دراسات وبحوث

أضيف بتاريخ : 27-10-2026


الإدارة الأرشد للاختلاف الفقهي: الأصول والآليات(*)

معالي الدكتور محمد الخلايلة/ وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية

ملخص

يطرح هذا البحث مفهوم الإدارة الراشدة للخلاف الفقهي كأساس عصري في مواجهة التطرف بما تشملها من عمليات التنظيم والتخطيط ووضع الخطط للوصول إلى الأهداف المرجوّ منها، كما يوضح البحث أن الإدارة الأرشد للخلاف الفقهي تعد محوراً هاماً في كيفية استثمار الأحكام الفقهية المختلف فيها بين المجتهدين، بحيث يصير الخلاف أساساً في الحوار والبناء، ومظهراً أساسياً من مظاهر الحضارة الإسلامية، حيث أولت الشريعة الإسلامية الإدارة أهمية كبيرة في جميع مناحي الحياة ومنها إدارة الخلاف الفقهي، وقد ناقش هذا البحث الإجابة عن كيفية عملية إدارة الاختلاف بما يراعي أحكام الشريعة الإسلامية السمحة ونصوصها.

كما بيّن هذا البحث الآليات التي وضعها علماء الشريعة الإسلامية والقواعد الشرعية لإدارة الخلاف الفقهي، منها: علم آداب البحث والمناظرة، وعلم الخلاف، وعلم الجدل، وقاعدة مراعاة الخلاف والخروج منه، وقاعدة الاستحسان، وقاعدة المصالح المرسلة، وسوف يأتي تفصيل ذلك في المطالب الآتية بإذن الله تعالى.

مقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:

يحق لنا أن نتساءل في خضم فوضى الواقع الذي تعيشه الأمة في هذا الزمن عن الفقه الحضاري للاختلاف في شريعتنا الإسلامية ونحن نشاهد هذا الأدب الجم قد ذاب في فوضى واقع جرف الكثير من العقول، واستولى على الألباب حتى لدى أصحاب الفكر والنظر في علوم الشريعة وفقهها الحضاري.

فأدب الاختلاف أصل عتيد في شريعتنا الإسلامية وليس هو محل خلاف أو اختلاف، وقد نهل الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح من معين هذا الأدب وارتشفوا من رحيقه وهم يتمثلون قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)، فأيقنوا أن المجتهد الذي يملك أدوات الاجتهاد مأجور على اجتهاده سواء أصاب أم أخطأ ما دامت النية صالحة والغاية سامية.

فالاختلاف واقع لا محالة لعوامل متنوعة، في مسائل تختلف فيها المدارك والأفهام، ولهذا لم يقصد سلفنا الصالح الاختلاف لذاته، بل كان الهدف عند الجميع هو القصد إلى موافقة الشارع فيما قصد، لذا فإن المختلفين وإن اختلفوا في مسألة معينة فهم متفقون من جهة القصد إلى موافقة الشارع والوصول إلى مراده.

ولهذا لم يكن الاختلاف لدى السلف سبباً في إثارة العداوة والبغضاء فيما بينهم، بل تعاملوا معه وأداروه بأحكم طريقة فاتسعت صدورهم لهذا الاختلاف وقبلوه، فكان كلٌّ منهم يرى أن رأيه صواب يحتمل الخطأ ورأي غيره خطأ يحتمل الصواب، ولم يكن هذا الاختلاف كذلك سبباً من أسباب ضعفهم وتفرقهم، بل كان سبباً من أسباب عزتهم ونماء فكرهم، فقدموا لنا هذه الثروة التشريعية الهائلة التي تزخر بها المكتبة الإسلامية.

فقد اختلف أئمة المذاهب في كثير من الأحكام الفقهية الفرعية أكثر مما هو في زماننا هذا، ولم نسمع بفوضى الفتوى في زمانهم، بل كان احترام المخالف والتعامل مع اختلافه بأسلوب حضاري علمي هو الأسلوب السائد والغالب، مما يعطينا  في هذا الزمن تصورا عن آليات إدارة المذهبية الفقهية في عصرنا الحاضر المبنية على الاجتهاد الجماعي الذي يوجد الحلول العملية، ويبين الأحكام الشرعية فيما طرأ على واقع الأمة الإسلامية في معاملاتها ونوازلها التي لم يكن لها نظير في زمن العلماء السابقين بالاعتماد على القواعد الأصولية التي وضعوها، ومراعاة المصالح والقواعد العامة للشريعة الإسلامية، مع الأخذ بعين الاعتبار الأدب في التعامل مع أهل العلم واحترامهم.

سائلين الله تعالى أن يهدينا جميعاً إلى سواء السبيل وأن يلهمنا الصواب في القول والعمل.

