصدور، كما أنه يثبت لهم ابتداءً، لقوله تعالى: (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) [23: الإسراء]. وبهذا قال: الحنفية([102])، وبعض الحنابلة([103]).

القول الثاني: أن حق القصاص يثبت للورثة على سبيل الشراكة؛ لأن القصاص هو موجب الجناية الواقعة على النفس بإزهاق الروح فهو حق للمجني عليه لكنه عاجز عن استيفائه فثبت لورثته على سبيل الشراكة، وبهذا قال: بعض الحنفية([104])، والشافعية([105])، والحنابلة([106]).

الترجيح: الراجح أن القصاص حق موروث يثبت للورثة على سبيل الشراكة لا على وجه الكمال؛ لأنه لا يثبت إلا بعد وفاة المجني عليه، فهو حق امتد إليهم من قتيلهم ولو كان هذا الحق مالاً لورثوه إرثاً شرعياً.

2- مستوفي القصاص:

أولياء الدم قد يكون فيهم الصغير والكبير والحاضر والغائب والعاقل وغير العاقل فهل تثبت ولاية القصاص لكل واحد منهم، أعني حتى يبلغ الصغير ويعود الغائب ويفيق غير العاقل أم تُقام قبل بلوغ الصغير وقبل قدوم الغائب وقبل إفاقة المجنون؟

اختلفت أقوال الفقهاء على قولين:

القول الأول: أن ولاية استيفاء القصاص تثبت لجميع الورثة على السواء، الحاضر والغائب والصغير والكبير... ولا يستوفى القصاص من الجاني (يؤجل) حتى يبلغ الصغير ويعود الغائب ويفيق غير العاقل، وبهذا قال: الحنفية([107])، والمالكية([108])، والشافعية([109]) ورواية عن الحنابلة([110]) والزيدية([111]).

جاء في المدونة: "قلت أرأيت لو أن رجلاً قتل وله ابنان أحدهما حاضر والآخر غائب فأراد الحاضر أن يقتل، قال: قال مالك: ليس له ذلك، إنما له أن يعفو فيجوز العفو على الغائب وأما أن يقتل فليس ذلك له حتى يحضر الغائب. قلت: أفيحبس هذا القتل حتى يقدم الغائب ولا يقتل به، قال: نعم"([112]).

يقول الجبوري: "لأن القصاص حق مشترك بينهم، فلا يجوز لأحدهم الإنفراد به، فإن كان فيهم غائب فليس للحاضر استيفاء القصاص قبل حضور الولي الغائب لاحتمال عفوه المسقط للقصاص"([113]).

واستدلوا بـ:

أ-      قوله صلى الله عليه وسلم: "... فأهله بين خيرتين إما أن يقتلوا، أو يأخذوا العقل"([114]).

وجه الدلالة: جعل النبي صلى الله عليه وسلم الخيرة لأهل المجني عليه، فمنهم الصغير والغائب والمجنون فلا يخرجون عن ولاية استيفاء القصاص إلا بمخرج ولا يوجد مخرج.

ب- إن القصاص وجب بجناية الجاني، وهذه الجناية وقعت على معصوم الدم فكان ما يجب بها حقاً له، إلا أنه بالقتل عجز عن استيفاء حقه بنفسه فيقوم الورثة مقامه بطريق الإرث عنه، ويكون القصاص مشتركاً بينهم؛ لأنه مورث، فينبغي أن لا يختص باستيفائه بعض الورثة دون البعض([115]).

ج- إن القصاص وإن وجب على الجاني لكنه غير متحتم على الفور، كما أنه لا يجوز إيقاعه استقلالاً بإرادة البعض، فلا ينفرد به بعضهم كالدية([116]).

القول الثاني: يجوز القصاص قبل بلوغ الصغير، وقبل قدوم الغائب، وقبل إفاقة المجنون، وذلك لثبوت الحق لكل منهم على وجه الكمال ابتداءً؛ ولأن ولاية القصاص هي ولاية استحقاق ثابتة للرشيد وليس للصغير، وما يقال عن الصغير يقال عن المجنون والغائب، وبهذا قال: الحنفية في رواية([117])، وبعض المالكية([118])، ورواية عن أحمد([119])، والظاهرية([120]).

