مقالات

فهم سلف الأمة الأجلاء منهج دائرة الإفتاء

الكاتب : المفتي علي القادري

أضيف بتاريخ : 05-05-2026


فهم سلف الأمة الأجلاء منهج دائرة الإفتاء

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الهادي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد

فإن الله تعالى بفضله وكرمه جعلنا من خير أمة أخرجت للناس، أمة حبيبه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [آل عمران: 110]، وجعل سبحانه وتعالى هذا الشرع كاملاً شاملاً تاماً فقال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة: 3]، وتعهد سبحانه وتعالى بحفظه فقال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9].

واختار الله تعالى لنبيه أفضل الخلق بعد الأنبياء، وتفضّل عليهم بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم، فحملوا من بعده لواء الدعوة إلى الله تعالى، متبعين سبيله صلى الله عليه وسلم، من خلال فهمهم السليم لنصوص الكتاب والسنة، ومنهجية استنباط الأحكام منهما، معتمدين على سلامة الفطرة، واللغة العربية، والتطبيق العملي الفوري للنصوص، والتسليم المطلق لله ورسوله صلى الله عليه وسلم دون تكلف أو تنطع، فتميز فهمهم بالوسطية، والشمولية للعقيدة والفقه والسلوك، وأخذ عنهم التابعون ثم تابعيهم، وهكذا بالسند المتصل، وأجمعت الأمة على التزام فهمهم، واتباع منهجهم، فكانوا خير سلف لخير خلف، يقول صاحب جوهرة التوحيد:

وَكُلُ خَيْرٍ فِي اتِّبَاعِ مَنْ سَلَفْ       وَكُلُّ شَرٍّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفْ

وحفظا للدين من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، بحجة اتباع السلف، كان لزاما تحديد حقيقة السلف، وبيان الْمَعَالم والأساسيات لمنهجهم، بغيةَ فَهمها فَهماً صحيحاً وشاملاً، ثم تَمثُّلها في العمل والتطبيق تمثُّلاً صحيحًا.

تعريف السلف لغة واصطلاحاً:

السلف لغة:

السين واللام والفاء أصل يدل على تقدم وسبق، والسلف: الذين مضوا، أي: ‌مَن ‌تَقدَّمك ‌من ‌آبَائِك وذَوِي قَرابَتك الَّذين هم فوقَكَ فِي السنّ والفَضْل، والأمم السالفة: الأمم الماضية([1]).

السلف اصطلاحاً:

اكتسب لفظ السَلَفِ معنى اصطلاحي مُسْتَقِر في الثقافة الإسلامية، ويعنى به القرون الثلاثة الأولى من عُمْرِ هذه الأمة الإسلامية، ومصدر هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ)([2])، يقول ابن حجر في [الفتح]: "واستدل بهذا الحديث على تعديل([3]) أهل القرون الثلاثة، وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، وهذا محمول على الغالب والأكثرية، فقد وجد فيمن بعد الصحابة من القرنين من وجدت فيه الصفات المذكورة المذمومة لكن بقلة، بخلاف من بعد القرون الثلاثة، فإن ذلك كثر فيهم واشتهر"([4]). وعليه فالمراد بالسلف الصحابة الكرام رضوان الله عليهم وأعيان التابعين لهم بإحسان وأتباعهم، وقد أجمعت الأمة أنهم يمثلون أفضلَ ما يمكن أن يصل إليه المسلم في الالتزام الديني، وفهم حقائق الدين ومبادئه الأساسية، وهم الأفضل في مجال العمل والتطبيق لشعائره وشرائعه، والخير كل الخير فيما احتكموا إليه من قواعد تفسير للنصوص، وتأويلها، وأصول الاجتهاد، والنظر في المبادئ والأحكام.