هيكلية البحث:

المبحث الأول: تعريفات ومفاهيم

المطلب الأول: مفهوم الإدارة الأرشد للاختلاف الفقهي ومظاهر الأخذ بها في الشريعة الإسلامية

المطلب الثاني: تعريف الخلاف والاختلاف لغة واصطلاحاً

المبحث الثاني: المذهبية الفقهية بين النظر في المآلات وتأصيل قواعد الخلاف

المطلب الأول: تأصيل النظر في المآلات وأثره في اتّساع الفتوى واعتبار مذاهب المجتهدين

المطلب الثاني: قاعدة مراعاة الخلاف في تنوع الأحكام والفتاوى

المطلب الثالث: قاعدة الخروج من الخلاف وأثرها في إدارة الخلاف الفقهي

المبحث الثالث: ترشيد المذهبية من خلال الاجتهاد الجماعي

المطلب الأول: معنى الاجتهاد الجماعي وتأصيله في زمن النبي صلى الله عليه وسلم

المطلب الثاني: آليات الإدارة الأرشد للخلاف الفقهي والخطاب الإفتائي المعاصر من خلال الاجتهاد الجماعي

المبحث الأول

تعريفات ومفاهيم

المطلب الأول: مفهوم الإدارة الأرشد للاختلاف الفقهي ومظاهر الأخذ بها في الشريعة الإسلامية

الإدارة في اللغة ترجع إلى معنى جعل الشيء محوراً تدور حوله أشياء أخرى، جاء في [مقاييس اللغة]: "(دور) الدّال والواو والراء أصل واحد يدلّ على إحداق الشيء بالشيء من حواليه، يقال دار يدور دوراناً"([1]).

ويعدّ مفهوم الإدارة أساساً عصرياً من أسس النجاح والتقدم، وهو معيار أساسي في نجاح المؤسسات على اختلاف أنواعها، ولذلك كان لإيلاء الإدارة أهمية قصوى في تنظيم العمل، فالإدارة عموماً تعبر عن عملية التنظيم والتخطيط والتي تشمل وضع خطط للوصول إلى الأهداف المرجوّ منها، وذلك عن طريق تسخير جميع الموارد المتاحة للإنجاز، وترتكز الإدارة على حفظ المعلومات والتجارب للاستفادة منها عند الحاجة.

وقد أولت الشريعة الإسلامية الإدارة أهمية كبيرة في جميع مناحي الحياة ومنها إدارة الخلاف الفقهي، وذلك ابتداء من قول الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [الأنبياء: 7]، حيث جعلت مسؤولية الفتوى والإخبار عن الأحكام الشرعية واقعة على عاتق العلماء المحققين.

والإدارة الأرشد للخلاف الفقهي تعد محوراً هاماً في كيفية استثمار الأحكام الفقهية المختلف فيها بين المجتهدين، بحيث يصير الخلاف أساساً في الحوار والبناء، ومظهراً أساسياً من مظاهر الحضارة الإسلامية، على عكس ما يريده المتشددون من تقويض الحضارة الإسلامية والجمود على آرائهم وضيق أفقهم في إدارة الاختلاف متجاهلين أن الخلاف واقع لا محالة، وإنما الإشكالية تكمن في عملية إدارة الاختلاف بما يراعي أحكام الشريعة الإسلامية السمحة ونصوصها.

وقد وضع علماء الشريعة الإسلامية علوماً وقواعد مستقلة لإدارة الخلاف الفقهي، منها: علم آداب البحث والمناظرة، وعلم الخلاف، وعلم الجدل، وقاعدة مراعاة الخلاف والخروج منه، وقاعدة الاستحسان، وقاعدة المصالح المرسلة، وسوف يأتي تفصيل ذلك في المطالب الآتية بإذن الله تعالى.

ومن مظاهر إدارة الخلاف الفقهي، الاتفاق على الأدلة الشرعية والأصول التي يرجع إليها المجتهدون، وقد ذكر ذلك الإمام الشاطبي، حيث قال في [الموافقات]: "إنَّ الخَصْمَيْن؛ إمَّا أن يتَّفقا على أصل يرجعان إليه، أم لا، فإن لَم يتَّفقا على شيءٍ، لَم يقع بمناظرتهما فائدةٌ بحال"([2]).

ويمكن أن نخلص إلى تعريف الإدارة الأرشد في قضايا الفقه الإسلامي والخلافات الفقهية الفرعية إلى التعريف الآتي: الآليات والوسائل والإجراءات التي يتبعها الفقيه أو مجموعة من الفقهاء للتعامل مع الخلافات الفقهية تأصيلاً وتفريعاً وصولاً إلى حكم شرعي يظهر من خلاله حلول المشكلات المعاصرة، وذلك بحسب القواعد الفقهية والأصولية وعلوم الخلاف التي تميز بها الفقه الإسلامي.

المطلب الثاني: تعريف الخلاف والاختلاف لغة واصطلاحاً

الخلاف لغة: "المضادة"([3])، وهو ضد الاتفاق"([4])، واختلف الشيئان: لم يتفقا، ولم يتساويا"([5]).

وقال الفيروزآبادي: "الاختلاف والمخالفة: أن يأخذ كل واحد طريقاً غير طريق الآخر في حاله أو فعله"([6]).

"والخلاف بمعنى المخالفة أعم من الضد؛ لأن كل ضدين مختلفان، وليس كل مختلفين ضدين"([7]).

وعرفه أبو الوفاء البغدادي: "حدّ الخلاف: الذهاب إلى أحد النقيضين من كل واحد من الخصمين"([8])، وعرفه الجرجاني: "منازعة تجري بين المتعارضين لتحقيق حقّ أو لإبطال باطل"([9]).

ونلاحظ أن الخلاف والاختلاف لغة بمعنى واحد وهو ضد الاتفاق.

والاختلافَ مظهرٌ من مظاهر النظر العقليّ والاجتهاد الفكري، وأسباب الاختلاف تكون منهجية ترجع إلى أصول الاستنباط والنظر الفقهيّ.