واستدلوا بـ: أنه لما جرح ابنُ ملجم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال علي رضي الله عنه لولده الحسن: إن شئت فاقتله وإن شئت فاعف عنه، وإن تعفوا خير لك، فقتله الحسن([121]).

وجه الدلالة: خير علي بن أبي طالب رضي الله عنه الحسن بين أمرين: إما القتل وإما العفو من غير النظر إلى بلوغ الصغير... كما أن الحسن قتل ابن ملجم ولم ينتظر بلوغ الصغير... وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينقل أن أحداً أنكر عليه فيكون إجماعاً([122]).

يجاب عليه: أن الحسن عندما قتل ابن ملجم لم يقتله قصاصاً لوالده، وإنما قتله لكفره؛ لأنه استحل دم الإمام علي رضي الله عنه معتقداً كفره، متقرباً لله بهذا العمل، وقيل: إنه قتله لسعيه في الأرض فساداً ويكون حكمه كحكم قاطع الطريق، ففي هذه الحالة قتله متحتم؛ لأنه من حقوق الله، فلما أقام الحسن العقوبة على ابن ملجم ليس لكونه ولي الدم وإنما بصفته ولي الأمر، حيث كان الحسن هو الإمام فله حق استيفاء حقوق القصاص والحدود، ولذلك لم ينتظر بلوغ الصغير ورجوع الغائب... من الورثة حتى يقتله، كما أن ولاية القصاص هي استحقاق استيفائه، وليس للصغير هذه الولاية باتفاق الفقهاء([123]).

الترجيح: الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول وهو عدم استيفاء القصاص حتى يكبر الصغير ويعود الغائب ويفيق المجنون ما لم يكن جنوناً مطبقاً؛ لأن حق القصاص يثبت لجميع الورثة، كما أن القصد من القصاص هو التشفي وإذهاب الغيظ وحفظ النفوس، كما أن إقامة العقوبة بحضور الجميع اعتراف بالفطرة الإنسانية وما ركب فيها من رغبة الأولياء العميقة وتوقانهم لنوال حقهم بالقصاص، وخطورة تجاهل هذا الشعور، وما يولده من مشاكل الأخذ بالثأر([124]).

الفرع الرابع: تأجيل العقوبة في دار الحرب:

إذا ارتكب المسلم محذوراًً في دارٍ الحرب فهل تقام العقوبة عليه في دار الحرب أم لا؟

اختلفت أقوال الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأول: أحكام الإسلام تتبع المسلم حيثما وجد نظراً لعموم ولاية الدولة على المسلمين، فمن ارتكب جريمة؛ فإن حكم الإسلام يمتد إليه ما دام مسلماً ويعاقب على جريمته، وبهذا قال جمهور الفقهاء مـن: المالكية([125])، والشافعيـة([126])، والحنابلة([127])، والظاهرية([128])، والزيدية([129]).

واستدلوا بـ:

أ– عموم آيات الحدود والقصاص فهي توجب القصاص والحدود ولم تفرق بين مكان وآخر إلا بدليل ولا دليل.

ب– قولهِ صلى الله عليه وسلم: "أقيموا حدود الله في السفر والحضر على القريب والبعيد ولا تبالوا في الله لومة لائم"([130]).

ت– علل بعض أصحاب هذا الرأي تنفيذ العقوبة في دار الحرب بأنه أقوى وأعون على الحق وأردع له، وهذا القول نابع من حرصهم الشديد على إقامة حدود الله وعدم تعطيلها أو تأجيلها حتى مع قيام العارض.

ث– كل من القاتل والمقتول متكافئان في الدماء فينبغي إقامة القصاص على الجاني([131]).

ج– القصاص حق الولي، فهو ينفرد باستيفائه حينما يتمكن منه من غير حاجة فيه إلى الإمام([132]).

ح- قتل المسلم للمسلم ظلماً كما لو قتله في دار الإسلام فينبغي إقامة العقوبة عليه.

خ- قال ابن حبيب: كان مالك يظهر السرور بإقامة الحد ويسرع الجواب فيه ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً"([133]).