الحد بين السلف والخلف زمنياً:

ولمعرفة الحدّ بين السلف والخلف زمنيا يقول صاحب [المرقاة] في شرح حديث القرون الثلاثة: "والمعنى أن الصحابة والتابعين وتابعيهم هؤلاء القرون الثلاثة المرتبة في الفضيلة، ففي النهاية: القرن أهل كل زمان، وهو مقدار التوسط في أعمار أهل كل زمان، مأخوذ من الاقتران، فكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم، وقيل: ‌القرن ‌أربعون سنة، وقيل: ثمانون، وقيل: مائة، وقيل: هو مطلق من الزمان، وهو مصدر قرن يقرن، قال السيوطي: والأصح أنه لا ينضبط بمدة، فقرنه صلى الله عليه وسلم هم الصحابة، وكانت مدتهم من المبعث إلى آخر من مات من الصحابة مائة وعشرين سنة، وقرن التابعين من مائة سنة إلى نحو سبعين، وقرن أتباع التابعين من ثم إلى نحو العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورا فاشيا، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رءوسها، وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوال تغيرا شديدا، ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن، وظهر مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: (ثم يفشو الكذب)"([5]).

مكانة المذاهب الفقهية الأربعة المتبوعة من السلف:

وبناء على ما تقرر يتبين لنا أن أصحاب المذاهب الفقهية الأربعة: (أبي حنيفة النعمان بن ثابت، المتوفى 150هـ، ومالك بن أنس الأصبحي، المتوفى 179هـ، ومحمد بن إدريس الشافعي، المتوفى 204هـ، وكان آخرهم وفاة أحمد بن حنبل، المتوفى 241هـ، رضي الله عنهم جميعا)، جميعهم من سلف هذه الأمة زمنا ومنهجا، ولذلك اتفقت الأمة على أن المدارس الفقهية التي نُسبت إليهم هي مدرسة السنة والسلف الصالح، وأن أقوالها المعتمدة المفتى بها بين أجرين لمن أصاب، وأجر واحد لمن أخطأ، وأن الآخذ بالفتوى المعتمدة فيها هو ناجٍ عند الله تعالى، وله في ذلك سلف صالح، من سلف هذه الأمة الذين هم خير القرون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك يندرج جميع هؤلاء الأئمة ضمن السلف الصالح الذين أخذت الأمة عنهم وتلقت علومهم بالقبول، فصاروا مرجعا عمليا ومنهجيا لتطبيق الكتاب والسنة، فكما أن القراءة المتواترة في القرآن الكريم طريق نقل كتاب الله، والسند في الحديث النبوي هي طريق نقل الحديث النبوي، فإن المذاهب الفقهية هي طريق نقل الآراء الفقهية والمذاهب الفقهية من لدن الصحابة.

وحقيقة التزام فهم السلف تعني الالتزام بمنهجهم في تعاملهم مع نصوص القرآن والسنة، فكل مَن التزم بهذا المنهج كان متبعا للسلف الصالح وإن عاش في القرون الأخيرة من عمر الدنيا، وكل مَنْ لم يلتزم به فقد خرج عن اتباعهم، وإن عاش في أول قرن من عمر الإسلام، قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة:100].

نصوص العلماء على وجوب اتباع المذاهب الفقهية الأربعة دون غيرها:

نص كثير من العلماء على وجوب اتباع المذاهب الفقهية الأربعة المتبوعة دون غيرها، بل نقل بعضهم الإجماع على ذلك، يقول صاحب المراقي:

"والمجمع اليوم عليه الأربعة              وقفو غيره الجميع منعه

يعني أنه وقع الإجماع اليوم على وجوب تقليد المذاهب الأربعة، أعني مذهب مالك ومذهب أبي حنيفة ومذهب الشافعي ومذهب أحمد، ومنع جميع العلماء قفو -أي اتباع- مذهب مجتهد غيرهم"([6]).

ونقل النفراوي الإجماع بقوله: "وقد انعقد إجماع المسلمين اليوم على وجوب متابعة واحد من الأئمة الأربع: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم، وعدم جواز ‌الخروج ‌عن ‌مذاهبهم، وإنما حرم تقليد غير هؤلاء الأربعة من المجتهدين، مع أن الجميع على هدى لعدم حفظ مذاهبهم لموت أصحابهم وعدم تدوينها"([7]).