علم الخلاف

اشتُهر العلم الباحث في الاختلافات الفقهية بين المجتهدين، والنظر في أدلّة الأحكام والترجيح بينها بـ "علم الخلاف"، ولذلك صار مصطلح "الخلاف الفقهي" محوراً كبيراً في عملية الاستنباط والاجتهاد، وحلّ المشكلات المعاصرة والنوازل الفقهية، وصار ميداناً فسيحاً للتداول الفقهي وإدارة الخلاف بين المجتهدين.

وقد نشأ علم الخلاف بعد ظهور الخلافات الفقهية بين الأئمة والمجتهدين، إذ إن هذه الاختلافات هي السبب الرئيس لنشوء هذا العلم، يقول ابن خلدون: "ولما كثر الخلاف بين المجتهدين في الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية، بسبب اختلاف مداركهم وأنظارهم، اتسع ذلك في الملة، حتى انتهى إلى الأئمة الأربعة من علماء الأمصار، وقد كانوا بمكان من حسن الظن بهم، اقتصر الناس على تقليدهم، وظهر من يمنع تقليد سواهم بحجة ذهاب الاجتهاد وصعوبته، وتشعب العلوم التي هي مواده، فقد جرى الخلاف بين المتمسكين بها، وانعقدت المناظرات فيما بينهم لتصحيح كل منهم مذهب إمامه، فنشأ هذا النسق من العلم المسمى بالخلافيات"([10]).

وقد عرف هذا العلم بأنه: "علم باحث عن وجوه الاستنباطات المختلفة، من الأدلة الإجمالية والتفصيلية، الذاهب إلى كل منها طائفة من العلماء"([11])، فهو علم يعالج الاختلافات الفقهية بين الأئمة والمجتهدين مبيناً صحيحها من سقيمها.

الفرق بين الخلاف والاختلاف

الخلاف والاختلاف كلاهما يستعمل بمعناه اللغوي -وهو عدم الاتفاق بين المجتهدين على الحكم في واقعة ما- وإذا كان كذلك فلا فرق بينهما من الناحية العملية، إلا أن ثمة فروقاً بينهما ذكرها بعض العلماء والأصوليين في مؤلفاتهم وهي على النحو التالي:

أولاً: "المراد بالخلاف عدم اجتماع المخالفين وتأخر المخالف، والمراد بالاختلاف كون المخالفين معاصرين منازعين"([12]).

ثانياً: الاختلاف: هو أن يكون الطريق مختلفاً والمقصود واحداً، والخلاف هو أن يكون كلاهما مختلفاً([13]).

ثالثاً: الاختلاف ما يستند إلى دليل، والخلاف ما لا يستند إلى دليل أي ثبوت الضعف في جانب المخالف في الخلاف فإنه كمخالفة الإجماع، وعدم ضعف جانبه في الاختلاف؛ لأنه ليس فيه خلاف ما تقرر([14]).

رابعاً: الاختلاف من آثار الرحمة، والخلاف من آثار البدعة، ولو حكم القاضي بالخلاف ورفع لغيره يجوز فسخه، بخلاف الاختلاف، فإن الخلاف هو ما وقع في محل لا يجوز فيه الاجتهاد([15]).

وقد جاء في عبارات بعض الفقهاء في ميدان التفريق بين الخلاف والاختلاف قولهم: "وهو خلاف لا اختلاف"، وممن نقل عنه ذلك ابن عابدين في حاشيته([16])، وصاحب فتح القدير([17])، "فالاختلاف مظهر من مظاهر النظر العقلي والاجتهاد، وأسبابه منهجية موضوعية في الغالب.

أما الخلاف فهو مظهر من مظاهر التشنج والهوى والعناد، وليس له من سبب يمت إلى الموضوعية"([18]).

وخلاصة هذه التفرقة أن الاختلاف ما كان معتبراً بأن قوي مدركه، والخلاف ما لم يكن معتبراً بأن ضعف مدركه.

تحقيق القول في الفرق بين الخلاف والاختلاف:

لقد أجاب ابن عابدين من الحنفية "بأن هذه التفرقة عرفية، وإلا فقد قال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ) [البقرة: 213]، (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) [البينة: 4]، ولا دليل لهم، والمراد أنه خلاف لا دليل له بالنظر للمخالف، وإلا فالقائل اعتمد دليلا"([19])، وهذا دليل على أنه لا فرق حقيقة بين الخلاف والاختلاف.

ويقول صاحب [الفتاوى الهندية] من الحنفية: "إن اختلف المتقدمون على قولين، ثم أجمع من بعدهم على أحد هذين القولين فهذا الإجماع هل يرفع الخلاف المتقدم"([20])، فما عبر عنه أولاً بالاختلاف عبر عنه ثانياً بالخلاف، ومثل هذا كثير في مصنفات الفقهاء، والأصوليين مما يدل على أنهم لم يفرقوا بين هذين اللفظين بل استعملوا كليهما بمعناه اللغوي دون تفريق.

