آداب الفُتْيَا في القرآن الكريم- دراسة تأصيليّة(*)
أ.د. عبد الرزاق أحمد أسعد رجب/ أستاذ في التفسير وعلوم القرآن- جامعة اليرموك
ملخص البحث
يناقش البحث آداب الفُتْيَا في القرآن الكريم في الآيات التي ذكرت اشتقاقات لفظة الفُتْيَا، من حيث التعريف بها، والتفريق بينها وبين السؤال، والقضاء، ثم بيان مشروعيتها من خلال القرآن الكريم، ومنزلتها، وأركانها، ثم التأصيل لآدابها من خلال الآيات القرآنية التي ذكرت اشتقاقاتها. وذلك باستخدام المنهجين الاستقرائي والاستنباطي.
وتوصل البحث إلى أن القرآن الكريم قد أشار إلى أصول الآداب وعُمدتها التي ينبغي للمفتي والمستفتي التحلي بها، ويوُصي البحث بالجمع بين التأهيل الأكاديمي للمفتي، وبين الإرشاد إلى أخلاقيات عمله بالفُتْيَا، مع قيام المؤسسات العلمية والوعظية بواجبها في تبصير النّاس بأخلاق القرآن في التعامل مع الفُتْيَا طلباً وعملاً.
الكلمات المفتاحية: الفُتْيَا، آداب، القرآن الكريم.
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فالقرآن منهل العارفين، ومنبع الطالبين، زكت ثماره، وكثرت طيباته، وَصَفُه الله تعالى بالتبيان والتفصيل، فقال: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) [النحل:89]، وقال: (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ) [يوسف:111]، فأرسى فيه أصول الهداية، وبيّن فيه مقاصد الشرع، ودعائم الحق، وأجاب الله تعالى عمّا سأل عباده، وأفتاهم عمّا أشكل، وغمض عليهم.
وبلّغ النبيُّ صلى الله عليه وسلم هَدْي ربّه، وأفتى الناس لما وقع لهم، قال الله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل:44]. واستمرت حاجة الناس للفُتْيَا بعده عليه الصلاة والسلام؛ لتجدد أحوالهم، ولما يستجد من ظروف حياتهم، فقام بها -أي الفُتْيَا- ورثة الأنبياء من العلماء من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، فكانوا قِبْلَة الناس في مشكلاتهم، ومرجعهم فيما يعرض لهم من نوازل. ثم ولج في الفُتْيَا من أحدث في ساحتها اضطراباً، فوجد من تأهل لها، ولكنه لم يُحسن أداءها؛ لافتقاره لآدابها وأخلاقها، وظهر من هجم عليها، وهو غير مؤهل لها، إمّا في شروطها وضوابطها، أو في آدابها، أو في الأمريْن معاً.
وقد كثرُ الحديث في الآونة الأخيرة عمّا يسمّى بـ(أخلاقيات العمل، أو أخلاقيات المهنة)، فإذا كان الأمر كذلك فإنّ العمل بالفُتْيَا يتصدر هذه الأمور؛ كونه متعلقاً ببيان ما يُشكل من أحكام شرعية لا يتأتى بمقدور الكلّ استنباطها، فكان لزاماً اتباع ركني الفُتْيَا سُلوكَ أخلاق وآداب كي تحقق الفُتْيَا وظيفتها.
وأكثر حديث الأصوليين والفقهاء عن آداب الفُتْيَا، إنّما كان من جهة التجربة والممارسة، ولكن كان من الضروري الوقوف على تأصيل القرآن الكريم نفسه من خلال آياته لأخلاقيات الفُتْيَا وآدابها، والتقعيد، والتأسيس لها، وهذا ما تناقشه هذه الدراسة في الآيات التي ذكرت اشتقاقات لفظة الفُتْيَا صَرَاحةً.
أهمية الدراسة:
تظهر أهمية الدراسة من خلال ما يأتي:
1- الاضطراب الحاصل في أمر الفُتْيَا يستدعي الاستفادة من التربية القرآنية العملية في شؤون الفُتْيَا في موضوع آدابها في عملية التهذيب للمفتي والمستفتي على السواء.
2- هذا الموضوع مرتبط ارتباطاً وثيقاً بما صار يعرف الآن باسم أخلاقيات العمل، أو بـ(أخلاقيات المهنة)، وهذا وإن كان مرتبطاً بصورة ظاهرة بالمفتي، إلا أنّ المستفتي لا ينفكّ عن هذا للعلاقة التكاملية بين الطرفين.
3- تقديم الآداب العملية التي تؤكد السّمة الحضاريّة التي تميّز بها الإسلام في العلاقة بين المفْتِي والمسْتَفْتِي، على شاكلة العلاقة بين العالم والمتعلم من خلال إشارات القرآن الكريم وتأصيلاته.
مشكلة الدراسة:
تحاول الدراسة الإجابة عن السؤال الرئيس الآتي: ما آداب الفُتْيَا التي يُمكن تأصيلها قرآنياً في الآيات التي ذكرت اشتقاقات لفظة الفُتْيَا؟ ويتفرع عن هذا السؤال الأسئلة الفرعيّة الآتية:
1-ما أصل دلالة لفظة الفُتْيَا في اشتقاقاتها؟
2-ما الآيات التي ذكرت اشتقاقات لفظة الفُتْيَا؟
3-ما الفرق بين الفُتْيَا والسؤال، والفُتْيَا والقضاء؟
4-ما مشروعية الفُتْيَا في القرآن الكريم، وما منزلتها؟
5-ما آداب المُفْتِي في ضوء الآيات التي ذكرت اشتقاقات لفظة الفُتْيَا؟
6-ما آداب المُسْتَفْتِي في ضوء الآيات التي ذكرت اشتقاقات لفظة الفُتْيَا؟
أهداف الدراسة: تهدف الدراسة إلى ما يأتي:
1- التعريف بالفُتْيَا لغة واصطلاحاً.
2- ذكْرُ الآيات الكريمة التي وردت فيها اشتقاقات لفظة الفُتْيَا في القرآن الكريم.
3- التفريق بين الفُتْيَا والسؤال، والفُتْيَا والقضاء.
4- بيان مشروعية الفُتْيَا في القرآن الكريم وأهميتها.
5- استنباط آداب الفُتْيَا في ركنيها الرئيسين: المُفْتِي والمُسْتَفْتِي من الآيات القرآنية الكريمة التي ذكرت اشتقاقات لفظة الفُتْيَا.
