مقالات

توظيف الذكاء الاصطناعي في الفتوى

الكاتب : الباحث عبد الرحمن الشريف

أضيف بتاريخ : 20-04-2026


توظيف الذكاء الاصطناعي في الفتوى

تُعدُّ الفتوى من أدقِّ الوظائف الشرعية وأخطرها أثرًا، إذ تتصل اتصالًا مباشرًا ببيان حكم الله تعالى للناس في وقائعهم المتجددة.

ومع تسارع التطور التقني، وظهور الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة قادرة على تحليل النصوص والوصول إلى المعلومات، برزت تساؤلات جوهرية حول أثر هذه التقنية على وظيفة المفتي، وحدود الاستفادة منها في صناعة الفتوى، دون الإخلال بأصولها الشرعية ومنهجها الاجتهادي.

وتزداد أهمية هذا الموضوع في سياق تخصص المفتي؛ لكونه المعنيّ مباشرة بضبط العلاقة بين النص والواقع، والوسيلة التقنية المستجدة.

أولًا: الذكاء الاصطناعي وأهميته في البحث العلمي/ الفقهي:

الذكاء الاصطناعي هو منظومة تقنية تعتمد على معالجة البيانات واستخلاص الأنماط، وتمكّن البرمجيات من أداء مهام معرفية محددة.

وتوصف هذه التقنيات والبرمجيات بأنها أداة مساندة تعين الباحث على الإحاطة الواسعة بالمادة العلمية وتنظيمها، فقد أصبحت هذه التقنيات قادرة على معالجة كمٍّ هائل من النصوص في زمن وجيز، مع إمكان الفهرسة الدقيقة، والمقارنة بين النصوص والأقوال، وتتبع الأدلة في مظانّها، وربط المسائل بأشباهها ونظائرها في مختلف المذاهب والمدارس الفقهية.

 كما تسهم في تسهيل استحضار القواعد والأصول ذات الصلة بالمسألة محل البحث، وتحليل الاتجاهات الفقهية عبر العصور، مما يمنح الباحث رؤية أوسع ومنهجية أكثر انتظامًا[1].

ثانيًا: خصوصية الفتوى[2]:

تتميّز الفتوى عن غيرها من الأنشطة العلمية بكونها تنزيلًا للحكم الشرعي على واقع معيّن، ويجب مراعاة الاختلاف في الأحوال والأشخاص والبيئات، ومراعاة المآلات والمصالح والمفاسد.

ولهذا اشترط العلماء في المفتي شروطًا عدة[3]، منها:

1. التكليف والاسلام.

2. الورع والتنزه عن أسباب الفسق وخوارم المروءة.

3. فقه النصوص وأدلتها.

4. سلامة العقل.

5. فقه الواقع والعرف.

6. فقه المقاصد والترجيح.

7. القدرة على تحمّل تبعات القول الشرعي.

وهذه الخصائص تجعل الفتوى عملًا إنسانيًا اجتهاديًا لا يمكن اختزاله في إجابة آلية، وتخرج أي آلة أو برمجة من دائرة الفتوى، وهذا لا يعني عدم استفادة المفتي من الذكاء الاصطناعي.

ثالثًا: بعض مجالات استفادة المفتي من الذكاء الاصطناعي[4]:

يمكن للمفتي توظيف الذكاء الاصطناعي في مجالات تخدم عمله دون أن تمس جوهر الفتوى، ومن ذلك:

1. جمع الأقوال الفقهية وتتبع مذاهب العلماء بسرعة.

2. فهرسة الأدلة الشرعية وربطها بالمسائل.

3. الإعانة في تحرير محل النزاع في القضايا المتكررة.

4. أرشفة الفتاوى السابقة وتحليل الاتجاهات العامة.

5. دعم العمل المؤسسي في دور الإفتاء والمجامع الفقهية.

أو أي وسيلة من الوسائل المعينة على الاجتهاد، لا الاجتهاد نفسه.

رابعًا: مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي في الإفتاء[5]:

من أخطر ما يواجه المستفتي في استخدام الذكاء الاصطناعي:

1. الاعتماد على إجابات آلية دون تحقق علمي.

2. غياب التحقق من أهلية المفتي.

3. سوء الفهم نتيجة الاختصار والاجتزاء.

4. إغفال حال السائل وخصوصية الفتوى.

5. الخلط بين الفتوى والتعليم والإرشاد العام.

6. استغلال الذكاء الاصطناعي في نشر الفتاوى والأفكار المتطرفة.

وهذا يحمّل المفتي مسؤولية مضاعفة في تصحيح وعي الناس، وبيان الفرق بين الفتوى الشرعية والإجابة التقنية؛ ما يؤدي إلى ضياع الوقت وبذل الجهد في غير الفتوى.