وحصر الزركشي الحق في هذه المذاهب فقال: "وقد وقع الاتفاق بين المسلمين على أن الحق ‌منحصر في هذه المذاهب، وحينئذ فلا يجوز العمل بغيرها، فلا يجوز أن يقع الاجتهاد إلا فيها"([8]).

وقد علل ابن رجب وجوب اتباعهم دون غيرهم بقوله: "فإن قيل: نحن نُسلم منعَ عُموم الناس من سلوك طريق الاجتهاد، لما يُفضي ذلك إِلَى أعظم الفساد، لكن لا نسلم منعَ تقليد إمامٍ مُتبع من أئمة المجتهدين غير هؤلاء الأئمة المشهورين، قيل: قد نبَّهنا علَى علة المنع من ذلك، وهو أنَّ مذاهب غير هؤلاء ‌لم ‌تشتهر ولم تنضبط، فربما نُسب إليهم ما لم يقولوه، أو فُهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذبّ عنها، ويُنبّهُ عَلَى ما يقع من الخلل فيها بخلاف هذه المذاهب المشهورة"([9])، وقال في موضع آخر: "فكذلك مسائلُ الأحكام وفتاوى ‌الحلالِ ‌والحرام، لو لم تضبط الناسُ فيها بأقوال أئمة معدودين؛ لأدَّى ذلك إِلَى فساد الدين، وأن يُعد كلُّ أحمق متكلف طلبت الرياسة نفسُه من زمرة المجتهدين، وأن يبتدع مقالة ينسبها إلي بعض من سلف من المتقدمين، فربما كان بتحريف يُحرِّفه عليهم، كما وقع ذلك كثيرًا من بعض الظاهريين، وربما كانت تلك المقالة زلةٌ من بعض من سلف قد اجتمع عَلَى تركها جماعةٌ من المسلمين، فلا تقتضي المصلحةُ غير ما قدَّره الله وقضاه من جمع الناس عَلَى مذاهب هؤلاء الأئمة المشهورين رضي الله عنهم أجمعين"([10]).

لذلك ذهب ابن نجيم في [الأشباه والنظائر] إلى أن ما خالف المذاهب الأربعة مخالف للإجماع فقال: "وما خالف الأئمة الأربعة ‌مخالف ‌للإجماع، وإن كان فيه خلاف لغيرهم، فقد صرح في التحرير أن الإجماع انعقد على عدم العمل بمذهب مخالف للأربعة لانضباط مذاهبهم وانتشارها وكثرة أتباعهم"([11]).

كما علل المرداوي في [التحبير] هذا الإجماع بقوله: "فإن ‌مدار ‌الإسلام واعتماد أهله قد بقي على هؤلاء الأئمة وأتباعهم، وقد ضبطت مذاهبهم وأقوالهم وأفعالهم، وحررت ونقلت من غير شك في ذلك، بخلاف مذهب غيرهم، وإن كان من الأئمة المعتمد عليهم، لكن لم تضبط الضبط الكامل، وإن كان صح بعضها فهو يسير، فلا يكتفي به وذلك لعدم الاتباع، و-أيضا- فإن أقوالهم إما أن تكون موافقة لقول أحد من هؤلاء الأئمة وأتباعهم، أو خارجة عن ذلك، فإن كانت موافقة فقد حصل المقصود، ويحصل بها التقوية، وإن كانت غير موافقة كانت في الغالب شاذة لا يعول عليها"([12]).

فشاء الله تعالى للمذاهب الفقهية الأربعة أن تنتشر وتحظى بهذه الثقة عن العلماء، وتتلقاها الأمة بالقبول، باعتبارها امتداداً علمياً وفقهياً مباشراً لعلم الصحابة والتابعين، حيث صاغ أئمتها فقههم بناءً على فهم صحيح للكتاب، والسنة، وآثار الصحابة، ونقلوها مهذبة ومفصلة، معتمدين أصولا وقواعد صحيحة واضحة، ويشهد لهم سندهم المتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أخذ أبو حنيفة عن حماد بن سليمان، وهو عن إبراهيم النخعي، وهو عن علقمة النخعي، عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه تلميذ النبي صلى الله عليه وسلم، وتتلمذ مالك على نافع مولى ابن عمر، وهو عن ابن عمر رضي الله عنهما، وهو عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما أخذ الشافعي عن مالك، وأخذ عن محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة، وفي مكة أخذ عن سفيان بن عيينة، وهو عن ابن جريج، وهو عن ابن عباس رضي الله عنه حبر الأمة وترجمان القرآن، وهو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتلمذ ابن حنبل على الشافعي رحمهم الله جميعا وجزاهم عنا كل خير.