الدراسات السابقة:
لم أجدْ دراسة متخصصة تقوم بالتأصيل لآداب المفتي والمستفتي قرآنياً في الآيات التي ذكرت اشتقاقات لفظة الفُتْيَا في القرآن الكريم على وجه الاستقلال. ولكنّ الباحث وقف على عدد من الدراسات السابقة ذات العلاقة بموضوع الدراسة:
أولاً: الدراسات التي عنَى العلماء – كابن الصلاح وابن حمدان والنووي وابن القيم وغيرهم- فيها بالحديث عن آداب الفُتْيَا، وكان اللاحق منهم عيالاً على السابق([1]). وتبحث هذه التّصانيف في بيان الآداب المرتبطة بالتطبيقات العمليّة للفُتْيَا بصورة وصفية؛ ولهذا جاء الحديث عنها مقترناً بالأحكام والشروط والضوابط، دون أن تستقلّ بالآداب وحدها.
ثانياً: دراسة الأسلوب القرآني وأثره في ضبط الفتوى، للباحث محمد أحمد حسين. وقد اشتملت الدراسة على مبحثين: الأول بعنوان: معنى الأسلوب القرآني والفتوى، حيث عرّف الباحث الأسلوب والفتوى والواقع والأثر لغة واصطلاحاً، ثم فرّق بين فتوى الواقع، وواقعية الفتوى. وأما المبحث الثاني فكان بعنوان: أسلوب القرآن وضوابط العمل بالفتوى، حيث ذكر فيه سبعة من ضوابط الأسلوب القرآني التي يجب على المفتي العناية بها ومنها: التناسب والتماسك بين الآيات والسور، والإشارة في الأسلوب القرآني، ودراسة السياق([2]).
الإضافة العلمية في هذه الدراسة:
تتفق هذه الدراسة مع هذه الدراسات كونها تتعلق بآداب الفُتْيَا بركنيها الرئيسين: المُفْتي والمُسْتَفْتي. وتظهر الإضافة العلمية فيها في أمريْن:
1-بحثت الدراسات السابقة آداب الفُتْيَا أصوليّاً وفقهيّاً، أو من خلال التمثيل عليها من الآيات القرآنية المتعلقة بالأحكام الشرعية على وجه الخصوص. وأمّا هذه الدراسة فإنّه تبين آداب الفُتْيا من خلال التأصيل القرآني في السياقات القرآنية التي ذكرت اشتقاقات لفظة الفُتْيَا.
2-تبحث هذه الدراسة بشكل مستقل آداب الفُتْيا في الآيات التي ذكرت اشتقاقات لفظة الفُتْيَا، وحملت دلالات عليها، دون التطرق للمجالات الأخرى القريبة منها كالأحكام والضوابط وغيرها.
منهجية الدراسة:
استخدم الباحث المنهجين الاستقرائي والاستنباطي، وذلك باستقراء جميع المواضع التي وردت فيها اشتقاقات لفظة الفُتْيَا في القرآن الكريم، ثم تحليلها ودراستها من أمّهات كتب التفسير وغيرها؛ للتأصيل واستنباط آداب المُفْتِي والمُسْتَفْتِي.
وأما الأحاديث النبوية الشريفة فيتم بيان درجتها إذا كانت في غير الصّحيحيْن من خلال الأخذ بحكم علماء الحديث، وأئمة الجرح والتعديل المتقدمين.
حدود الدراسة:
تتحدد الدراسة في الآتي:
1-التأصيل قرآنياً لآداب الفُتْيَا في الآيات القرآنية الكريمة التي ذكرت اشتقاقات لفظة الفُتْيَا.
2-آداب الفُتْيَا المتعلقة بالمفتي والمستفتي من خلال السياقات القرآنية التي ذكرت اشتقاقات لفظة الفُتْيَا.
خطة الدراسة:
تكونت الدراسة من مقدمة وأربعة مباحث، وخاتمة.
أما المقدمة فقد اشتملت على أهمية الدراسة ومشكلتها وأسئلتها، وأهدافها، ومنهج الدراسة فيها والدراسات السابقة. وأمّا المباحث الأربع فهي:
المبحث الأول: التعريف بالفُتْيَا لغة واصطلاحاً، والمبحث الثاني: الفرق بين الفُتْيَا والسؤال، والفُتْيَا والقضاء، والمبحث الثالث: مشروعية الفُتْيَا في القرآن الكريم ومنزلتها وأركانها، والمبحث الرابع: آداب المُفْتي والمُسْتَفتي في الآيات التي ذكرت اشتقاقات لفظة الفُتْيَا. ثم خاتمة فيها رصد لأهم النتائج التي توصل إليها البحث، والتوصيات التي يوصي بها.
ويرجو الباحثُ من الله تعالى قبول هذا العمل، وأن يكون ما كتب فيه التق والسداد، وأن ينفع به، إنّه ولي ذلك، والقادر عليه.
المبحث الأول
التعريف بالفُتْيَا لغة واصطلاحاً
يأتي جذر (ف ت ي) في أكثر من معنى:
1- الإبانة والتوضيح للخفي الدقيق، قال صاحب القاموس: "أَفْتاهُ في الأمر: أبَانَه له"([3])، وفي اللسان: "الفُتْيَا تبيين المشكل من الأَحكام أَصله من الفَتَى وهو الشاب الحدث الذي شَبَّ وقَوِي فكأَنه يُقَوّي ما أَشكل ببيانه فيَشِبُّ ويصير فَتِيّاً قوّياً، وأَصله من الفتى وهو الحديث السنّ([4])، وفي المفردات للراغب الأصفهاني: "الفُتْيَا والفَتْوَى: الجواب عمّا يُشكل من الأحكام"([5]).
2- تعبير الرؤيا، فيقال: "أفْتيتُ فلاناً في رؤيا رآها إذا عَبرتها له"([6]).
3- التحاكم، يقال:" تفاتى القوم إذا تحاكموا"([7])، وفَاتَى فلاناً "أخطره بالحضور أمام القاضي"([8]).
ومصدر الجذر (ف ت ي) هو "الفَتْوى والفُتْيَا: وهو ما أَفْتَى به الفَقيه، وقد حُكِيَت الفُتْوى وهي قليلة"([9])، "والفُتْيَا أكثر استعمالاً في المصادر العربيّة من الَفْتوى، وعلى الرغم من أن الكلمتين قد جاءتا في المعْجَمات إلا أن الأولى أفصحُ من الأخرى"([10])، "وأهل المدينة هم الذين يقولون الفَتْوى"([11]).
وبتعدد الأوجه التي يستخدم فيها جذر (ف ت ي) تكون الفُتْيَا لفظاً مشتركاً، لكنّه يميزها ما يميز أخواتها من ألفاظ العربية اللاتي على شاكلتها من الرابط والناظم الذي يربط بين معانيها، وهو هنا في الفُتْيَا يتمحور حول البيان للغامض، والتوضيح للخفي المُشْكِلِ والدقيق من الأمور.
وأما تعريف الفُتْيَا اصطلاحاً، فقد تعددت تعريفاتها بحسب الجهة التي عرفتها، إمّا من حيث تعلقها بدلالتها اللغوية وهو دورانها حول تبيين المشكل، وإمّا من حيث ارتباطها بما كان جواباً عن سؤال شرعي.