خامسًا: الحكم الشرعي من زاوية اختصاص المفتي:

من حيث التأصيل:

- الذكاء الاصطناعي ليس مفتيًا شرعيًّا، ولا تُنسب إليه الفتوى.

- استخدامه محمود إذا خضع لإشراف المفتي.

- تبقى المسؤولية الشرعية كاملة على المفتي، لا على الأداة.

وعليه، فإن المفتي لا يجوز له أن يُفوّض عملية الإفتاء للآلة، أو أن ينقل حكمًا دون فهم سياقه وأثره.

سادسًا: ضوابط مهنية للمفتي في التعامل مع الذكاء الاصطناعي[6]

ينبغي على المفتي مراعاة ضوابط، من أهمها:

1. أن يكون الذكاء الاصطناعي خادمًا للاجتهاد لا صانعًا له.

2. مراجعة المخرجات مراجعة علمية ناقدة.

3. الالتزام بالمنهج الفقهي المعتمد في جهة الإفتاء التي يتبع لها.

4. عدم استخدامه في النوازل الكبرى إلا لفهم الحالة.

5. التصريح للمستفتي بأن الفتوى صادرة عن اجتهاد بشري، وأن الذكاء الاصطناعي ما هو إلا وسيلة.

وفي الختام؛ فإن دور الذكاء الاصطناعي يظل في إطار الوسيلة المعينة، لا البديل عن أهلية الاجتهاد؛ إذ تبقى عملية الفهم العميق للنصوص، وتحقيق المناط، وتنزيل الأحكام على الوقائع، ومراعاة المقاصد الشرعية والاعتبارات الواقعية، من المهام التي لا ينهض بها إلا الفقيه المؤهل الجامع بين رسوخ العلم ودقة النظر في الواقع.

وينحصر دور برمجيات وأدوات الذكاء الاصطناعي في أنه يمثل أداة معاصرة يمكن أن تسهم في تطوير عمل المفتي وتنظيم جهوده، لكنه لا يمكن أن يحلّ محل الفقيه أو المفتي، ولا أن يقوم مقام المجتهد، وتكمن خطورته أو نفعه في كيفية توظيفه لا في ذاته.

هذا، ومن زاوية المفتي؛ فإن المفتي المعاصر مطالب بأن يجمع بين التمكن الشرعي والوعي التقني، حفاظًا على أصالة الفتوى، وضمانًا لسلامة تنزيل الأحكام على واقع متغير؛ لأن الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى الفهم المقاصدي والإدراك القيمي، ويعمل ضمن ما يُغذّى به من بيانات، دون تمييز بين الراجح والمرجوح. وبهذا الافتقار؛ فإنه ليس أهلًا للاجتهاد أو الفتوى.

ومن هنا، فإن التعامل الفقهي معه ينبغي أن يكون تعاملًا وظيفيًا ناقدًا مساعدًا، فيجب ألا يتم رفضه مطلقًا، ولا توظيفه بالكليَّة.

 


[1]- الدكتور ياسر أحمد أحمد الفقي، أثر استخدام الذكاء الاصطناعي في تنمية العقل الفقهي ‏المعاصر 
https://mkwn.journals.ekb.eg/article_433907.html

[2]  انظر: محمد تقي العثماني، أصول الإفتاء وآدابه، ص8 وما بعدها.

[3] انظر: كتاب آداب الفتوى والمفتي والمستفتي للإمام النووي.

[4] انظر: حنان محمد بن حسين جستنية، المنظور الشرعي لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في استنباط الأحكام والفتاوى الشرعية، (2025)، والدكتورة مريم أحمد علي الكندري، حكم استخدام برنامج (ChatGPT) الذكاء الاصطناعي في الفتوى، مجلة العلوم الشرعية، 2025.

 [5] انظر: أسامـة عبد العليم الشيـخ، ترشيد الفتوى في ضوء التحديات الرقمية.

[6]  الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، ميثاق الإفتاء في ظل التحول الرقمي.

رقم المقال [ السابق ]




التعليقات



تنبيه: هذه النافذة غير مخصصة للأسئلة الشرعية، وإنما للتعليق على الموضوع المنشور لتكون محل استفادة واهتمام إدارة الموقع إن شاء الله، وليست للنشر. وأما الأسئلة الشرعية فيسرنا استقبالها في قسم " أرسل سؤالك "، ولذلك نرجو المعذرة من الإخوة الزوار إذا لم يُجَب على أي سؤال شرعي يدخل من نافذة " التعليقات " وذلك لغرض تنظيم العمل. وشكرا


Captcha