نشرة الإفتاء - العدد 35 أضيف بتاريخ: 10-12-2018

نشرة الإفتاء - العدد 34 أضيف بتاريخ: 13-09-2018

التقرير الإحصائي السنوي 2017 أضيف بتاريخ: 12-07-2018

نشرة الإفتاء - العدد 33 أضيف بتاريخ: 27-05-2018

مختصر عقيدة أهل السنة والجماعة أضيف بتاريخ: 27-05-2018

نشرة الإفتاء - العدد 32 أضيف بتاريخ: 27-05-2018

دور المجامع الفقهية أضيف بتاريخ: 18-02-2018

صكوك عقود التوريد أضيف بتاريخ: 15-02-2018




جميع منشورات الإفتاء

مسلسل "جن" انحدار أخلاقي أضيف بتاريخ: 16-06-2019

دور الأسرة في مواجهة التطرف أضيف بتاريخ: 13-06-2019

توضيح من دائرة الإفتاء العام أضيف بتاريخ: 09-06-2019

توضيح بشأن هلال شوال أضيف بتاريخ: 04-06-2019

من آداب الدعاء وأحكامه أضيف بتاريخ: 22-05-2019

الدعاء في رمضان أضيف بتاريخ: 13-05-2019

يريد الله بكم اليسر أضيف بتاريخ: 08-05-2019

إدانة الحادث في سيريلانكا أضيف بتاريخ: 21-04-2019




جميع المقالات

مقالات


غزوة كأن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم

الكاتب : سماحة الدكتور نوح علي سلمان رحمه الله

أضيف بتاريخ : 03-05-2009


 

 

كانت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم حافلة بالجهاد؛ لأنه ذروة سنام الإسلام، جاهد بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة قبل الهجرة، وأضاف إليهما القتال المسلح بعد الهجرة؛ لأن الحق لا يعترف به إلا إذا كان الداعي له قويا، والمقصود من الجهادَين إنقاذ الناس من ( نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى ) كذب بوحدانية الله، وأخوة البشر، وعدالة الإسلام.

والذين أرخوا لحياة النبي صلى الله عليه وسلم أطلقوا على المعارك التي قادها عليه الصلاة والسلام اسم: ( غزوات ) لأهميتها وعظيم شأنها، وعدد هذه الغزوات (21) غزوة، أما المعارك التي سيَّر لها الجيوش ولم يشارك فيها فقد أطلقوا عليها اسم: (سرايا)، وعددها (56)؛ لأنها أقل شأنا من الغزوات، إلا معركة مؤتة، فقد أطلقوا عليها اسم: ( غزوة ) مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن فيها، وما ذلك إلا لأهميتها في تاريخ الإسلام والمسلمين، وما ترتب عليها من نتائج وأحداث فيما بعد، فقد كانت الاحتكاك المسلح الأول بين الدولة الإسلامية ـ الناشئة بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي تحمل راية التوحيد، وتنشد العدالة والمساواة ـ و بين الدولة الرومانية المستكبرة، التي كانت تستعمر بلاد الشام العربية، وبلغت بها الغطرسة أن يقتل مبعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم الحارث بن عمير الأزدي الذي كان يحمل كتابا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نائب هرقل على بصرى " المدينة العربية "، يدعوه فيه إلى الإسلام، ومن المؤسف أن الذي قتله عربي، أراد أن يتقرب بذلك إلى هرقل الرومي، بينما هرقل نفسه لم يقتل مبعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل تدبر الرسالة النبوية التي حملها إليه، وجمع لها كبار الناس، وكاد يسلم، كما روى ذلك البخاري في صحيحه.

ومهما يكن من أمر فإن قتل السفير عمل عدواني يمس كرامة الدولة، ولا يجوز السكوت عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم حوله رجال(صدقوا ما عاهدوا الله عليه) شعارهم ( سمعنا وأطعنا)، ( أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين)، فأرسل جيشا قوامه ثلاثة آلاف مجاهد بقيادة رجل كان يدعى: ابن محمد، وهو زيد بن حارثة، واحتياطا لهذه المعركة الخطيرة؛ ولأن القائد لا بد أن يكون في الطليعة على تماس مع العدو، أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم إن أصيب زيد أن يخلفه جعفر بن أبي طالب الهاشمي، ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي كان يشبهه صلى الله عليه وسلم، وكان قد عاد آنفا من جبهة أخرى، عاد من الحبشة التي ذهب إليها مهاجرا وداعيا إلى الله، فأسلم على يده ملك الحبشة، لكن المعركة الفاصلة لا يدخر عنها عزيز، وفي ساح الوغى و أرض السلام لا يكون إلا ما قدَّره الله، ونظرا لاحتمالات الموقف أيضا أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أُصيب جعفر أن يكون الأمير حبيب آخر، وثقة ثالث، إنه عبد الله بن رواحة، شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمدافع عن الإسلام بشعره وبيانه، ليدافع عنه أيضا بسيفه وسنانه، ولم تكن هذه الإمارة منصبا بلا تعب ولا نصب، بل كانت مخاطرة حقيقية، وإلا ما معنى أن يُؤمِّر النبيُّ الموحى إليه من السماء صلى الله عليه وسلم أميرا بعد أمير بعد أمير، فإن أصيب الثالث أمّر المسلمون عليهم واحدا منهم.