القول الثاني: لا يعاقب المسلم إذا ارتكب جريمة في دار الحرب؛ وإنما تلزمه الدية والكفارة، لوقوع الجناية في دار لا تمتد إليها أحكام السلطان المسلم، ولا ولاية له عليها. وبهذا قال: الحنفية([134]).

واستدلوا بـ:

أ- عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: "لا تقام الحدود في دار الحرب مخافة أن يلحق أهلها بالعدو"([135]).

وجه الدلالة: لا يجب الحد في دار الحرب؛ لأن ولاية الإمام منقطعة عنها([136]).

ب- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تقطع الأيدي في الغزو"([137]).

وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجل العقوبة على الجاني خشية أن يترتب عليه ما هو أكبر من تأخيره([138]).

ت- قال أصحاب هذا الرأي أن الحد لا يجب لذاته، وإنما وجب المقصود وهو الانزجار والاستيفاء، فإن لم يكن الاستيفاء ممكناً لانعدام المستوفي؛ لأنه لا يملك إقامة الحد على نفسه، وليس للإمام ولاية على من في دار الحرب ليقيم الحد عليه، فامتنع الوجوب لعدم الفائدة، وهو الاستغناء، فإن لم ينعقد موجباً من الابتداء فلا ينقلب موجباً بالخروج إلينا([139]).

جاءَ في البدائع: "إن القصاص لم يشرع إلا لحكمة الحياة والقضاء على أسباب الشر بين أولياء القتيل والقاتل وأوليائه الذين يعيشون مختلطين في مكان واحد، وفي دار الحرب لا يتصور وجود هذا الشر لانعدام المخالطة، كما أن ببقائه في دار الكفر يكثر سواد أهل الكفـر ويقوي من آزرهم، فهو إن لم يكن منهم دِيْناً فهو منهم داراً"([140]).

قال أبو زهرة: "إن عمل الصحابة بعدم إقامة الحد في دار الحرب يتفق كذلك مع السنة الزكية التي قوامها فعله صلى الله عليه وسلم فلم يعهد أنه أقام الحد في غزواته"([141]).

الترجيح: الراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، فينبغي إقامة العقوبة على الجاني سواء أكانت قصاصاً أم حدوداً أم تعزيراً، وسواء أكان مسلماً مهاجراً أو ممن أسلم ولم يهاجر، والدليل على ذلك عموم الآيات والأحاديث والأخبار وأقوال الفقهاء الدالة على وجوب القصاص؛ لأنها لم تشترط جريان القصاص ووقوع الجناية في مكان دون آخر، كما أن عدم وجود ولاية السلطان المسلم في دار الحرب لا يسقط حكماً شرعياً، وإنما يؤجل تطبيق الحكم إلى الوقت الذي يتمكن من تطبيقه، فالقاتل في دار الحرب لا يمكن القصاص منه ولكن يقتص منه إذا عاد إلى دار الإسلام واقتدر عليه.

قال ابن تيمية: "إن تأخير إقامة الحد على الجاني لمصلحة راجحة للمسلمين وهو خوف ارتداده ولحوقه بالكفار مما يضعف المسلمين ويقوي غيرهم،أما تأخير الحد لعارض أمر أقرته الشريعة الغراء، ومن شواهد ذلك الحامل والمرضع والمرض... فتأخيره للمصلحة العامة أولى"([142]).

يقول محمد أنس عبادة:"وهُنا تحصل الموازنة بين ما يترتب على إقامة الحد وما يترتب على تأخيره، ولا شك أن مصلحة إبقاء الجندي المسلم في الجماعة أرجح وأعم فائدة"([143]).

الفرع الخامس: تأجيل العقوبة في الحرم المكي:

إقامة الحدود والعقوبات في الحرم تتنوع حسب مكان الجناية، وذلك على النحو الآتي:

1- الجناية داخل الحرم المكي:

لا خلاف بين الفقهاء([144]) أن الجاني إذا أرتكب جناية في الحرم يؤخذ بجنايته وتُقام عليه العقوبة المقررة من قتل وقطع وجلد وتعزير... وذلك أن الجاني انتهـك حرمة الحرم فلم يعد الحرم يعصمه من العقوبة. بدليل:

1- قوله تعالى: (وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ) [191: البقرة].