عرّفها ابن حجر فقال: "الفُتْيَا هي الجواب عن الحادثة التي تُشكل على السائل"([12])، وعرّفت قريباً من هذا بأنها حادثة مبهمة([13])، والإفتاء تبيين ذلك المُبْهَم"([14]).
وفصّل ابن عاشور في تعريفها، فقال: "هي إخبار عن أمر يخفى عن غير الخواص في غرض ما، وهي: إمَّا إخبار عن علم مختص به المُخبِر، قال تعالى: "يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ" [يوسف:46]، وقال: "يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَة" [النساء:176]، وإمَّا إخبار عن رأي يُطْلَب من ذي رأي موثوق به، ومنه قوله تعالى: "قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي" [النمل: 32]"([15]).
وعرّفت في الاصطلاح أيضًا بأنها "الإخبار بحكم الشرع لا على وجه الإلزام"([16])، وعرّفها القرافي بأنّها: "إخبار عن الله تعالى في إلزام أو إباحة"([17]).
والعلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي سواء المتعلق بالدلالة الشرعية، أو بالدلالة غير الشرعية ظاهرة في أنّ الفُتْيَا قد دلّت في أصل وضعها على الإبانة والبيان، فكانت في الاصطلاح متعلقة بما كان بيان مبهم، أو إبانة عما يُشكل من الأحكام الشرعية.
المبحث الثاني
الفرق بين الفُتْيَا والسؤال، والفُتْيَا والقضاء
المطلب الأول: الفُتْيَا والسؤال
إذا كان جذر (ف ت ي) يدور حول البيان والتوضيح للغامض والمُشكل، فإنّ جذر (س أ ل) يدور حول معنى طلب حاجة فيها أخذ ورَدّ. وهذا ظاهر من اشتقاقات الجذر في مثل: المُساءلة والتَّساؤل([18]). وجاء في تعريفه أنه "طلب الأدنى من الأعلى"([19]) ويكون ماديّاً أو معنويّاً، وعند الراغب الأصفهاني ما يدل على معنى الطلب الذي قصده الجرجاني في تعريف السؤال إذ كان في معنى السؤال: هو استدعاء معرفة، أو ما يؤدي إلى معرفة، واستدعاء مال، أو ما يؤدي إلى المال([20]).
وفي استقراء الآيات القرآنية التي ورد فيها الجذر (س أ ل)، والجذر (ف ت ي) فإنه يظهر لنا تشابهٌ بينهما في أمورٍ، وتمايزٌ بينهما في أمورٍ أخرى:
أولاً: التشابه بينهما:
1- صيغ كل من السؤال والفُتْيَا وردت في القرآن المكي أكثر منه من القرآن المدني([21]).
2- وردت صيغ السؤال والفُتْيَا عن الأحكام الشرعية وغيرها؛ إذ وقع السؤال عن الخمر والأهلة وغيرهما، وكذلك عن يوم الساعة والروح والجبال، وكذا يقال أيضاً عن الفُتْيَا؛ إذ وقعت عن أحكام النساء، ولكن وردت صيغ الفُتْيَا كذلك في الرأي والجدال والمحاجّة، وفي تأويل الرؤى([22]).
ثانياً: التمايز بينهما:
1- من حيث الكثرة، فإنّ عدد المواضع التي ورد فيها السؤال يفوق بكثير المواضع التي وردت فيها صيغ الفُتْيَا في القرآن الكريم، ولكنهما يتشابهان في أنّ صيغ السؤال والفُتْيَا وردت في القرآن المكي أكثر منه من القرآن المدني.
2- "تكون المسألة عامّة في كل شيء، والفُتْيَا خاصة في السؤال عن حادثة"([23]).
3- "الاستفتاء هو في النّهاية سؤال سائل"([24])، "ولكنه سؤال عن حكم غير موجود يراد استنباطه، وقد غمض على السائل (المستفتي) حتى أعوزه ذلك لطلب الفُتْيَا، وأما السؤال فهو ما كان عن حكم شرعي موجود"([25]).
4- "إذا أطلقت الفُتْيَا انصرف إلى الذهن الاستفهام عن الأحكام الشرعية، وإرادة معرفتها؛ إذ أصبح المفهوم علماً بالغلبة على هذا الموضوع"([26])، ولكن السؤال بخلاف ذلك فإنه إذا أطلق لم ينصرف إلى الذهن الجانب الشرعي، وإنما يقع في الذهن الاستفهام الذي هو بمعنى الطلب، سواء أتعلق هذا بطلب معرفة، أو طلب مال، أو غير ذلك مما يندرج تحت اسم الطلب.
ويمكن القول بأن ألفاظ الفُتْيَا تأتي فيما يحتاج الأمر فيه إلى إعْمال ذهن وتأمّل وتدبّر أكثر منه في السؤال؛ لكونها تتعلق بالأمور التي يدقّ إشْكالها، ويزداد غموضها فيلجأ فيها لأهل الفُتْيَا لإظهار المشكل، وكشف الغامض، وتوضيح المجمل.
المطلب الثاني: الفُتْيَا والقضاء
والمقصود بالقضاء هنا هو الحكم؛ إذ ورد بهذا المعنى في اللسان العربي، قال ابن فارس: "القضاء هو الحكم؛ ولذلك سمي القاضي قاضياً؛ لأنه يحكم الأحكام، ويُنفذها"([27]).
"والقضاء في اصطلاح الفقهاء: تسليم مثل الواجب بالسبب، والقضاء على الغير: إلزامُ أمر لم يكن لازماً قبله، والقضاء في الخصومة إظهار ما هو ثابت"([28])، فالمراد من الحكم هنا في محلّ التفريق بينه وبين الفُتْيَا إنما هو القضاء حتى لا يشتبه في إفتاء المفتي أنه قضاء القاضي، بل إنهما يتغايران في الأعمّ الأغلب([29]).
والحكمُ كذلك قضاءٌ، قال الراغب الأصفهاني: "والحُكْم بالشيء: أن تقضي بأنّه كذا، أو ليس بكذا، سواء ألزمت ذلك غيره أو لم تلزمه"([30])، "والقضاء يتضمن الدلالة على أصل المعنى الذي يدل عليه الحكم لغة وهو المنع؛ إذ القضاء منع الباطل"([31]).
ومن نماذج القضاء في القرآن الكريم -التي فيها معنى الحكم- قصة داود وسليمان عليهما السلام في قوله عزّ وجلّ: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء:78-79] "حيث اجتهدا في القضاء بين من وقع بينهم التنازع بسبب فعل الغنم؛ لتحقيق العدل في القضية"([32])، ووقع القضاء من داود عليه السلام كذلك في شأن الخصومة والتنازع بين الأخوين اللذين تخاصما في نعاجهما([33]) في قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) [ص:23-24]، فيتقرر من ذلك أن القضاء إنّما يكون ما كان فيه تنازعٌ وخصومة في المعاملات، بينما تكون الفُتْيَا في هذا وفي غيره؛ إذ تكون في العبادات، والمعاملات وغيرها، فيستخلص من ذلك أن بين الفُتْيَا والقضاء عموم وخصوص، فدائرة الفُتْيَا أعمّ من دائرة القضاء([34])، "ولكن اتساع دائرة الفُتْيَا في مجالاتها عن القضاء لا يمنع وقوعها من القاضي، فإنه يقع منه القضاء، وتقع منه الفُتْيَا كذلك، وعلى هذا فكل قضاء فتيا، وليس كل فتيا قضاء"([35]).