أهمية الإسناد لنقل علوم السلف:

 يقول مُحَمَّد بن حاتم بن المظفر: "إن الله أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها ‌بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها، قديمهم وحديثهم، إسناد"([13]).

والإسناد مأخوذ من السند، وهو: مَا ارتَفَعَ مِنَ الأَرض فِي قُبُل الْجَبَلِ أَو الْوَادِي، والسند المعتمد([14])، قال الزركشي: "الإسناد مأخوذ من السند، وَهُوَ ما ارتفع وعلا من سفح الجبل؛ لأن المسند يرفعه إلى قائله، ويجوز أن يَكُوْن مأخوذًا من قولهم: فُلان سندٌ أي: معتمدٌ، فسُمِّيَ الإخبار عن طريق الْمَتْن سندًا لاعتماد النقاد في الصحة والضعف علَيْهِ"([15]).

ويعرف الإسناد اصطلاحا:" رفع الحَدِيث إِلَى قَائِله"([16])، وإذا كان الإسناد في عصر الرواية هو سلسلة الرجال الموصلة إلى المتن، فإن الإسناد بالنسبة لفهم السلف هو: إسناد أقوالهم إلى مصادرها، ونقلها بالسند المتصل إليهم، فهو الركيزة الأساسية لتوثيق الدين، وحفظه من التحريف، وضمان نقل أقوال الأئمة بسلسلة متصلة، تمكّن من الحكم على صحة نسبة الكلام لقائله، إذ بدونه يمكن لكل شخص قول ما يشاء، يقول عبدالله ابن المبارك: "الإسناد من الدين، ‌لولا ‌الإسناد ‌لقال من شاء ما شاء"([17])، فلا يؤخذ العلم إلا ممن أخذ عن العلماء المعتبرين، الذين أخذوا عن مشايخهم بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالإسناد شهادات من العلماء لتلاميذهم الذين أخذوا عنهم العلم الصحيح، والفهم السليم، وإجازات ينقلون بموجبها ذلك العلم لمن بعدهم غضا طريا، وحفظا للعلم من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ولهذا يقول محمَّد بن سيرين: "إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ"([18]).

منهج دائرة الإفتاء العام منهج السلف:

يعتمد منهج دائرة الإفتاء العام الأردنية على تقديم فتاوى وسطية وموضوعية تلتزم بمذهب الإمام الشافعي كأصل، مع الانفتاح على المذاهب الفقهية الأربعة المعتبرة، وذلك لنشر رسالتها رسالة الإسلام، كما وصلتنا عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، رسالتها القائمة على تبليغ رسالة الله تعالى ببيان الأحكام الشرعية، وترسيخ مفهوم المرجعية الفقهية الإسلامية القائمة على الوسطية والاعتدال، والمستندة على المذاهب الفقهية المعتبرة، والدعوة إلى العمل بها.

وقد بينت الدائرة منهجها بوضوح حيث جاء فيه: "مسائل الفقه الإسلامي مسائل كثيرة ومتنوعة، ومتعلقة بجميع ميادين الحياة وممارسات البشر، وقد ترك لنا علماء الإسلام ثروة هائلة من الأحكام والتشريعات التي تنير حياة الناس بأنوار الحكمة الربانية، وتبني اختياراتها الفقهية والتشريعية على أساس متين من مصادر التشريع المعتبرة، التي هي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والمصالح المرسلة.

وقد استقر هذا التراث الفقهي في أربعة من المذاهب الفقهية المعتبرة: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، ووقع الإجماع على اعتمادها واعتبارها طرائق موصلة إلى تحقيق رضوان الله عز وجل، وإلى حفظ مصالح البلاد والعباد.

