معراج الروح
في محاريب الأوقات الفاضلة تنعتق الروح من أسر الطين؛ لتذوق طعم سموّها، حيث تتجاوز اللذة حدود الحواس الفانية، وتتحول إلى فيض نوراني يغمر الوجدان. فليست البهجة الحقيقية في نيل المطامع الدونية، بل في ذلك الأنس المهيب الذي يمتزج فيه جهد الطاعة بتباشير القبول.
ويتجلى هذا النعيم الرباني في أبهى صوره في أحايين لا تخطئها الذاكرة، وكأنها لوحة قد نقشت في سويداء القلب، فمن منا لا يرف قلبه حنيناً عندما يستذكر ذلك الحين الذي تقترب الشمس فيه من مغيبها نهار رمضان، أو لا يطير شوقاً إلى تلك الساعة الأخيرة من نهار عرفة حيث العبرات في ذلك الصعيد الطاهر ممن حضره أو لم يحضره، أو لم يهمس في أذنيه هامس السكون من جوف الليل وقت السحر حيث الأنس بقرب الله تعالى.
مغيب شمس نهار رمضان: بهجة الروح الكامنة
مع ميلاد الشفق وهبوط قرص الشمس نحو الأفق في نهار رمضان تبلغ القلوب ذروة تطلعها، وفي تلك الدقائق تجتاح النفس فرحة عارمة فتهز أركانها وتثير في الوجدان تساؤلاً عميقاً: هل هي بهجة الطعام والشراب بعد طول جوع وظمأ؟ أم هو شيء آخر أعمق وأسمى يلامس شغاف الروح؟
ماهية اللذة: إنها حتماً ليست فرحة الطين بالماء، بل هي تلك البهجة المركبة التي صاغها البيان النبوي: (لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ)[1]، فرحة الروح بنصرها على شهوات الجسد والافتخار بتمام الطاعة، وفرحة انفلات الروح من عقالها المادي آنسة برجاء القبول الإلهي.
حضور الروح: حين يتحول الجهد البدني من ترك للطعام والشراب الذي أضعف قوة البدن آخر النهار إلى غذاء من نوع آخر أينعت معه قوة الروح؛ فتنسكب السكينة في القلوب المؤمنة سكباً، مع اليقين بنيل الجائزة الغالية التي وعد بها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ...) [2]، ليتحول الصيام في تلك اللحظات من مشقة بدن إلى معراج روح.
عشيّة عرفة: الطمأنينة الكبرى وفيض الرحمات
حين تتهيأ شمس التاسع من ذي الحجة للرحيل يخيم على وادي عرفات وعلى قلوب المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها سكون مهيب، حيث تسابق أكف الضراعة مآقي العيون في تلك الأوقات الفاضلة.
ماهية اللذة: إن اللذة التي تفيض بها الروح عند الخروج من أوزارها عشيّة عرفة، هي لذة "الولادة الجديدة"؛ إنها فرحة سجينٍ طال ليله، وفُكّت أصفاده بغتة، إذ يغدو المؤمن في ذلك اليوم ونصب عينيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ...)[3] رجاء أن يكون أحد المعتقين، تتلاشى أثقال السنين تحت وابل المغفرة؛ فتنفتح للروح آفاق لم تدنسها خطيئة. إن حقيقة اللذة في ذلك اليوم ليست في مجرد زوال الخوف من العقاب، بل في ذلك الارتياح العميق الذي يلف الوجدان حين يشعر العبد بأن رداء الطهر قد عاد يكسو روحه بعد أن غسلت من وعثاء الدنيا، فتعود إلى فِطرتها الأولى؛ ناصعةً، حُرّةً، ومحفوفةً بالرضا الإلهي.
جوف الليل الآخر: مناجاة المقربين
وإذا ما سجى الليل في هزيعه الأخير، تنفتح أبواب السماء لنداء دافئ يملأ الآفاق: (هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ)[4]. في وقت السحر تنسلخ الروح تماماً من صخب الحياة؛ لتنطرح في محراب العبودية، حيث يغدو الافتقار تسبيحاً.
ماهية اللذة: إن اللذة التي تذوقها الروح في تلك الساعات المخبأة عن عيون الورى هي لذة "الخصوصية المطلقة"، إنها بهجة التحرر من رياء السمعة، والانفراد التام بملك الملوك جل جلاله.
وحين تندرج النفس في مقام العبودية الخالصة، يتحول الافتقار في السؤال إلى غنى اليقين، وتنقلب خلوة السحر إلى جلوة أنس تفيض بالرضا، حينها تمسي تلك الخلوة غذاء للروح في مسيرها المضني في هذه الحياة، ولنا أن نتفكر في إرشاد النبي لنا في هذا المقام في قوله صلى الله عليه وسلم: (وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَة[5])[6]، تكمن حقيقة هذه اللذة في الارتياح الساكن الذي يسري في الأعماق، حين يستشعر العبد المنكسر أنه أقرب ما يكون إلى ربه، فتمسي مناجاته الخفية بلسان حاله كأنها معراج ذاتي، يسمو به فوق كل هم، ويعود به إلى حقيقة هذه الدنيا مذكرا بفنائها؛ ليغسل قلبه من كدر الدنيا قبل أن تنفسح ظلمة الليل.
حين تُطوى أوقات النفحات الربانية، لا ترحل إلا وقد سكنت معها الأرواح، ليكون حظ الروح من تلك الطاعات انعتاقاً يتجدد، ويقيناً يتأكد. إنها عودة الروح ممتلئة ببهجة القرب بعد أن ألقت عن كاهلها أثقال الطين وأوزار السير في مناكب الدنيا. فلم تكن الطاعة يوماً قيداً للأبدان، بل هي معراجٌ حقيقي تذوق فيه الأرواح لذة السلام، وإن حظ الروح من الطاعة كحظ البدن من الغذاء، نحتاج الطاعة لتستأنف أرواحنا رحلتها في الحياة بنفَس أسمى، وقلب أصفى، محفوفة بجميل الرضا وتباشير القبول الإلهي.
[1] متفق عليه: صحيح البخاري (3 / 26)، وصحيح مسلم (2 / 807).
[2] أخرجه الترمذي (5 / 578)، وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ"، وابن حبان في صحيحه باب: ذِكْرُ رَجَاءِ اسْتِجَابَةِ دُعَاءِ الصَّائِمِ عِنْدَ إِفْطَارِهِ (8 / 215).
[3] صحيح مسلم (2 / 982).
[4] صحيح مسلم (1 / 522).
[5]قال ابن رجب رحمه الله: "يعني أن هذه الأوقات الثلاثة أوقات العمل والسير إلى الله؛ وهي أول النهار وآخره، وآخر الليل". فتح الباري لابن رجب (1 / 152).
[6] صحيح البخاري (1 / 16).