ويُلحظ من قضاء داود وسليمان عليهما السلام في الموقفين في سورتي الأنبياء و(ص) أمران:
الأول: اختلاف القضاء عن الفُتْيَا في التوابع من حيث الإلزام وعدمه، فحكمهما عليهما الصلاة والسلام كان نافذاً، وأُلزمَ المتخاصمون بقبوله، والعمل به، بخلاف الفُتْيَا فإن المستفتي لا يلزم بقبول الفُتْيَا ما لم يغلب على ظنّه أنها صواب([36]).
الثاني: أن القضاء إنّما يكون في ضوء الإقرار والبيّنة والدليل، وأما فُتْيَا المفتي فإنها تكون في الأدلة من القرآن والسنة([37]).
"ولكن مع هذا الاختلاف بين القضاء والفُتْيَا فإنهما يتشابهان في كونهما هدى من حيث إن الأول فيه حكم بالحق، والثانية فيها بيان لأحكام الله تعالى التي شرعها، وخفيت على من استفتى"([38]).
المبحث الثالث
مشروعية الفُتْيَا في القرآن الكريم، ومنزلتها، وأركانها
تتقرر أهمية الفُتْيَا وضرورتها من حيث إنها تشكل حلاً وجواباً لما قد يستجد ويقع من أمور وظروف صعبة قد لا يتأتى من عامة الناس المقدرة على بيانها، والوقوف على الحل الصحيح لها؛ ولهذا صار لزاماً وجود مَن تتحقق فيهم أهلية الفُتْيَا لإفتاء الناس بالأحكام الشرعية للأحوال التي تصدر منهم أو تقع لهم. وعلى الرغم أنَّ الغالب على السَّلف الصالح كان التهيب من الفُتْيَا إلاَّ أنَّ هذا لا يمنع أنها تكليف رباني ينبغي بذل الجهود لتجسيده في الواقع، ونستطيع الاستدلال على أنَ الفُتْيَا تكليف وتشريع إلهي يلزم تنفيذه لما يأتي:
أولاً: إقرار الله تعالى لما طلبه الصحابة رضي الله عنهم من فُتيا من الرسول صلى الله عليه وسلم وإنزاله وحياً في قوليه تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ)، و(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ). واستئثار الله تعالى الإجابة عن الفُتْيَا بقوله: (قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُم) [النساء: 127]، و[النساء: 176] بذكر اسمه الصريح مرتين، وسكوت الرسول عليه الصلاة والسلام عمن استفتى حتى نزلت الآيتان. وهذا كله مُسَوِّغ أن الفُتْيَا أمر واجب لشؤون المسلم. وصيغة المضارع للفعل (يَسْتَفْتُونَكَ) دالة عند أهل البيان دالة على التجدد والاستمرار([39])؛ "وإذا وقع الاستفتاء من الصحابة زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وهم في عصر التنزيل، وخفي عنهم ما استفتوا عنه، فلا شك أنَّ أموراً كثيرة ستكون على مَن بعدهم أخفى، وسيتكرر وقوع الاستفتاء إلى يوم القيامة، لذا لزم وجود من يجيب عنه"([40]).
ثانياً: أقَرَّ القرآن الكريم الفُتْيَا في مسائل دنيوية، ومن جهة الأوْلى أن يقرّ كذلك أن تكون الفُتْيَا في المسائل الدينية ذات المساس بحياة الناس. فمن أمثلة ذلك عَرض القرآن استفتاء ملك مصر للملأ من قومه، وكذلك استشارة واستفتاء ملكة سبأ لأعيان قومها، وكان كلا الاستفتاءين في شأن دنيوي أحدهما خاص وهو تأويل رؤيا، والآخر عام في استشارة في أمر كتاب سليمان عليه السلام، فكان من باب أَوْلى الاستفتاء في أحكام الدين الذي تستقيم به شؤون الدنيا والآخرة.
ثالثاً: قد أفتى الله تعالى أنبياءه عليهم الصلاة والسلام، فقال في شأن أيوب عليه السلام([41]): (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ) [ص:44]، ووقعت الفُتْيَا من أنبياء الله تعالى، فقد ورد في تفسير قوله تعالى عن داود وسليمان عليه السلام: "وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا" [الأنبياء:79] بأن المقصود بالعلم هنا هو الفُتْيَا([42]).
وأمّا منزلتها فإنها تنبع ابتداء من حيث "أن الله تعالى تولّى الإفتاء لعباده بنفسه في كتابه المبين، فقال: (قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُم)، وكان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم -وهو أمين الله تعالى على وَحْيِه- أول من قام بهذا المنصب الشريف"([43]). ثم إن الفُتْيَا هي في مقام التوقيع([44]) عن الله تعالى، والمفتي كما هو في موقع المفتي عن ربه عزّ وجلّ، فهو كذلك في حكم المُخبر عنه([45])، وهو "قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم"([46])، دليل ذلك حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ)([47]). ثمّ إنّ أهل الفُتْيَا هم أهل الاستنباط، وهؤلاء نوّه الله عزّ وجلّ بشأنهم فقال: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم) [النساء:83].
وأما أركان([48]) الفُتْيَا فهي أربعة:
1- المُفتي، وهو من حيث الدلالة اللغوية من يبيّن الحوادث المبهمة، وفي الشرع هو المجيب في الأمور الشرعية، والنوازل الفرعية([49]).
2- المُسْتَفْتِي، وهو السائل، وعرّفه النووي بأنه "كل من لم يبلغ درجة المفتي([50])، وقيل: هو "كل مَنْ لا يصلح للفُتْيَا من جهة العلم وإن كان متميزاً"([51]).
3- المُسْتَفْتَى عنه، أي الموضوع الذي وقع السؤال عنه، وطلبت الفُتْيَا بشأنه.
4- الإجابة وهي (الفُتْيَا).
المبحث الرابع
آداب المُفْتي والمُسْتَفتي في الآيات التي ذكرت اشتقاقات لفظة الفُتْيَا
تتعلق آداب الفُتْيَا بركنيها الرئيسين: المُفْتي والمُسْتَفْتي، وقد تحدث عدد من العلماء عنها في بحث الفُتْيَا أصوليّاً وفقهيّاً من أمثال: ابن الصّلاح في كتابه أدب المُفْتي والمُسْتَفْتي([52])، وابن حمدان الحرّاني في كتابه صفة الفتوى والمُفْتي والمُسْتَفْتي([53])، وما يتصدرُ هذه الآداب، وهو عمدتها، وأسُّها وأساسها يمكن تأصيله قرآنياً من السياقات القرآنية التي ذكرت اشتقاقات لفظة الفُتْيَا.