وبالتالي نجد أن من العلماء من فرق بين هذين اللفظين، ومنهم من لم يفرق بينهما، ومن فرق بينهما في مواطن لم يفرق في موطن آخر، ومن لم يفرق بينهما في مواطن فرق في مواطن أخر، ويبدو لي أن أصح ما يقال في هذين اللفظين إنهما كلفظي الإيمان والإسلام إن اجتمعا افترقا، وإن افترقا اجتمعا، أي إن اجتمعا في عبارة واحدة افترقا في المعنى، فكان لكل منهما معناه المختلف عن الآخر كما ذكرنا سابقاً في التفريق بينهما، وإن افترقا اجتمعا في المعنى، فكانا بمعنى واحد دون تفريق، فتكون النسبة بينهما عموم وخصوص، وهذا ما يدل عليه الاستعمال اللغوي في القرآن الكريم وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما يدل عليه الاستعمال العرفي لهذين اللفظين.

ما يجري فيه الاختلاف

نصوص الشريعة الإسلامية منها ما هو قطعي ومنها ما هو ظني؛ "فالأدلة القطعية هي تلك التي وصلت إلينا عن طريق قطعي، وتحمل في نفس الوقت دلالة قطعية على مضمونها، أي قطعية الثبوت بالنظر لمنشئها وقطعية الدلالة بالنظر لمضمونها"([21]).

وأما الأدلة الظنية: فهي تلك التي لم يتوفر القطع في طريق وصولها إلينا كأخبار الآحاد على اختلاف أنواعها مما يسمى بالغريب أو العزيز أو المشهور...، أو لم يتوفر القطع في دلالتها كأن تدل على معنى مع احتمالها لمعنى آخر"([22]).

فالأمور القطعية في الثبوت والمعنى لا يقع فيها الاختلاف البتة، وإن وقع شيء من ذلك فهو خلاف مذموم لا يعتد به، ومن ذلك أصول العقائد.

وأما المسائل الظنية فهي مما يجري فيه الخلاف وهي ما يعرف بمسائل الفروع.

يقول الإمام الشافعي: "كل ما أقام الله به الحجة في كتابه، أو على لسان نبيه، منصوصاً بيناً، لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه، وما كان من ذلك يحتمل التأويل ويدرك قياساً، فذهب المتأول أو القايس إلى معنى يحتمله الخبر أو القياس، وإن خالفه فيه غيره لم أقل إنه يضيق عليه ضيق الخلاف في المنصوص"([23]).

ويقول الإمام الشاطبي: "إن الله تعالى حكم بحكمته أن تكون فروع هذه المسألة قابلة للأنظار ومجالاً للظنون، وقد ثبت عند النظار أن النظريات لا يمكن الاتفاق عليها عادة فالظنيات عريقة في إمكان الاختلاف، لكن في الفروع دون الأصول، وفي الجزئيات دون الكليات، فلذلك لا يضر هذا الاختلاف"([24]).

فالاختلاف يقع في الفروع، وأما في الأصول "فلا شك أنه بدعة وضلالة، وكذلك في السياسة والحروب هو حرام أيضاً لما فيه من تضييع المصالح"([25]).

وبالتالي فالمسائل العملية الاجتهادية([26]) هي مما يجري فيه الاختلاف، وكذلك "الأمور التي لم ينص على حكمها أحرى بأن تختلف الأفهام في أحكامها"([27])، وأما أصول العقائد فلا يجوز فيها الاختلاف، يقول ابن عبد البر: "وأما الفقه فأجمعوا على الجدال فيه والتناظر لأنه علم يحتاج فيه إلى رد الفروع على الأصول للحاجة إلى ذلك، وليس الاعتقادات كذلك"([28]).

فالأمور التي يجوز فيها الاختلاف هي محل إعمال الإدارة الأرشد للاختلاف الفقهية دون غيره مما لا يجوز فيه الاجتهاد.

أنواع الاختلاف

يعتبر معرفة أنواع الاختلاف أمراً في غاية الأهمية لإدارته ووضع الأصول والثوابت للتعامل معه، فالاختلاف عدم الاتفاق، وعدم الاتفاق ليس سواء، إذ هو مطلق التغاير، والاختلاف بهذا المعنى منه ما يكون اختلاف تنوع وتغاير، ومنه ما يكون اختلاف وتناقض، وبالتالي نستطيع أن نقسم الاختلاف نوعيين رئيسيين:

النوع الأول: اختلاف التنوع

النوع الثاني: اختلاف التضاد.

النوع الأول: اختلاف التنوع:

والمراد باختلاف التنوع: "ما كانت المخالفة فيه لا تقتضي المنافاة، ولا تقتضي إبطال أحد القولين للآخر، فيكون كل نوع للآخر نوعاً لا ضداً"([29]).

فليس في هذا النوع من الاختلاف شيء من المضادة أو التناقض أو التصادم، إنما هو تنوع كما أن الشيء الواحد قد يكون أنواعاً متعددة دون أن يكون هناك شيء من التضاد بين هذه الأنواع، وذلك: "كأن يذكر كل من المختلفين من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه"([30]).

ومن هذا النوع أكثر صور الاختلاف التي وقعت بين الصحابة رضوان الله عليهم والفقهاء من بعدهم، كتكبيرات التشريق، وتكبيرات العيدين، وتشهد ابن عباس، وابن مسعود، والإخفاء بالبسملة وبآمين، والإشفاع، والإيتار في الإقامة، ونحو ذلك، وما كان بينهم من مناقشات إنما هو لترجيح أحد القولين، بمعنى أيهما أولى بالعمل، ونظيره اختلاف القراء في وجوه القراءة([31]).