ولما كانت دائرة الإفتاء العام حلقة من حلقات المسيرة العلمية للحركة الفقهية العامة، اختارت أن تعتمد واحداً من المذاهب الفقهية الأربعة منطلقاً وأساساً للاختيارات الفقهية المفتى بها، كي يتحقق من خلال هذا الاعتماد ما حققته الحركة الفقهية عبر التاريخ الإسلامي كله من فوائد ومصالح عظيمة، من أهمها:

1. السلامة بين يدي الله عز وجل في موقف الحساب العظيم، فلا نبدل ولا نغير في دين الله ما لم يأذن به سبحانه.

2. تحقيق الوسطية التي هي من قواعد الشريعة الإسلامية، والتي كانت واحدة من ميزات الثروة الفقهية الهائلة.

3. السلامة من الأقوال المضطربة والآراء الشاذة التي تسبب الخلل في الحياة الفكرية والعملية.

4. تحقيق انضباط الفتوى وتقليل الخلاف -غير النافع- ما أمكن.

5. مساعدة المفتين على معرفة الأحكام الشرعية بأسهل طريق؛ فالعمر كله يضيق عن المفتي إذا ما أراد أن يجتهد في جميع ما يعرض عليه من مسائل اجتهاداً كاملاً، فكان الأخذ عن الفقهاء السابقين هو الحل الذي لا غنى عنه.

وقد وقع اختيار دائرة الإفتاء العام على مذهب الإمام الشافعي أساساً ومنطلقاً للفتوى في بلادنا المباركة، وذلك لسببين اثنين:

أولاً: أنه المذهب الأكثر انتشاراً في بلادنا عبر التاريخ، ومراعاة الغالب مقصد شرعي.

ثانياً: أنه مذهب وسطي جمع بين أصول مدرستي الحديث والرأي، وخرج باجتهادات فقهية كانت وما زالت سبباً في تحقيق مصالح الأمة وجمع كلمتها، وهذا السبب -وإن كان متحققاً في المذاهب الفقهية الأخرى- إلا أن مذهب الإمام الشافعي حاز قصب السبق فيه.

والتزام دائرة الإفتاء بالفتوى على مذهب الإمام الشافعي لا يعني التقليد التام لاجتهادات فقهاء المذهب، بل للدائرة رؤية متقدمة في طريقة الاستفادة من جميع مفردات المذاهب الفقهية ضمن المعطيات الآتية:

1. إذا تعلقت المسألة بنازلة جديدة من نوازل العصر غير منصوص عليها في اجتهادات الفقهاء، أو كانت من المسائل العامة التي تتعلق بالمجتمع كله أو الأمة كلها، سواء في مسائل المعاملات المالية أو النوازل الطبية أو غيرها: فلا بد للدائرة حينئذ من إعداد أبحاث خاصة لدراسة المسألة في ضوء الأدلة الشرعية والقواعد الفقهية والموازنة بين المصالح والمفاسد، تخلص من خلالها إلى حكم شرعي يعرض على (مجلس الإفتاء) للبحث والتداول، ثم الوصول إلى قرار خاص بشأن تلك المسألة.

2. إذا كان اجتهاد المذهب الشافعي في مسألة معينة لا يناسب تغير الزمان والمكان والظروف المحيطة بسؤال المستفتي، كأن يؤدي إلى حرج شديد، أو مشقة بالغة، أو اختلفت العلة التي من أجلها نص فقهاء الشافعية على ذلك الاجتهاد، أو استجد من المعلومات والحقائق العلمية ما يدعو إلى إعادة البحث في الاختيار الفقهي: ففي جميع هذه الحالات تقوم دائرة الإفتاء بإعادة دراسة المسألة في ضوء القواعد الفقهية والمقاصد الشرعية، وتستفيد من اجتهادات جميع المذاهب الإسلامية للوصول إلى الحكم الشرعي الأقرب إلى مقاصد الشريعة.

