مقالات

"لا أدري" نصف العلم

الكاتب : المفتي الدكتور فادي الربابعة

أضيف بتاريخ : 15-09-2026


"لا أدري" نصف العلم

في الوقت الذي يخجل فيه بعض الأشخاص من قول "لا أدري" فيما يعرض عليهم من مسائل، معتبرين ذلك دليلاً على قلة العلم والمعرفة وانتقاص من الشخصية، فإن الشريعة الإسلامية توجب على المسلم أن لا يتكلم إلا بما يعلم من المسائل كما جاء ذلك في قوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ  إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء: 36]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "لا تقل رأيت وأنت لم تر ، وسمعت وأنت لم تسمع، وعلمت وأنت لم تعلم" [تفسير القرطبي 5/ 123].

فقول الإنسان لا أدري في المسائل التي لا علم له بها دليل على احترام الذات والمصداقية، وتجنب الخداع والغش للآخرين الذين قد يلحق بهم الضرر والحرج، وبطلان العمل في عموم القضايا المرتبطة بالعقيدة والأحكام الشرعية والعلوم الاجتماعية والتربوية والنفسية والصحية والمهنية ونحوها، مما يلزم فيها التثبت والصواب وتجنب الخطأ.

وتأصيلا لسداد وإيجابية قول "لا أدري"، فقد أشار القرآن الكريم إلى أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يرددونها في المسائل التي لم يوح إليهم فيها علم من الله تعالى، كما جاء ذلك في قوله تعالى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ) [الأنبياء: 109]، "وإن أدري أي: وما أعلم (أقريب أم بعيد ما توعدون) يعني القيامة" [تفسير البغوي]. ومنها قوله تعالى: (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) [الأنبياء: 111]، وإن أدري: أي: لا أعلم. وقوله تعالى: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) [الأحقاف: 9]، وما أدري: أي: وما أعلم.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل فيقول: (لا أدري حتى أسأل جبريل)، ومن ذلك أنَّ رجلًا سألَ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أيُّ: البِقاعِ خيرٌ؟ وأيُّ البِقاعِ شرٌّ؟ قالَ لا أَدري حتَّى أسألَ جبريلَ عليهِ السَّلامُ، فسألَ جبريلُ عليهِ السَّلامُ، فقال: لا أدري حتَّى أسألَ ميكائيلَ، فجاءَ فقالَ: خيرُ البقاعِ المساجدُ وشرُّ البقاعِ الأسواقُ" [أخرجه ابن حبان (1599)].

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لأم العلاء رضي الله عنها عندما قالت: "طَار لنا عثمان بن مَظْعون في السُّكْنَى، حِين اقْتَرَعَت الأنْصَارُ على سُكْنَى المهاجرين، فَاشْتكى فَمَرَّضْنَاه حتَّى تُوُفِّي، ثُمَّ جَعَلْناه في أثْوابه، فَدَخل علينا رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم فقلتُ: رَحْمة اللَّه عَلَيْك أبَا السَّائِب فَشهادتي عَلَيْك لقَدْ أكْرَمَك اللَّه، قال صلى الله عليه وسلم: وما يُدْرِيكِ؟! قُلتُ: لا أدْرِي واللَّه، قال: أمَّا هو فقَدْ جَاءَهُ اليَقِين (الموت)، إنِّي لأرْجو له الخَيْر مِنَ اللَّه، واللَّه ما أدْرِي -وأَنَا رسول اللَّه- ما يُفْعَل بي ولا بكُم. قالَت أُمُّ العَلاء: فَوَ اللَّه لا أُزَكِّي أحَدًا بَعْدَه" [صحيح البخاري (7018)].

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "من علم الرجل أن يقول لما لا يعلم الله أعلم؛ لأن الله عز وجل قال لرسوله عليه الصلاة والسلام: (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين). وقال أيضاً: "وأبردها على الكبد ثلاثاً أن يسأل الرجل عما لا يعلم فيقول الله أعلم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "إذا ترك العالم لا أدري أصيبت مقاتله". وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة ماضية، ولا أدري".  وقال مالك: "كان يقال إذا أغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله"، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام المسلمين وسيد العالمين يسأل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من السماء، وقال الشعبي: "لا أدري نصف العلم" [الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح 2/ 58].

وإن التغافل عن قول "لا أدري" عند عدم المعرفة يؤثر سلباً على حياة وسلوك الإنسان في المجالات المختلفة سواءً الشرعية والإنسانية والطبية والمهنية، مما يوقع الناس بالإثم والحرج والضرر، ويعرّض من تكلم في هذه المسائل إلى المؤاخذة الشرعية والمسائلة القانونية والضمان لما أتلف نتيجة تردده في هذه المقولة وتقوِّله بغير علم؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (منْ أفتي بفُتيا غيرِ ثبتٍ فإنما إثمهُ على منْ أفتاهُ) [أخرجه أبو داود (3657)، وأحمد (8266)، وابن ماجه (53)]، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن تطبَّبَ ولا يُعلَمْ منه طِبٌّ فهوَ ضامنٌ) [أخرجه أبو داود (4586)، والنسائي (4830)، وابن ماجه (3466)]، وقال العلامة ابن فرحون المالكي رحمه الله: "أما إذا كان الطبيب جاهلاً أو فعل غير ما أذن له فيه خطأ، أو يجاوز الحدّ فيما أذن له فيه أو قصر فيه عن المقدار المطلوب، ضمن ما تولد عن ذلك" [تبصرة الحكام 2/ 340]، وقال الإمام الخطابي رحمه الله: "لا أعلم خلافاً في المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامناً" [معالم السنن 4/ 39].

مما تقدم يتبين أن قول الإنسان "لا أدري" في المسائل التي لا دراية له بها لا تنقص من مكانته العلمية، وإنما تعزز مصداقيته، وتدفعه لطلب الزيادة في العلم الذي أرشد الله تعالى إليه رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه: 114]، ذلك أن العلم يتفاوت من إنسان إلى آخر كما قال الله تعالى: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) [يوسف: 76]، قال قتادة في تفسير هذه الآية: "حتى ينتهي العلم إلى الله، منه بدئ وتعلمت العلماء، وإليه يعود" [تفسير القرطبي 4/ 213].

فينبغي على المسلم أن لا يتردد في قول "لا أدري" عند عدم درايته وعلمه ومعرفته فيما يسأل عنه من المسائل.

رقم المقال [ السابق ]

اقرأ للكاتب




التعليقات



تنبيه: هذه النافذة غير مخصصة للأسئلة الشرعية، وإنما للتعليق على الموضوع المنشور لتكون محل استفادة واهتمام إدارة الموقع إن شاء الله، وليست للنشر. وأما الأسئلة الشرعية فيسرنا استقبالها في قسم " أرسل سؤالك "، ولذلك نرجو المعذرة من الإخوة الزوار إذا لم يُجَب على أي سؤال شرعي يدخل من نافذة " التعليقات " وذلك لغرض تنظيم العمل. وشكرا


Captcha