وقد أقرت الشريعة الإسلامية هذا النوع من الاختلاف في فروعها وهذه بعض الأدلة على ذلك:

أدلة مشروعية اختلاف التنوع في الشريعة الإسلامية

أولاً: ما ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه "أنه سمع رجلاً يقرأ آية سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ على خلاف ذلك، قال فجئت به النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فعرفت في وجهه الكراهة، وقال كلاكما محسن، ولا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا"([32]).

وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم هذا النوع من الاختلاف بقوله للرجلين: (كلاكما محسن)، أي أن كلا النوعين جائز، وأما الكراهة في وجهه صلى الله عليه وسلم فلأنه رأى أن هذا الاختلاف أوقع بينهم شيئاً من العداوة والبغضاء، وهو ما لا ينبغي أن يقع.

ثانياً: اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في تكبيرات التشريق، وتكبيرات العيدين، وتشهد ابن عباس، وابن مسعود، والإخفاء في البسملة وبآمين، والإشفاع والإيتار في الإقامة، ونحو ذلك([33]).

ثالثاً: وكذلك الحج فيجوز قارناً ومتمتعاً ومفرداً، فهي أنواع ثلاثة لحج صحيح.

حقيقة هذا الاختلاف:

ولا يعد هذا النوع من الاختلاف حقيقة، إذ ليس فيه معنى التضاد والتناقض، وقد ذكره الإمام الشاطبي بعد أن قال: "من الخلاف ما لا يعد خلافاً حقيقة"([34])، ثم قال: ما كان ظاهره الخلاف وليس في الحقيقة كذلك"، وهذا الوضع مما يجب تحقيقه، فإن نقل الخلاف في مسألة لا خلاف فيها خطأ، كما أن نقل الوفاق في موضع الخلاف لا يصح"([35])، وقد عد الإمام الشاطبي لهذا النوع أنواعاً عشرة([36]).

وفي هذا النوع من الاختلاف رحمة واسعة بالأمة، فقد تأتي العبادة بهيئات متنوعة، فمن ضاع عليه نوع أخذ بالآخر وأجزأه، وكذلك ليتسع نظر الأمة ويتنوع.

النوع الثاني: اختلاف التضاد:

"والمراد باختلاف التضاد: القولان المتنافيان"([37])، وهو ما كان في تعارض بين قولين؛ كأن يكون أحدهما حراماً والآخر مباحاً أو أحدهما واجباً والآخر مندوباً.

"وليس هذا النوع من الاختلاف كاختلاف التنوع، فالخطب في اختلاف التضاد أشد من اختلاف التنوع، لأن القولين يتنافيان"([38]).

حقيقة هذا الاختلاف:

ليس في الشريعة تناقض أو تعارض حقيقي، قال الله تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: 82]، وأما ما يقع من تعارض أو تضاد في الظاهر، فإنما هو راجع إلى المجتهدين أنفسهم، واختلاف أنظارهم وأفهامهم في فهم نص يدور بين طرفين، واختلاف الأنظار والأفهام والمدارك من سمات البشر، أو خفاء بعض الأدلة وعدم الاطلاع عليها، يقول الإمام الشاطبي: "والاختلاف في مسائلها -أي الشريعة- راجع إلى دورانها بين طرفين واضحين أيضاً يتعارضان في أنظار المجتهدين، وإلى خفاء بعض الأدلة وعدم الاطلاع عليها"([39]).

أقسام اختلاف التضاد:

ويمكنا تقسيم هذا النوع من الاختلاف إلى قسمين:

القسم الأول: اختلاف سائغ مقبول.

القسم الثاني: اختلاف مذموم.

أولاً: الاختلاف السائغ المقبول:

ومحل هذا النوع من الاختلاف المسائل الاجتهادية الفرعية التي يمكن أن يقع فيها الاختلاف بين المجتهدين، وهو اختلاف طبعي فطري بين بني البشر، ناتج بسبب تفاوت العقول في الفهم والإدراك مما أنتج اختلاف تنوع في القواعد، وطرق فهم الأصول، هذا والاختلاف في الفهم ليس من الاختلاف المذموم، قال تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ* فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء: 78، 79].

وجه الدلالة: أثنى الله تعلى على سليمان بصوابه، وعذر داود باجتهاده([40]).

وهذا النوع من الاختلاف من المحال دفعه أو الحيلولة دون وقوعه، وهو الذي وقع، فنشأت من ثم الاتجاهات والمدارس الفقهية المتنوعة، وليس من العلم الصحيح: الخلط بين هذا الاختلاف والاختلاف الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: (اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه)([41])([42]).

قال الإمام النووي رحمه الله: "والأمر بالقيام عند الاختلاف في القرآن محمول عند العلماء على اختلاف لا يجوز أو اختلاف يوقع فيما لا يجوز، كالاختلاف في نفس القرآن، أو في معنى منه لا يصلح فيه الاجتهاد أو اختلاف يوقع في شك أو شبهة أو فتنة أو خصومة أو نحو ذلك، وأما الاختلاف في استنباط فروع الدين منه ومناظرة أهل العلم في ذلك على سبيل الفائدة وإظهار الحق واختلافهم في ذلك فليس منهياً عنه بل مأمور به وفضيلة ظاهرة وقد أجمع المسلمون على هذا من عهد الصحابة إلى الآن والله أعلم([43]).

ويقول الإمام الشاطبي: "إن الله تعالى حكم بحكمته أن تكون فروع هذه الملة قابلة للأنظار ومجالاً للظنون، وقد ثبت عند النظار: أن النظريات لا يمكن الاتفاق عليها"([44]).