وسار الجيش مودَّعًا مِن قِبَل الرسول صلى الله عليه وسلم والعديد من الصحابة، وكانت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم:

( أوصيكم بتقوى الله، وبمن معكم من المسلمين خيرا، اغزوا باسم الله في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدورا، ولا تغلوا-أي: لا تسرقوا -،ولا تقتلوا وليدا، ولا امرأة، ولا كبيرا فانيا، ولا منعزلا بصومعته، ولا تعقروا نخلا، ولا تقطعوا شجرا، ولا تهدموا بناء)

كلمات واضحة تحمل أوامر ثابتة لذلك الجيش، ولمن بعده من جيوش المسلمين، والذي يعرف لغة الشريعة يعرف مدى الصرامة في وجوب تطبيقها، فأول كلمة فيها:( أوصيكم بتقوى الله )، أي أن الذي يراقبكم ويحاسبكم على تنفيذ هذه الوصية وغيرها من أحكام الإسلام هو الله، فليست القضية تعليمات للدعاية فقط، يخالفها من وضعها، ثم يدافع عمن انتهكها من جنوده، لا، فنحن قوم نتعامل مع الله (وهو معكم أينما كنتم ).

بلغت الرومَ أخبارُ هذا الجيش، فحشدوا له جيشا كثيفا فيه أكثر من مائة ألف من نصارى العرب، ومائة ألف من نصارى الروم، وأرسل شرحبيلُ بنُ عمرو-قاتلُ سفيرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم - سريةَ استطلاع بقيادة أخيه " سدوس "، تتلمس أخبار المسلمين، ولعله أراد بذلك التأكيد على ولائه لهرقل وزيادة حرصه على دولة الروم، وشعرت طلائع جيش المسلمين بسرية الاستطلاع هذه، فاشتبكت معهم، وقتل " سدوس " وفر أصحابه.

كما بلغت المسلمين أخبارُ جيش الروم فتريثوا وتشاوروا؛ لأن هذا العدد من جيش مدرب لا يجوز الاستخفاف به، وحسم الموقفَ عبدُ الله بن رواحة عندما قال: "إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة ".

وبقي هذا هو السلاح الأقوى في يد المسلمين إلى اليوم ( طلب الشهادة )، مع أنهم لم يهملوا بقية الأسلحة التقليدية التي يستخدمها الناس، ولذا قال خالد بن الوليد للعدو في مناسبة لاحقة: " جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة "، وماذا يفعل العدو بمن يحب الموت، ويعتقد انه في المعركة كرامة من الله يحرص عليها المؤمن بلقاء الله.

إن أقصى ما يتوقع في لقاء العدو الموت، وهو في عقيدتنا له ساعة لا تقدمها المعركة ولا يؤخرها السلام، ثم هو في المعركة شرف ما بعده إلا شرف النبوة؟!

أقدم الجيش على المعركة ولم تكن متكافئة، لا في العدد، ولا العدة، لكن كما قال ابن رواحة رضي الله عنه: والله ما نقاتل الناس بعدد ولا عدة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به.

والتقى جيش مؤلف من ثلاثة آلاف بجيش مؤلف من مائتي ألف، وما أظن الناس سمعوا بمثل هذا إلا في تاريخ المسلمين، أن تكون النسبة (3: 200) بين جيشين متقاتلين، والأقلية مهاجمة، والأكثرية على أرضها، والذين يستغربون هذه النسبة لا يعرفون مدى تأثير المعنويات العالية في شجاعة المجاهدين وحسن أدائهم القتالي، لقد قال الله تعالى: ( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) البقرة/249.

ثم إن الجيش مهما كثير يدفع إلى ساحة القتال ما يتناسب مع حجم العدو، وما تتسع له ساحة المعركة، لكن العبء النفسي والتعبوي يكون على الجيش الأقل بقدر إمكانيات الجيش المقابل، سواء من اشتبك في القتال فعلا، ومن هو جاهز لدخول المعركة.

مهما يكن من أمر فإن المعركة استمرت سبعة أيام، استشهد فيها القادة الثلاث، واستشهد معهم تسعة فقط من جيش المسلمين، أما جيش الروم فلا نعرف عدد قتلاه، غير أن خالد بن الوليد يقول: لقد انقطعت في يدي يومئذ تسعة أسياف، وما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية، ولنتصور كم قتل خالد حتى قطعت الأسياف التسع، وكم قتل بالصفيحة اليمانية، هذا فضلا عما قتله بقية المجاهدين والأبطال والشجعان، لقد ذكرت بعض الروايات أن الروم انهزموا أسوأ هزيمة، ووضع المسلمون أسيافهم حيث شاءوا.