المطلب الأول: الصيغ التي وردت بها اشتقاقات لفظة الفُتْيَا في القرآن الكريم
لم ترد لفظة الفُتْيَا في القرآن الكريم، وإنّما وردت اشتقاقاتها إحدى عشرة مرة بإحصاء الألفاظ المكررة، وسبع مرات من غير المكررة، وذلك في القسمين المكي والمدني من القرآن في سبعٍ من الصيغ، وفي تسع آيات قرآنية.
والصيغ السبعة التي جاءت فيها هذه الاشتقاقات هي: (وَيَسْتَفْتُونَكَ بالواو، وبدون الواو يَسْتَفْتُونَكَ)، (يُفْتِيكُمْ)، (تَسْتَفْتِيَان)، (أَفْتُونِي)، (تَسْتَفْتِ)، (أَفْتِنَا)، (فَاسْتَفْتِهِمْ)، وفيما يأتي بيان لآياتها حسب ورودها في المصحف الشريف.
1- قول الله عزّ وجلّ: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا) [النساء:127].
2- قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [النساء:176].
3- قوله تعالى: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَان) [يوسف:41].
4- قوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) [يوسف:43].
5- قوله عزّ وجلّ: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ) [يوسف:46] .
6- قوله تعالى: (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا) [الكهف: 22].
7- قوله تعالى: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ) [النمل:32].
8- قوله تعالى: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ) [الصافات:11].
9- في قوله عزّ وجلّ: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ) [الصافات:149].
وهذه الاشتقاقات جاءت في نوعين من الدلالة، الأولى: اللغوية وتشمل جميع الآيات القرآنية الكريمة التي ذكرت اشتقاقات الفُتْيَا في سور (يوسف، الكهف، النمل، الصافات) في صيغ (تَسْتَفْتِيَان)، (أَفْتُونِي)، (تَسْتَفْتِ)، (أَفْتِنَا)، (فَاسْتَفْتِهِمْ) وفي موضوعات تساوقت مع ما تحدث عنه القرآن المكي، فاستخدمت في: تأويل الرؤى، وفي الشورى والرأي، وفي المحاجّة والجدال.
وأما في القسم المدني فقد استخدمت صيغتان، كل واحدة استعملت مرتان، وكانتا في سورة واحدة وهي النساء، وهما (وَيَسْتَفْتُونَكَ) بالواو، وبدون الواو (يَسْتَفْتُونَكَ) و(يُفْتِيكُمْ)، وجاءتا في الدلالة الثانية وهي ذات دلالة شرعية، مما تتناسب مع موضوعات القسم المدني الذي غلب عليه التشريع.
وجميع الآيات التي ذكرت اشتقاقات لفظة الفُتْيَا يتأتى التأصيل في سياقاتها لآداب المفتي والمستفتي باستثناء آيتين ذكرتا صيغة (فَاسْتَفْتِهِمْ)، وهما قوله تعالى: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ) [الصافات:11]، وقوله: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ) [الصافات:149]. ويعود سبب ذلك؛ لكونهما جاءتا في المحاجّة والجدل مع الخصم في موضوعي البعث ووحدانية الله تعالى بتنزهه عن الولد.
"وكان مراد التعبير عن الجدال بالاستفتاء -في آيتي الصافات- ليس انتظار الفُتْيَا (أي: الجواب) من الخصم، وإنّما للتغليظ عليه، والتهكم به"([54]).
المطلب الثاني: آداب المُفْتي
يتحلى المُفْتي في ضوء الآيات القرآنية التي ذكرت اشتقاقات لفظة الفُتْيَا بآداب وأخلاق "تُنزله منزلة الطبيب من المريض"([55])، ومن الآداب التي يجب على المُفْتي الاتصاف بها:
أولاً: التأدب مع الله تعالى
يدلّ على هذا قوله تعالى في سورة النساء مرتين، الأولى في: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا) [النساء:127]، والثانية في (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [النساء:176]. ووجه الدلالة "أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أول من بلّغ عن الله تعالى، وكان يُفتي عن الله تعالى بوحْيه المبين"([56])، ومع ذلك فإنه لما استفتيَ عن بعض شأن النساء، وعن الكلالة لم يفتهم إلا بفُتْيَا الله تعالى، وهكذا المفتي ينبغي ألا يفتي إلا عن علم، وألا يتجرأ على الفُتْيَا جهلاً، فإنّ في ذلك إساءة أدب مع الله تعالى.
ولما أشكل على عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر الكلالة استفتى النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً في أمرها، فأغلظ له رسول الله عليه الصلاة والسلام حتى طعن بإصبعه في صدره، وقال له: يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء؟([57]) فلم يفته بغير ما جاءت به فُتْيَا الله تعالى، بل أحاله إليها.
قال ابن القيم: "وقد حرّم الله سبحانه القول عليه بغير علم في الفُتْيَا والقضاء، وجعله من أعظم المحرمات، بل جعله في المرتبة العليا منها فقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [الأعراف:33] فرتّب المحرمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثنّى بما هو أشد تحريماً منه وهو الإثم والظلم، ثم ثلّث بما هو أعظم تحريما منهما وهو الشرك به سبحانه، ثم ربّع بما هو أشد تحريماً من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم"([58]).
ثانياً: الصدق مع المستفتي
وهذا الأدب مرتبط بالأول الذي هو أصل له، فهو متفرّع عنه، ويدلّ عليه قوله تعالى عن الملأ في قصة رؤيا ملك مصر لما طلب منهم: (أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) [يوسف: 43] فاعتذروا قائلين: (أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ) [يوسف: 44].
"ومحل الدلالة هنا هو صدق البطانة (الملأ) مع الملك في أنهم أعلنوا جهلهم فيما استفتاهم به فقالوا: "قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ" وهذا فيه دلالة على وجوب صدق المفتي مع المستفتي في ألا يخبره بشيء إلا إذا علمه، فإن جَهِلَه فإنه لا يضيره أن يعلن جَهْله بأمر لا علم له فيه، فإنه إن أجاب المستفتي على جهل جعله يثبت على جوابه، ولكن إن صدق معه واعتذر عن الفُتْيَا بقوله: "لا أدري" حمل هذا المستفتي على أن يستفتي غيره ممن له علم في هذا الأمر، أو هذه المسألة"([59]).
وما يدلّ على صدق المفتي ما أفتى (أشار) به الملأ من قوم ملكة سبأ لما قالت لهم في شأن كتاب سليمان عليه الصلاة والسلام (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي) [النمل: 32]، "فصدقوا معها، وراجعوها بما قرّت به عينُها"([60]) لما قالوا: (نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ) [النمل:33].