3. وأما في قضايا الأحوال الشخصية، كالنكاح والطلاق والحضانة والميراث، فإن الدائرة تعتمد في الفتوى (قانون الأحوال الشخصية الأردني) ولا تخرج عنه، وذلك حتى لا يحدث تضارب بين الإفتاء والقضاء الشرعي في المملكة، والقانون مستمد من اجتهادات وأقوال فقهاء المسلمين، تم اختيارها وفق أسس وضوابط شرعية، من قبل لجان مختصة.

وهكذا يتعامل أصحاب الفضيلة المفتون مع المسائل الواردة إليهم من الجمهور عبر وسائل الاتصال المتنوعة، ضمن سلسلة متدرجة وآلية متقنة، تبدأ بتحديد نوع المسألة الواردة من الأنواع السابقة، وتنتهي بوصول الجواب إلى السائل في أسرع وقت ممكن، وإن وقع التأخير فإنما يقع بسبب الدراسة المفصلة التي تقوم بها الدائرة لعشرات المسائل يومياً، وإذا علم المفتي أنه مسؤول بين يدي الله عز وجل عن كل كلمة يكتبها فإنه -ولا شك- سيؤثر التأني والتمهل على العجلة والترجُّل. والله الموفق([19]).

فالتزام دائرة الإفتاء العام بفتاوى السلف الصالح واتباع منهجهم بفهم نصوص الكتاب والسنة، والرجوع إلى قواعدهم وأصولهم، جعلها تحظى بثقة عالية عند كثير من المسلمين في العديد من الدول الإسلامية.

 


[1] انظر: ابن فارس: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (ت ٣٩٥هـ)، معجم مقاييس اللغة، المحقق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر، عام النشر: ١٣٩٩هـ- ١٩٧٩م، 3/95. ابن منظور: محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (ت ٧١١هـ)، لسان العرب، الحواشي: لليازجي وجماعة من اللغويين، الناشر: دار صادر – بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤١٤هـ، 9/158. الزبيدي: محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (ت ١٢٠٥هـ)، تاج العروس، المحقق: مجموعة من المحققين، الناشر: دار الهداية، 23/455.

[2] البخاري: أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة ابن بردزبه البخاري الجعفي، جماعة من العلماء، طبع: بالمطبعة الكبرى الأميرية، ببولاق مصر المحمية، عام ١٣١١هـ، بأمر السلطان عبد الحميد الثاني، ثم صَوّرها بعنايته: د. محمد زهير الناصر، وطبعها الطبعة الأولى عام ١٤٢٢هـ لدى دار طوق النجاة - بيروت، مع إثراء الهوامش بترقيم الأحاديث لمحمد فؤاد عبد الباقي، والإحالة لبعض المراجع المهمة، كتاب: الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، حديث: 2652، 3/171.

[3] التعديل: لغة: التَّقْوِيم والتسوية والتزكية، وعند المحدثين: وصف الرَّاوِي بِمَا يَقْتَضِي قبُول رِوَايَته. وتعديل القرون الثلاثة بمعنى: تزكيتهم وقبول رواياتهم وفهمهم وعلومهم التي أخذوها عن بعضهم البعض.

[4] ابن حجر: المؤلف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، فتح الباري، الناشر: دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب، 7/7.

[5] القاري: علي بن (سلطان) محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (ت ١٠١٤هـ)، مرقاة المفاتيح، الناشر: دار الفكر، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٢٢هـ - ٢٠٠٢م، حديث: 6010، 9/ 3878. إشارة إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ‌ثُمَّ ‌يَفْشُو ‌الكَذِبُ حَتَّى يَشْهَدَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ، وَيَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ) رواه الترمذي: محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (ت ٢٧٩هـ)، سنن الترمذي، تحقيق وتعليق:

أحمد محمد شاكر (جـ ١، ٢)، ومحمد فؤاد عبد الباقي (جـ ٣)، وإبراهيم عطوة عوض المدرس في الأزهر الشريف (جـ ٤، ٥)، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر، الطبعة الثانية، ١٣٩٥ه- ١٩٧٥م، حديث: 2303، 4/549.

[6] الشنقيطي: عبد الله بن إبراهيم العلوي الشنقيطي، نشر البنود على مراقي السعود، تقديم: الداي ولد سيدي بابا - أحمد رمزي، الناشر: مطبعة فضالة بالمغرب، 2/352.