وما دام هذا الاختلاف واقعاً لا محالة، ولا يمكن دفعه أو الحيلولة دون وقوعه فإنه لا يصادم الإسلام باعتباره دين الوحدة والتآلف، بل من رحمة الله تعالى أن جعل هذا الاختلاف ليتسع نظر الأمة ويتنوع، ويكون حافزاً لأهل العلم لاستفراغ مزيد من الجهد في الوصول إلى الحق والصواب مما يعصم الفكر من الشطط والغلوّ والتعصب المذهبي البغيض، ويدعونا لوضع إدارة رشيدة للتعامل معه.

ضوابط الاختلاف السائغ:

1. أن يكون من خلاف أهل العلم لأهل العلم، أما خلاف أهل الأهواء والبدع لأهل العلم فليس من الاختلاف السائغ.

2. أن يكون الاختلاف في المسائل الاجتهادية، وهي المسائل التي ليس فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً، أو فيها دليل ظني فيسع فيه الاجتهاد.

3. عدم مخالفة النص الشرعي القطعي الثبوت والدلالة، والإجماع([45]).

ثانياً: الاختلاف المذموم:

لقد حذرنا الله تعالى من الاختلاف المذموم وبين أنه سبب الضعف والهوان، فقال تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [الأنفال: 46]، ومن هنا كان لزاماً علينا تبين ماهية الاختلاف المذموم كي لا نخلط بينه وبين الاختلاف الممدوح أو الاختلاف السائغ المقبول.

تعريف الاختلاف المذموم:

الاختلاف المذموم: التنازع الذي لا يستند إلى دليل، أو منازعة أهل الأهواء والبدع لأهل العلم.

أنواعه:

الأول: ما كان خلافاً لا اختلافاً، وهذا هو خلاف أهل الأهواء والبدع غير القائم على دليل الباحث عن مراد الشارع وقصده، فهذا النوع من الاختلاف غير معتد به في الشرع، يقول الإمام الشاطبي: "فأحوال أهل الأهواء غير معتد بها في الخلاف المقرر في الشرع، فلا خلاف حينئذٍ في مسائل الشرع من هذه الجهة"([46]).

ومن هذا النوع ما كان اختلافاً بعد العلم بالبينات، قال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) [البقرة: 213]، وقال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) [آل عمران: 19].

الثاني: ما كان في أمر لا يصلح أن يكون محلاً للاختلاف، وذلك كالاختلاف في أصول العقائد، أو في أمهات الأخلاق والفضائل، أو فيما ورد فيه نص قطعي أو ما كان منه في السياسة وأمور الحرب وغيرها، وهذا الاختلاف هو الذي يحدث في الأمة شرخاً يفرق جمعها ويمزق صفها فيوهن الأمة وينال من هيبتها.

الثالث: ما كان من الأقوال تعصباً لمذهب أو نصراً لإمام من الأئمة.

وحكم هذا النوع من الخلاف أنه محرم شرعاً، يقول الإمام الشافعي: "كل ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصاً بيناً لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه"([47]).

التوفيق بين مدح الاختلاف وذمه

الاختلاف الفقهيّ منه ما هو محمود وهو الأكثر في شريعتنا الإسلامية، ومنه ما هو مذموم، والمنصف الذي يمعن النظر يجد أن الاختلاف لفظي بين الذين ذموا الاختلاف والذين مدحوه، ذلك أن الذين ذموا الاختلاف إنما قصدوا منه الاختلاف المذموم، والذين مدحوه إنما قصدوا منه اختلاف التنوع أو الاختلاف السائغ المقبول.

وللتدليل على هذا نناقش كلام أحد الذين رفعوا لواء ذم الاختلاف وهو ابن حزم رحمه الله فيما ذهب إليه، قال ابن حزم رحمه الله: "وقد ذم الله تعالى الاختلاف في غير موضع من كتابه"([48]) ثم استشهد بقوله تعالى: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) [البقرة: 176]، وقوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [البقرة: 213].

والناظر في الآيتين الكريمتين يجدهما خارج محل النزاع، إذا إن هذا الخلاف وقع في كتاب الله عز وجل، ولا شك أنه خلاف مذموم لا يقبله مسلم، فقد روي عن جندب بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه)([49]).

وكذلك سائر الأدلة التي استدل بها على ذم الاختلاف ليست في موطن النزاع([50]).

ثمّ أورد رحمه الله تساؤلاً فقال: "فإن قال قائل: إن الصحابة قد اختلفوا وأفاضل الناس، أفيلحقهم هذا الذم؟ قيل له وبالله التوفيق: كلا، ما يلحق أولئك شيء من هذا، لأن كل امرئ منهم تحرى سبيل الله ووجهة الحق، فالمخطئ منهم مأجور أجراً واحداً لنيته الجميلة في إرادة الخير، وقد رفع عنهم الإثم في خطئهم لأنهم لم يتعمدوه ولا قصدوه ولا استهانوا بطلبهم والمصيب مأجور منهم أجرين"([51]).

وبالتالي تبين أنه لا فرق بين ابن حزم ومن سوغ الاختلاف، فمن سوغ الاختلاف يتفق مع ابن حزم في أنّ المجتهد الذي لم يتحرّ سبيل الله ووجهه الحقّ اختلافُه مذموم، وأنه ليس مأجوراً على خطئه.