ثالثاً: اللطف بالمُسْتَفْتي
لما كان المُسْتَفْتي بحاجة لمن يعطيه الجواب لما استفتى عنه، والبيان لما غمض عليه بأسلوب يريح النفس، ويطمئن البال، كان لزاماً على المُفْتي وهو يحقق هذه الحاجة للمستفتي أن يبين الحكم ويُجليه بحسن الجواب، ولطيف الأسلوب، وجميل العبارة مع إبداء اهتمامه بما اسْتُفْتِيَ عنه، وهذا أمرٌ نستشعره ونستشفه مما حكاه الله تعالى على لسان يوسف عليه السلام للسجينين معه عندما طلبا تأويل رؤيتيهما فقال لهما: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ) مرتين، أولاهما: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) [يوسف:39]، والثانية: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَان) [يوسف: 41] فاستخدم صيغة النداء البعيد (يا) للقريب([61]). وهذا الأسلوب فيه نوع من التحبّب، والتلطّف في الجواب، وتقريب نفسيّة المُسْتَفْتي من المُفْتي؛ لإشعاره بأنَّ أمره ذو أهمية، وأنَّ المُفْتي لا يقصر في بذل الجهد من إيجاد حل لما استفتى عنه([62]). وذلك فيه عَوْن لتفهيم المُسْتَفْتي والرفق به وبخاصة إذا كان قاصر الفهم حاملاً نفسه "المُفْتي" على الصبر لتَفَهُّم قضية الاستفتاء([63]).
فأداء المُفْتي المتمحور بشخصية يوسف عليه السلام كما صورته سورة يوسف كان منصباً على مِحْور صِدْقِه وتذكير صاحبيْه في السجن بالمواقف السابقة ذات العلاقة إذ نبّأهما بما يأتيهما من طعام، ثم عرض رسالته الإيمانية - وهي موطن صِدْقهِ - وهما في موقف يتابعان باهتمام كل ما يقوله؛ إذ هما في مكانة أدعى للاستجابة، وبعد أن فَرَغ من تثبيت نفسه سواء في الصدق أو التبليغ شَرَع في إبانة وتفسير الرؤيا. "وهو بهذا يؤسس منهجاً دعويّاً في استثمار المفتي لحاجة المُسْتَفْتي؛ لعرض أفكار تتسم بالشمول في تحقيق مصلحة عامة. فانتقل بهما من بؤرة حاجته لعرض قضيته الإيمانية إلى حاجتهما لمعرفة عَمَّا استنبآ، ولم يكن ليفعل إلى ما أقْدَمَ إليه إلا بعد أن رأى أنهم في رحابة وسعة اجتماعية تجعل الحديث فيما بينهم في مقام التصديق والأخذ منه"([64]).
رابعاً: العناية بجواب المُسْتَفْتي
يتحتم على المُفْتي وهو يهمُّ ببيان ما أُشْكِل على المُسْتَفْتِي سواء أكان حُكْماً أم غيره، "إبداء اهتمامه بما اسْتُفْتِيَ عنه، وإظهار عنايته حول ما سُئل عنه مع مراعاة استعداد مَنِ استفتاه على تقبل الفُتْيَا، آخذين النَّظَر في واقعِ تغييرِ ما ترَّسب من زمن سَلَف إلى ما يُصلح واقع المجتمع المسلم"([65]). نجد هذا في مَعْرَض استفتاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض ما استجد من أحكام النساء لديهم، "فسألوا الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم في ذلك الأمر، فتولى الله سبحانه وتعالى إعطاء الحكم بشكل مباشر عن طريق الوحي"([66]). فكان طلب الاستفتاء من الرسول صلى الله عليه وسلم نابعاً من حاجة في نفس المُسْتَفْتي وهو الإقدام على تزويج مَنْ هي تحت يديه مأخوذاً بإطار شُّح النفس – وهذا ما لا يليق أن يكون بين يدي الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وربما يكون مَحْض حرصهم في عَمَل ما لم يعهدوه في الإسلام، فجاءت الفُتْيَا من الله بنزول الآية (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً) [النساء: 127].
كما أنَّ الأدب – العناية بجواب المُسْتَفْتي- نتلمسه من قول يوسف عليه السلام للسَّجينين معه بعد أن أوَّل رؤيتيهما: (قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) [يوسف: 41]، فيوسف عليه السلام استخدم الإفراد في قوله (الأمر) على الرغم أنهما سألا عن أمرين. ومَرّدَّ ذلك أن خطاب السجينين كان بصيغة المفرد "نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِه" [يوسف: 36]، ويعقب الزمخشري في وجهة نظر أخرى تكمن في أنَّ يوسف عليه الصلاة والسلام أدرك أهمية توجيه الجواب نحو ما يهمهما، ويريدا الإطلاع عليه، فقال: الأمر، ولم يقل (الأمران)؛ لأن مقصوده هو بيان عاقبة – وهي بصيغة المفرد - أمرهما الذي أدخلا به السجن([67]).
خامساً: بيان الجواب بياناً خالياً من الإشكال
وهذا الأدب ظاهر في الآية (يَسْتَفتونكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الْكَلالَة) [النساء: 176] التي تتحدث عن استفتاء الصحابة رضي الله عنهم عن أحكامها، فإنَّها تُظْهر عناية المولى عز وجل بما استفتى عنه الصحابةُ رضي الله عنهم رسولَ الله عليه الصلاة والسلام في الذي أُشْكِل حكمه عليهم، فجاءت الفُتْيَا بَيِّنة خالية من الإشكال لا تحتمل اللَّبْس (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ...) [النساء:176]، وهذا يبرز كذلك من خلال إكثار عمر رضي الله عنه سؤال النبي صلى الله عليه وسلم، وطلبه المزيد والتوضيح حول هذا الأمر. فقد أخرج الإمام مسلم في الجامع الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنّ "عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَذَكَرَ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لاَ أَدَعُ بَعْدِى شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِي مِنَ الْكَلاَلَةِ مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلاَلَةِ، وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ: (يَا عُمَرُ أَلاَ تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ)([68]). وموضع الشاهد من الرواية الذي يدل على شدة العناية بأمر الفُتْيَا بشأن الكلالة هو تأكيد عمر رضي الله عنه أنّه ما زال في ذكر أمرها بقوله: (إِنِّي لاَ أَدَعُ بَعْدِى شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِي مِنَ الْكَلاَلَةِ...). ويُظهر جوابُ النبي محمد صلى الله عليه وسلم: (أَلاَ تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ) وجوبَ الاعتناء بالاستنباط من النص الذي أفتى الله تعالى فيه، وهذا فيه تعليم أن فُتْيا الله عزّ وجلّ فيها غِنى عن فُتْيا غيره([69]).