[7] النفراوي: أحمد بن غانم (أو غنيم) بن سالم ابن مهنا، شهاب الدين النفراوي الأزهري المالكي (ت١١٢٦هـ)، الفواكه والدواني، الناشر: دار الفكر، الطبعة: بدون طبعة، تاريخ النشر: ١٤١٥هـ- ١٩٩٥م، 2/356.

[8] الزركشي: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (ت ٧٩٤هـ)، البحر المحيط، الناشر: دار الكتبي، الطبعة الأولى، ١٤١٤هـ- ١٩٩٤م، 8/242.

[9] ابن رجب: زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٣٦- ٧٩٥هـ)، الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة، دراسة وتحقيق: أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني، الناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، ١٤٢٤هـ - ٢٠٠٣م، 2/626.

[10] ابن رجب: الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة، 2/ 625.

[11] ابن نجيم: زين الدين بن إبراهيم بن محمد، الشهير بابن نجيم (ت ٩٧٠ هـ)، الأشباه والنظائر، وضع حواشيه وخرج أحاديثه: الشيخ زكريا عميرات، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، ١٤١٩هـ- ١٩٩٩م، ص 92.

[12] المرداوي: علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي (ت ٨٨٥هـ)، التحبير شرح التحرير في أصول الفقه، دراسة وتحقيق: د. عبد الرحمن الجبرين، د. عوض القرني، د. أحمد السراح، أصل التحقيق: ٣ رسائل دكتوراة- قسم أصول الفقه في كلية الشريعة بالرياض، الناشر: مكتبة الرشد - السعودية، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢١هـ- ٢٠٠٠م، 1/128.

[13] الخطيب البغدادي: بو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ)، شرف أصحاب الحديث، المحقق: د. محمد سعيد خطي اوغلي، الناشر: دار إحياء السنة النبوية – أنقرة، ص 40.

[14] انظر: ابن منظور: محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (ت ٧١١هـ)، لسان العرب، الحواشي: لليازجي وجماعة من اللغويين، الناشر: دار صادر – بيروت، الطبعة الثالثة- ١٤١٤هـ، 3/221.

[15] الزركشي: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي الشافعي (ت ٧٩٤هـ)، النكت على مقدمة ابن الصلاح، المحقق: د. زين العابدين بن محمد بلا فريج، الناشر: أضواء السلف – الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٩ه- ١٩٩٨م، 1/405.

[16] السيوطي: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)، تدريب الراوي، حققه: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي، الناشر: دار طيبة، 1/27.

[17] الترمذي: محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (ت ٢٧٩هـ)، سنن الترمذي، المحقق: بشار عواد معروف، الناشر: دار الغرب الإسلامي – بيروت، سنة النشر: ١٩٩٨ م، حديث: 4053، 6/235.

[18] مسلم: أبو الحسين، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (٢٠٦ - ٢٦١ هـ)، المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء الكتب العربية: فيصل عيسى البابي الحلبي - القاهرة (وصَوّرتْها: دار إحياء التراث العربي - بيروت)، مقدمة الإمام مسلم رحمه الله تعالى، بَابُ في أَنَّ الْإِسْنَادَ مِنَ الدِّينِ، 1/14.

[19] https://aliftaa.jo/content/47/%D9%85%D9%86%D9%87%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%AA%D9%88%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%AA%D9%85%D8%AF

رقم المقال [ السابق ]

اقرأ للكاتب




التعليقات



تنبيه: هذه النافذة غير مخصصة للأسئلة الشرعية، وإنما للتعليق على الموضوع المنشور لتكون محل استفادة واهتمام إدارة الموقع إن شاء الله، وليست للنشر. وأما الأسئلة الشرعية فيسرنا استقبالها في قسم " أرسل سؤالك "، ولذلك نرجو المعذرة من الإخوة الزوار إذا لم يُجَب على أي سؤال شرعي يدخل من نافذة " التعليقات " وذلك لغرض تنظيم العمل. وشكرا


Captcha