وجه الدلالة: أباح الله تعالى قتلهم عند قتالهم في الحرم([145]).

2- ولأن أهل الحرم يحتاجون للزجر عن ارتكاب المعاصي كغيرهم حفظاً لأنفسهم وأموالهم، فلو لم يشرع الحد في حق من ارتكب الحد في الحرم لتعطلت حدود الله تعالى في حقهم وفاتت المصالح([146]).

3- ولأن الجاني في الحرم هاتك لحرمته فلا تنتهض الحرمة لتحريم دمه وصيانته([147]).

2- الجناية خارج الحرم المكي ثم اللجوء إلى الحرم:

من ارتكب حداً من الحدود أو وجب عليه قصاص خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم، فهل يعاقب في الحرم أم لا ؟ اختلفت أقوال الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأول: لا يعاقب الملتجئ إلى الحرم داخل الحرم، وتؤخر العقوبة حتى يخرج من الحرم، لكن يضيق عليه فلا يبايع ولا يطعم ولا يؤوى حتى يضطر إلى الخروج من الحرم ليعاقب، وبهذا قال: الحنفية فلا يقام عليه الحد بخلاف القصاص([148])، والحنابلة في رواية([149]).

استدلوا بـ:

1- قوله تعالى: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) [97: آل عمران].

وجه الدلالة: يريد بذلك الحرم([150])، فقد خصص هذا النص عموم الآيات الداعية إلى القصاص، فهذا حكم ثابت قبل الإسلام وبعده فهو خبر يُراد به الأمر وليس إخباراً عما مضى([151]). فقد أثبت الأمان لمن دخل الحرم، ويقتضي هذا أن يكون من دخله غير آمن خارجه؛ لأن المعصوم غير المهدر آمن داخل الحرم، أو لم يدخله فيجب أن تكون الآية مفيدة لحكم جديد وهو تأمين الخائف المهدد إذا دخل الحرم وإلاَّ خلت الآية من الفائدة وهو ممتنع([152]).

يرد على ذلك: حكم الأمان المذكور هو إخبار عما سبق في زمن الجاهلية وليس لما يستقبل، وإن هذا الحكم قد نسخ بالآيات الآمرة بالقتال([153])، كقوله تعالى:  (وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) [36: التوبة] وبفعله صلى الله عليه وسلم عندما قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة([154]). أو أنه محمول على غير الجاني ولجأ إلى الحرم ينشد الأمن والسلام في الدارين([155]).

يجاب عن ذلك: إن المراد في ذلك هو إثبات الأمن لمن دخل الحرم وليس الإخبار عما سبق وإلاَّ وقع الخبر خلاف المخبر([156])، كما أن الآيات الدالة على عدم العصمة قد دخلها التخصيص بلفظ مقارن فيما يتعلق بمواضع الشبهة كمن يسرق من مال أبيه والمرأة من مال زوجها فتدرأ العقوبة، وكذلك تدرأ العقوبة عن المكره... وقد نقل الإجماع سعدي أفندي في حاشيته بقوله: "إن موضع الشبهة خصت بالإجماع وما دام الدليل قد دخله التخصيص فلا يبقى على عمومه لوجود دليل التخصيص الداعي إلى عدم إقامة الحد في الحرم، أما بالنسبة للساعة التي وردت فيها قتال بعض الأشخاص، فهي خصوصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يقاس عليها"([157]).

2– قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) [67: العنكبوت] وقوله عز وجل: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً) [125: البقرة].

وجه الدلالة: قال ابن تيمية: "إن الله تعالى جعل الحرم بلداً آمناً قدراً وشرعاً، فكانوا في الجاهلية يسفك بعضهم دماء بعض خارج الحرم، فإذا دخلوا الحرم أو لقي الرجل قاتل أبيه لم يهجروا حرمته، ففي الإسلام كذلك وأشد"([158]).

قال ابن عابدين: "فمن ارتكب حداً أو قصاصاً ثم لجأ إلى الحرم لم يحد؛ لأنه قد عظمه باللجوء إليه بخلاف لو ارتكب حداً أو قصاصاً فيه فإنه استخف فيه"([159]).

3- قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً ولا يعضد بها شجرة؛ فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنما أذن لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب"([160]).

4- قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت إلى حرمتها فلا يُسفك فيها دم"([161]).

وجه الدلالة من الحديثين: الحجة فيهما من وجهين([162]):

أ- أنه حرم سفك الدم فيه على الإطلاق، وتخصيص مكة بهذا يدل على أنه أراد العموم؛ فإنه لو أراد سفك الدم الحرام لم تختص به مكة فلا يكون التخصيص مفيداً.

ب- قوله "إنما حلت لي ساعة من نهار ثم عادت حرمتها" ومعلوم أنه إنما أحل له سفك دم حلال في غير الحرم، فحرمها الحرم ثم أحلت له ساعة ثم عادت الحرمة، وأكد صلى الله عليه وسلم هذا بمنع قياس غيره عليه والاقتداء به بأن الله أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم ولم يأذن لكم.

5– قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه"([163]) وقال ابن عمر رضي الله عنهما: "لو وجدت فيه قاتل عمر ما ندهته"([164]).

القول الثاني: يعاقب الجاني الملتجئ للحرم في الحرم، وبهذا قال: الحنفية([165]) فيستوفى منه القصاص لا الحد؛ لأن الحد حق لله والقصاص حق للعبد، والمالكية([166])، والشافعية([167])، والحنابلة في رواية([168]).

استدلوا بـ:

1- حديث: "إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فارًّا بدم"([169]).

يرد على ذلك: أن هذا من كلام عمرو بن سعيد وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وهو يرد به قول النبي صلى الله عليه وسلم حين روى له أبو شريح حديث "إن الله حرم مكة..." وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق بالاتباع([170]).

2- أن النبي صلى الله عليه وسلم: "أمر بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة"([171]).

يرد على ذلك: أن هذا من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يقتدي به غيره في ذلك، فالله تعالى أحل له حرم مكة([172]).

3- عموم الأوامر بجلد الزاني وقطع يد السارق، واستيفاء القصاص من غير تخصيص بمكان دون مكان([173]).

يرد على ذلك: أن هذا مطلق في الأمكنة والأزمنة؛ فهو يتناول مكاناً غير معين ضرورة، فيمكن إقامته في غير الحرم، والأحاديث الواردة في منع إقامة العقوبة في الحرم تعد مخصصة لذلك العموم([174]).

الترجيح: الراجح هو ماذهب إليه أصحاب القول الأول، وذلك لقوة أدلتهم وكذلك الاتفاق الحاصل بين السلف والخلف من الصحابة والتابعين أن من دخل الحرم كان آمناً، لكن واجب الأمة أن يقاطعوه ويضيقوا عليه ولا يعد التضييق عليه للضرورة منافياً للأمان المثبت لمن لجأ إلى الحرم؛ لأن الأمن يعني عدم الاعتداء ومنع الطعام والشراب... لا يعد اعتداء لأنه لا يمنع حقاً؛ بل يؤدي واجباً يساعد على تنفيذ حكم الله سبحانه وتعالى، ففي تزويده بالطعام والشراب... تمكين له في البقاء داخل الحرم مما يمنع تنفيذ العقوبة مما يؤدي إلى تعطيل حدود الله، كما أن القول بعدم التضييق على الجاني يؤدي إلى اتخاذ الحرم ملاذاً آمناً للعصاة والمجرمين والإرهابيين.

الخاتمة

بعد أن مّنَّ الله عليَّ بإنجاز هذا البحث يجدر تسجيل أهم النتائج التي توصلت إليها:

1- الإسلام دين رحمة وشفقة، فتشريع العقوبة جاء لتحقيق مصالح العباد وتحقيق الأمن والطمأنينة لهم.

2- التشريع الإسلامي استثنى بعض الحالات من فورية تطبيق العقوبة على الجاني دفعاً للضرر عن الجاني الذي سيلحق به فيما لو طبقت عليه فوراً.

3- تؤجل عقوبة الحامل التي ارتكبت جناية حدية وغيرها حتى تضع حملها باتفاق الفقهاء، وذلك دفعاً للضرر عن الجنين الذي لا ذنب ولا وزر له.