كما إننا نستشعر هذا الأدب من جواب يوسف عليه السلام على استفتاء الساقي حول رؤيا الملك:
(أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ) فالجواب والرّد من يوسف عليه السلام كان بَيِّناً خالياً من الإجمال والإشكال (تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ) [يوسف: 47- 48] بهذا يكون يوسف عليه الصلاة والسلام قد فسَر رؤيا الملك وأجاب عن استفتائه، ولكنه لا يكتفي بذلك بل يزيدها وضوحاً بأن يقدَّم بياناً لم يردْ في رؤيا الملك، وهذا من وضوح الرؤيا لدى يوسف عليه السلام: "ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ" [يوسف:49].
سادساً: إذا اجتمعت لدي المُفْتِي أكثر من فتوى يقدم الأسبق فالأسبق
وهذا الأدب نستقيه ونستخلصه من قصة يوسف عليه الصلاة والسلم في تأويل رؤيتي السجينين، فقد رتَّب الجواب لرؤيا كل واحد منهما حسب ترتيب طلب التأويل.
يقول تعالى: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف: 36]. جاءت الفُتْيَا على لسان يوسف عليه الصلاة والسلام تراعي الترتيب (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) [يوسف: 39]. والفُتْيَا (أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً) [يوسف: 39]، جوابٌ على (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً) [يوسف: 36]، والفُتْيَا (فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ) [يوسف: 39]، جواب على (أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ) [يوسف: 36].
المطلب الثالث: آداب المُسْتَفْتِي
إذا وجب على المفتي الأدب في اشتغاله بالفُتْيَا، فإن من الأهمية بمكان أن يتحلى المستفتي بآداب الفُتْيَا وأخلاقها أيضاً كونه هو الركن الثاني فيها بعد المفتي، ومن آدابه:
أولاً: التأدب مع الله تعالى
ومعنى هذا الأدب أَلّا يتعبد المرء ربّه عزّ وجلّ بأمر يجهل حكمه، وألا يُقْدِم على فعل أو تصرف قد خفي عليه حكم الله فيه. فكان لزاماً على من كان هكذا أن يستفتي من حَبَاهُ الله تعالى أهلية استنباط الأحكام، وهيّأه لمقام إفتاء الناس.
وألزم الله تعالى عباده بسؤال أهل العلم عمّا يجهلونه من قبل أن يبدأ التشريع، وذلك في مرحلة ما قبل الهجرة فأمرهم بـ (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل:43]، و(أهلُ الذّكر) هم مَن أُوتوا فَهماً وقدرة على الاستنباط من النصوص"([70]).
وهذا الأدب مع الله تبارك وتعالى يدل عليه ما دلّنا على وجوب أدب المستفتي مع الله تعالى، وهو قوله: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا) [النساء: 127]. "فالصحابة رضي الله عنهم كانت تعتريهم في كل تصرفاتهم بالنسبة للمرأة حيرة، وهي هل ينفذون ما كانوا عليه من حكم جاهلي أم للإسلام في كل أمر من هذه الأمور حكماً غير ذلك يجب رعايته، فكثرت استفتاءاتهم وأسئلتهم لرسول عليه الصلاة والسلام حتى أفتاهم الله تعالى"([71]).
ثم إنّ آية الكلالة التي في آخر النساء دالّة على هذا الأدب، فالله تعالى قد أفتى الصحابة رضي الله عنهم عن شأن الكلالة في أول النساء في قوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ) [النساء:12]، ولكن صورة من الكلالة قد غمضت عليهم([72]) فلم يسكتوا عنها؛ ليتصرفوا بها بمحض رأيهم الشخصي لأجل فُتْيَا الله تعالى السابقة في الكلالة، بل استفتوا عنها رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأفتاهم الله تعالى بذلك فقال: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [النساء:176].
وحينما يصرح الله تعالى بذكر اسمه مرتين "قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ" فيما أفتاه به بشأن النساء والكلالة فإن من تمام الأدب العمل بفُتْيَاه عزّ وجلّ بعد العلم بها "حيث أسند الإفتاء –الذي هو بيان المبهم، وتوضيح المشكل- إليه تعالى فيما هو من عظائم الأمور التي يجب مراعاتها، والمحافظة عليها"([73]).
ثانياً: التأدب مع المُفْتي
إنّ مُجْمَل حال المُسْتَفْتي نحو المُفْتي مُنطبعٌ بتكريمه، ومُخاطبته بألفاظ تقع في النفس موقع التكرم في إبداء الفُتْيَا من قِبَل المُفتي، فهي أحرى بالأخذ؛ لأنها نابعة من نفس طيبة. وهذا ما نلحظه من تأدب الساقي عندما أتى يوسف عليه السلام، فخاطبه بلقب كريم (أَيُّهَا الصِّدِّيقُ) [يوسف: 46] يَسْتَجِرُّ من خلالها الإجابة. "وكان ذلك نابعاً عن معرفته بأحواله وصدق تأويله وهو سجين لا يملك من أمره شيئاً"([74]). فكانت الآية (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ) [يوسف: 46] محل استدلال الألوسي على أنَّ المُسْتَفْتي ينبغي أن يُعظّم المُفْتي"([75]). ولم يكتفِ الساقي بإجمال طلبه والمتمثل بألفاظ التكريم بل اختتم خطابه بأسلوب الرجاء، "لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ"، فاستخدام أداة الترجي "لعل" مؤملاً أخذ الفُتْيَا والرجوع بها إلى الناس، ولكنه كان مُحتاطاً محترزاً في أمر الفُتْيَا، وهذا من مؤشر تكرار أداة الترجي([76]). وكان ذلك بعد أن خَبَره في موقف سابق استفاد منه السجينان في مخاطبة يوسف عليه السلام بوصفه "إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ" في معرفة أمر ما رأيا في المنام([77]).
وفي خاتمة رؤيا ملك مصر بعد أن أخبره الساقي بإفتاء يوسف عليه السلام في رؤياه قال الملك: (ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي) [يوسف:54]، بعد أن قال أول مرة لما نبّأه الساقي بِفُتْيَا (تأويل) يوسف عليه السلام في رؤياه، فقال: (ائْتُونِي بِه) [يوسف:50] وهذا يَشِي ويدل على قضية تكريم أهل الفُتْيَا، وإجلال محلهم، وتكريمهم ورفع قدرهم([78]).
ثالثاً: حُسْنُ الإقبال على المُفْتي
وهذا الأدب نلحظه بشكل بَيِّن في موقفين، وكلا الموقفين ورد فيهما لفظ (أَفْتُونِي)، وتمثل حسن الإقبال بأمرين:
1- استخدام صيغة النداء للبعيد (يا) للقريب، وفي مثل هذا فيه نوع من التلطف في الخطاب.