ومن سوّغ الاختلاف فإنما سوغ الاختلاف الذي ينشأ عن اجتهاد سائغ بعدم وصول الدليل، أو اختلاف الأفهام في نص شرعي محتمل، فهذا اختلاف لا يذمّ أصحابه، وهو عين ما يقول به ابن حزم رحمه الله فهو يقول: "وهكذا كل مسلم إلى يوم القيامة فيما خفي عليه من الدين ولم يبلغه، وإنما لذم المذكور والوعيد الموصوف، لمن ترك التعلق بحبل الله تعالى الذي هو القرآن وكلام النبي صلى الله عليه وسلم بعد بلوغ النص إليه وقيام الحجة به عليه وتعلق بفلان وفلان مقلداً عامداً للاختلاف، داعياً إلى عصبية وحمية الجاهلية، قاصداً للفرقة، متحرياً في رد القرآن والسنة إليهما، فإن وافقهما أخذ به، وإن خالفهما تعلق بجاهليته وترك القرآن وكلام النبي صلى الله عليه وسلم فهؤلاء هم المختلفون المذمومون"([52]).

إدارة القرآن الكريم للخلاف الفقهي

عالج القرآن قضية الخلاف الفقهيّ في كثير من الآيات القرآنية، بحيث يضمن حصول أكبر قدر من الوصول إلى الحكم الشرعي والطريقة المثلى في التعامل مع اختلاف الآراء وتنوع منازع المجتهدين ووجهات نظرهم في تقرير المسألة وعرضها واستعمال الأدلة الشرعية.

وتتمثل الإدارة القرآنية لقضية الخلاف في الآراء، ومنها الآراء الفقهية في الآيات الآتية:

أولاً: قال الله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَا تَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء: 83].

ثانياً: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [آل عمران: 105].

ثالثاً: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ . الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [الحج: 40، 41]

رابعاً: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: 125].

وسائل إدارة المذهبية الفقهية

وضع علماء الشريعة الإسلامية علوماً وقواعد مستقلة لإدارة الخلاف الفقهي، منها:

1. علم آداب البحث والمناظرة.

2. علم الخلاف([53]).

3. علم الجدل([54]).

4. قاعدة مراعاة الخلاف.

5. قاعدة الاستحسان.

6. قاعدة المصالح المرسلة.

ومن مظاهر إدارة الخلاف الفقهي، الاتفاق على الأدلة الشرعية والأصول التي يرجع إليها المجتهدون، وقد ذكر ذلك الإمام الشاطبي، حيث قال في الموافقات: "إنَّ الخَصْمَيْن؛ إمَّا أن يتَّفقا على أصل يرجعان إليه، أم لا، فإن لَم يتَّفقا على شيءٍ، لَم يقع بمناظرتهما فائدةٌ بحال"([55])

وسنقوم في المباحث الآتية بعرض مجموعة من أسس إدارة الخلاف الفقهي التي نراها مناسبة لاستثمار المذاهب الفقهية في حل الإشكالات المعاصرة، والتصدي للتحديات التي تواجه الفقه الإسلامي.

المبحث الثاني

ترشيد المذهبية الفقهية من خلال النظر في المآلات وتأصيل قواعد الخلاف

نتناول في هذا المبحث موضوعات كلية تعد أصلاً من أصول الإدارة الأرشد للمذهبية الفقهية، ونتناول كلاً منها في مطلب لبيان أثرها في إدارة الخلاف الفقهي والمرونة المطلوبة للفتوى في نوازل العصر، وهي:

-تأصيل النظر في المآلات.

-قاعدة مراعاة الخلاف الفقهي.

-قاعدة الخروج من الخلاف.

المطلب الأول: تأصيل النظر في المآلات وأثره في اتّساع الفتوى واعتبار مذاهب المجتهدين

إنّ من الأصول المعتبرة في الشريعة الإسلامية رعاية مقاصد الشريعة الإسلامية، لأنها أصول كلية، وقد ثبت لدى المجتهدين أن الشريعة الإسلامية تدور على معنى رعاية المصالح ودفع المفاسد، وقد سار أئمة المذاهب الإسلامية على هذا النهج في إدارة الخلاف الفقهي فيما بينهم، وذلك لأن هذه المقاصد هي التي تمثل عنصر المرونة في الشريعة، وتضمن تفاعلها مع متغيرات الزمان والمكان وطبائع الأحوال واختلاف الأحوال والعوائد والنيات، ومن ثم تكون صالحة لكل زمان ومكان.

ومن الآليات المستعملة لتحقيق مقاصد الشريعة الكلية التي ثبت أن الشارع جعل الأحكام دائرة عليها: النظر في مآلات الأمور، يقول الإمام الشاطبي: "النظر في مآلات الأفعال أصل معتبر مقصود شرعاً([56])، بحيث يكون مآل الشيء سبباً في معرفة حكمه الشرعي، وعلامة على مراد الله تعالى في المسألة.

وإنّ هذا الأصل الكبير تتفرع عنه قواعد فقهية وأصولية متنوعة، لكن ينبغي أن نوضح المراد بالنظر في المآل أولاً، فنقول:

المآل: لغة: "من آل الشيء يؤول أولاً ومآلاً إلى كذا: أي رجع وصار إليه والأول: الرجوع"([57])، وآل الملك رعيته يؤولها أولاً وإيالاً: ساسهم وأحسن سياستهم وولي عليهم"([58]).