بعد استشهاد عبد الله بن رواحة جعل الصحابة أميرهم خالد بن الوليد، فبدل مواقع القطعات المقاتلة، ثم قاتل قتالا عنيفا، فظن الروم أن مددا قد وصل إلى المسلمين، فهابوهم، فلما تراجع خالد بالجيش لم يجرؤ الروم على ملاحقتهم، وعاد الجيش إلى المدينة، ولم تُعجِب نتيجة هذه المعركة جمهور المسلمين في المدينة، فكيف يرجعون أحياء قبل أن يقضوا على الأعداء؟! فقالوا لهم: أنتم الفرار.

أما النبي صلى الله عليه وسلم فاستبشر خيرا بنتائج المعركة وقال: بل هم الكرار إن شاء الله.

وهكذا كان، فخالد بن الوليد هو الذي قاد فرسان مؤتة في معركة اليرموك، وبها انتهى احتلال الروم لبلاد الشام، وصارت دمشق عاصمة الخلافة الإسلامية، ثم امتد الفتح إلى القسطنطينية عاصمة الروم، فصارت عاصمة المسلمين قرونا، وظلت مدينة إسلامية إلى اليوم، وما زال لنا في الغيب كثير.

إن دروس معركة مؤتة مثيرة ويستوقفني منها:

1-أن القائد إذا وجد حوله جنوداً على شاكلته في التضحية حقق ما يريده الجميع ، وإلا أحبط وبقيت آمال الأمة حسرات في الصدور، ومصداق هذا أن موسى عليه السلام لما قال له بنوا إسرائيل: ( اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون) لم يستطع أن يفعل شيئاً مما يطمح إليه هو وقومه ، ومحمد صلى الله عليه وسلم عندما قال له الصحابة قبيل معركة بدر: ( اذهب أنت وريك فقاتلا إنا معكما مقاتلون) حقق النصر ، وسمي ذلك اليوم بيوم الفرقان، وصدق من قال :( إنما الرجل بأعوانه) وكما لا ينكر اثر القائد معنوياً على الجنود ولا ينكر اثر الجنود على أداء القائد .

2-أن العرب كانوا في بلاد الشام كثيرين جداً، ولذا أفرزوا مائة ألف مقاتل على عجل، ولم تكن الجيوش منظمة جاهزة كاليوم بل يشارك من المعركة من ساعده الوقت والظرف على المشاركة ، وهذا يعني أن عددهم كان بالملايين ومهما كان عددهم فان هؤلاء العرب اسلموا فيما بعد وكانوا من جند الإسلام في جبهته المحاذين لبلاد الروم، فقد أتاهم الحق بلسان عربي مبين فلا داعي للتعصب والإصرار على موروثات الآباء، وثقافة المحتل: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) تقول بعض الروايات إن أحد أمراء عرب الشام أسلم وقاتل مع المسلمين واستشهد وكان معه نفر من أصحابه.

3-أن الذي حرر بلاد الشام والعراق هو الإسلام بتلاميذ وأصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد أرسل إلى مؤتة بخاصته وأهله، وظلت قبور الأبطال الهاشميين في مؤتة شواهد على أن أول من جاء إلى بلاد الشام هادياً ومحرراً وفاتحاً رجال بني هاشم وكل من جاء بعدهم في صحائف تاريخهم .

4-كانت هذه المعاني حاضرة في ذهن المرحوم الملك الحسين بن طلال رحمه الله عندما أصر  على إقامة جامعة على أرض مؤتة تحمل اسمها ومعناها يتخرج منها قادة الجيش المصطفوي يقيمون الصلاة في مساجد حديثة ويتعلمون الكتاب والحكمة والعلوم العسكرية في أبنية حديثة وعلى مرأى البصر منهم آثار مؤتة ومشاهد أبطالها وفي أذهانهم ذكريات بطولاتها وفي عزائمهم عزائم الطلائع الغر من جيش المصطفى صلى الله عليه وسلم .

 

فبوركت مؤتة المعركة ، وبوركت مؤتة الجامعة

رقم المقال [ السابق --- التالي ]


اقرأ للكاتب




التعليقات

 

الاسم *

البريد الإلكتروني *

الدولة

عنوان التعليق *

التعليق *

 
 

تنبيه: هذه النافذة غير مخصصة للأسئلة الشرعية، وإنما للتعليق على الموضوع المنشور لتكون محل استفادة واهتمام إدارة الموقع إن شاء الله، وليست للنشر. وأما الأسئلة الشرعية فيسرنا استقبالها في قسم " أرسل سؤالك "، ولذلك نرجو المعذرة من الإخوة الزوار إذا لم يُجَب على أي سؤال شرعي يدخل من نافذة " التعليقات " وذلك لغرض تنظيم العمل. وشكرا