2- المخاطبة بوصف (الملأ) في كلا الموقفين.، والملأ هم "جماعة يجتمعون على رأي، فيملؤون العيون رَواءً ومنظراً، والنّفوس بهاءً وجلالاً"([79])
والموقف الأول مُتَمثل في حُسْن أداء تقديم ملك مصر لرؤياه مخاطباً أهل مجلسه "يَا أَيُّهَا المَلأ أَفْتُونِي" في قوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) [يوسف: 43]. والثاني يتمثل في موقف ملكة سبأ حينما جمعت أعْيان مملكتها لمشاورتهم بشأن كتاب نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام قائلةً لهم مستخدمة الأسلوبَ نفسه الوارد في مخاطبة ملك للملأ من قومه: (يَا أَيُّهَا المَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ) [النمل: 32].
رابعاً: أن يكون من يستفتيه أعلم منه في موضوع الفُتْيَا
وهذا ما أشارت إليه نهاية الآية في قوله تعالى: (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا( [الكهف: 22] فالنهي عن الاستفتاء جاء بعد النهي عن الجدال في شأن عدد أصحاب الكهف" تعليماً وتوجيهاً وإرشاداً للرسول صلى الله عليه وسلم في أن العلم بذلك مرده إلى الله تعالى، مع الإشارة إلى أن الله عزّ وجلّ منَّ ببعض علمه اللّدني على من شاء "مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ"، ونستدل من عبارة النهي على أن المُفْتي يجب أن يكون أعلم من المُسْتَفْتي؛ "لأنّ فيما قصَه الله تعالى عليه في ذلك ما يُغنيه عن سؤال من لا علم يقيني له بهذا الأمر"([80])، مع ما في هذا الاستفتاء من "استخبار حول أمر لا جدوى منه"([81]) .
وهذا يدلل عليه أيضاً فهم دلالة (يَسْتَفْتُونَكَ) في آيتي النساء؛ لأنه قد وقع الاستفتاء من الصحابة لرسول الله عليه الصلاة والسلام في بعض ما أشكل عليهم من أحكام النساء، والكلالة في التركة، فكان لزاماً على المسلمين أن يكون مرجعهم في الفُتْيَا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، والموقعون عن الله تعالى. وهذا هو البعد الحضاري والأخلاقي في العلاقة بين المسلم والعالِم أي بين المستفتي والمفتي، وهي علاقة قائمة ما دام أن المستفتي لا يملك القدرة على استنباط الحكم فيما غمض عليه، فيلجأ في ذلك للمفتي.
الخاتمة
النتائج والتوصيات
توصل البحث إلى النتائج الآتية:
أولاً: الفُتْيَا لفظٌ مشتركٌ تدل في أصل وضعها على تبيين المُشْكِل، وتوضيح المُبْهَم، وبالرغم من تعدد اشتقاقاتها في القرآن الكريم إلا أنها لم تخرج عن أصل هذا الاستخدام، مع ما يدل هذا أيضاً على سعة لغة القرآن في مفرداته في الدلالة على المعاني.
ثانياً: لم ترد لفظة الفُتْيَا في القرآن الكريم، وإنما ورد لها سبعة اشتقاقات، جاءت في القسمين المكي والمدني في دلالتين: اللغوية – وهي الأكثر استخداماً- حيث استخدمت في القسم المكي فقط، وتعلقت بالشورى والرأي فيما هو مُشْكل، وتبيين ما أُشْكل من الرؤى، وفي الجدل والمحاجّة، وفي القسم المدني تعلقت بالدلالة الشرعية. وعلى الرغم من وجود هاتين الدلالتين إلا أنه لوحظ تأصيل القرآن الكريم لآداب الفُتْيَا في آياتهما باستثناء ما ورد في صيغة "فَاسْتَفْتِهِمْ" المتعلقة بمحاجّة المخالفين ومجادلتهم.
ثالثاً: القرآن الكريم هو المصدر الأول في التأصيل لمعالم الخير، وأصول الهدى، وقواعد الفلاح، وتأصيلاته في الآيات التي ذكرت اشتقاقات لفظة الفُتْيَا إشارة إلى السمة الحضارية التي ميّز القرآن الكريم الأمة بها عن غيرها في أمورها العلمية والعمليّة.
رابعاً: التأدب مع الله تعالى هو الأدب الأعظم في آداب الفُتْيَا، وهو ما يشترك فيه المُفْتِي والمُسْتَفتِي.
خامساً: ورود الدلالة على آداب الفُتْيَا في اشتقاقات لفظة الفُتْيَا في القرآن الكريم في سورة يوسف أكثر من غيرها سببه أن ثلاثاً من صيغ اشتقاقات لفظة الفُتْيَا وردت في السورة، ثم ورود الآيات الكريمة التي جاءت فيها تلك الاشتقاقات في مرحلة الدعوة من حياة يوسف عليه السلام حيث الاتصال مع الآخرين في جوانب حياتهم.
سادساً: الأخلاق جانب عظيم في الإسلام، ويتقرر شأوها، وتتأكد رتْبتها عندما تتعلق بالعلم الذي هو في مقام التوقيع عن الله تعالى، وهو (الفُتْيَا).
سابعاً: الحاجة لأن يجمع المُفْتِي بين الجانبين العلمي والمسلكي للتصدي للفُتْيَا، فحتى تؤدي مهمتها لا بدّ وأن يجمع المُفْتِي بين الأهلية والكفاية لها مع آدابها وأخلاقها.
ثامناً: من المهم المعرفة النظرية بالآداب اللازمة للمفتي والمستفتي، ولكن الأهم من ذلك هو العمل بهذه الآداب من الطرفين.
ويوصي البحث بما يأتي:
أولاً: تشجيع الدراسات التي تُعنى بالتأصيلات القرآنية.
ثانياً: أن تقوم المؤسسات المعنيّة بتأهيل المفتين بوضع برامج تدريبية تضمن التأهيل العلمي الأكاديمي، والإعداد التهذيبي، مع العمل ببرامج متابعة لتقويم الأداء في ضوء معايير مناسبة.
ثالثاً: أن تقوم المؤسسات العلمية والوعظية -الحكومية والخاصة- بدورها في تبصير النّاس بالآداب العمليّة للفُتْيَا.
رابعاً: دراسة موضوع أخلاقيات المهنة والعمل في ضوء آيات القرآن الكريم.
(*) مجلة الفتوى والدراسات الإسلامية، دائرة الإفتاء العام، المجلد الثالث، العدد السابع، 1444هـ/ 2023م.
الهوامش
([1]) يُنظر: ابن الصلاح، عثمان بن عبد الرحمن (ت643هـ/1245م)، أدب المُفْتي والمُسْتَفْتي، دراسة وتحقيق: موفق بن عبد الله بن عبد القادر، الرياض- المدينة المنورة، عالم الكتب- مكتبة العلوم والحكم، 1986، ط1، مقدمة المحقق للكتاب ص5- ص7، وينظر: ابن الجوزي، عبد الرحمن بن محمد (ت597هـ/1201م)، تعظيم الفُتْيَا، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، عمان، الدار الأثرية، 2006م، ط2، مقدمة المحقق للكتاب ص6- ص21.