4- المرأة في حالة نفاسها إذا وجبت عليها عقوبة حدية بالقطع أو الجلد أو القصاص فيما دون النفس تؤجل عقوبتها حتى تتعافى من نفاسها؛ لأننا لو عاقبناها وهي في هذه الحالة الصحية الصعبة ربما يؤدي ذلك إلى موتها؛ لأن هدف العقوبة ليس إتلاف نفس بل الردع والزجر.

5- من ارتكب جريمة عقوبتها الموت وكان مريضاً عند تنفيذ العقوبة لا تؤجل العقوبة في هذه الحالة؛ لأن الهدف هو إزهاق روحه، وذلك باتفاق الفقهاء جميعاً.

6- إذا كان المريض المرتكب للجناية عقوبته دون القتل وكان مرضه مما يرجى شفاؤه منه فتؤجل العقوبة إلى حين شفائه؛ لأن سماحة الإسلام ويسره يتطلب ذلك.

7- المريض الجاني الذي لا يرجى شفاؤه إذا ارتكب ما يوجب حداً، فلا تؤجل العقوبة لكن تخفف عليه العقوبة على القول الراجح.

8- المريض الجاني إذا كان مصاباً بجرح، فإذا ارتكب ما يوجب قصاصاً دون النفس، فتؤجل العقوبة لحين شفاء الجرح حتى لا يتضاعف عليه الألم أو يتأخر الشفاء.

9- يؤجل تطبيق العقوبة على الجاني في حالة الحر والبرد الشديدين بما لا يؤدي إلى إلحاق الضرر بالجاني، بتقرير يثبت ذلك من أهل الاختصاص كالأطباء ونحوهم.

10- استيفاء القصاص يؤجل لحين عودة الغائب وبلوغ الصغير وإفاقة المجنون غير المطبق من أولياء المجني عليه؛ لأن الهدف من القصاص هو إشفاء غيظ أولياء الدم.

11- الجاني المسلم إذا ارتكب جنايته في دار الحرب يعاقب على جنايته إن تمكنا من ذلك ولا تؤجل العقوبة، أما إذا لم نتمكن من تنفيذها فينتظر قدومه إلى دار الإسلام ثم نعاقبه على جريمته.

12- من ارتكب جريمة في الحرم المكي لا تؤجل عقوبته بل تنفذ في الحرم باتفاق الفقهاء؛ لأنه قد استهان بحرمة الحرم.

13- من ارتكب جناية خارج الحرم ثم التجأ إلى الحرم المكي، فيضيق عليه ليضطر إلى الخروج ثم يعاقب خارج الحرم، أما في الحرم فلا يقام عليه الحد أو القصاص؛ لأن الله تعالى جعل الحرم آمناً.

والحمد لله رب العالمين

 

(*) منشور في "المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية"، المجلد الخامس، العدد (4)، 1431 ه‍/2009م.

 

 

الهوامش:



([1]) محمد بن يعقوب الفيروز آبادي (ت 817ﻫ/1414م)، القاموس المحيط، دار العلم للجميع، بيروت، ج3، ص327، (باب اللام، فصل الهمزة).

([2]) محمد بن مكرم بن منظور (ت 711ﻫ/1311م)، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ج11، ص11، (باب اللام، فصل الهمزة والجيم).

([3]) أحمد بن فارس (ت 395ﻫ/1004م)، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام هارون، ط1، دار الجليل، بيروت، 1991م، ج1، ص64.

([4]) المصدر السابق ذاته، ج1، ص64.

([5]) وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويتية، الموسوعة الفقهية، ط1، 1988م، ج2، ص5.

([6]) المصدر السابق ذاته، ج2، ص5.

([7]) المصدر السابق ذاته، ج2، ص5.

([8]) ابن منظور، لسان العرب، ج2، ص834.

([9]) نديم وأُسامة مرعشلي، الصحاح في اللغة والعلوم، دار الحضارة العربية، ط1، بيروت، 1975م، ص757.

([10]) أحمد بن محمد الطحاوي (ت 321ﻫ/933م)، حاشية

الطحاوي على الدر المختار، بيروت، 1975م، ج2، ص388.

([11]) عبد القادر عودة، التشريع الجنائي، ط14، 1998م، بيروت، ج1، ص9.

(