وأما المآل في الاصطلاح؛ فهو تكييف الحكم الشرعي على وفق النتائج المترتبة على الواقع([59]).

"وذلك أنّ المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل"([60])، فالمجتهد عليه أن يقدر مآلات الأفعال التي هي محلّ الفتوى، وأن يقدر عواقب حكمه وفتواه، وألا يعتبر أن مهمته تنحصر في إعطاء حكم شرعي مجرّد، بل مهمته أن يحكم في الفعل وهو يستحضر مآله أو مآلاته، وأن يصدر الحكم وهو ناظر إلى أثره أو آثاره بما يحقق الغاية التي قصدها الشارع من التشريع"([61]).

"وعلى هذا فكلّ فعل يفضي إلى غير غايته التي رسمها الشارع، أو إلى مآل هو مفسدة مساوية للمصلحة التي شرع الحكم من أجلها أو راجحة عليها، لم يبق مشروعاً، لأنّ العبرة بهذه النتيجة في تكييف الفعل، وهي مناقضة لمقصد الشرع، لذا يلزم المجتهد في التشريع الاجتهادي أو التطبيقي –توقياً لهذه المناقضة- أن ينظر في هذه المآلات والنتائج، ويمنع الفعل أو يأذن فيه على ضوء منها"([62]).

ومن القواعد التي تتفرع عن أصل النظر في المآلات: قاعدة الذرائع، وقاعدة الحيل، وقاعدة مراعاة الخلاف، وقاعدة الاستحسان، وعلى هذا المنوال نجد عند الحنفية أحكاما لما تعم به البلوى، وحكّموا الاستحسان، وهو قياس خفي مقابل قياس ظاهر لرفع الحرج، وفي مذهب الشافعي ظهر ما يسمى بالمصلحة المرسلة عند الإمام الجويني ثم الغزالي، حتى إذا جاء عز الدين بن عبد السلام، وألف القواعد الكبرى، قرر فيها القواعد التي تبلورت عند الشافعي والعلماء في حل المشكلات، والنزول في الموقع الوسط بين تطبيق التشريع ، ومراعاة المكان وتحول الحال.

ومطلوبنا في هذا الموضوع إيضاح أن النظر في مآلات الأفعال نظرة واقعية راعتها الشريعة الإسلامية، وبذلك يمكن الاستناد إليها في إدارة الخلاف الفقهي بين المذاهب الإسلامية، بحيث يمكن للعلماء والمجتهدين والمجامع الفقهية أن يبرزوا هذا الأصل في ترجيح الآراء الفقهية في المسائل العامة التي تعرض للدول والمجتمعات.

هذا؛ وإنّ قاعدة مراعاة الخلاف هي من أهم القواعد التي تنبثق عن أصل النظر في المآلات، وسنتناولها في المطلب الآتي.

المطلب الثاني: قاعدة مراعاة الخلاف في تنوع الأحكام والفتاوى

في الزمن الذي كانت فيه المذهبية هي السمة البارزة في العالم الإسلامي ظهر الالتزام الأخلاقي من هذه المذاهب في إنصاف الآخرين ومن ذلك أن الإمام الشافعي اشتهر عنه قوله: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"، ومنه الحكاية الشهيرة لأبي جعفر المنصور مع الإمام مالك، حيث عزم المنصور على فرض الموطأ على الناس، ليكون منه قانون واحد، قال عياض: " قال له -أي أبو جعفر المنصور لمالك- إني عزمت أن أكتب كتبك هذه نسخا، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين بنسخ، آمرهم بأن يعملوا بما فيها، والاّ يتعدوها إلى غيرها من هذا العلم المحدث، فإنني رأيت أصَل العلم، روايةَ أهل المدينة وعملهم، فقلت -يقصد الإمام مالك-: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث وروايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به ودانوا له من اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن ردهم عما اعتقدوا شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم، فقال: لو طاوعتني على ذلك لأمرت به"([63])، ومنه العمل بأصل مراعاة الخلاف عند المالكية، وتوسيع دائرة العمل بلازم المذهب المخالف جهد الإمكان، وتصحيح جمل من العقود عندهم.

كما إن قاعدة مراعاة الخلاف من القواعد الهامة في الفقه الإسلامي، وهي قاعدة عظيمة أكثر السادة المالكية من الأخذ بها والاعتماد عليها، ومقصود هذه القاعدة أصالة إعمال روح الاجتهاد والتوسع في تلبية حاجات الناس في مختلف الأزمنة والأمكنة بما تقتضيه مقاصد الشريعة الإسلامية.

وينبغي التنبه إلى أنّ مراعاة الخلاف من الأصول التي يحتجّ بها الإمام مالك رحمه الله فيما نقل عنه من فروع فقهية، وقال بها كذلك اللخمي وابن العربي المالكيان، قال ابن العربي: "القضاء بالراجح لا يقطع حكم المرجوح بالكلية، بل يجب العطف عليه بحسب مرتبته لقوله عليه الصلاة والسلام: (الولد للفراش وللعاهر الحجر)([64])"([65])، وكذلك قال بمراعاة الخلاف جماهير علماء المالكية، واختلف مذهب ابن القاسم في ذلك، فمرة لم يراعه، ومرة راعى القوي ولم يراع الشاذ([66]).

واعترض على القول بمراعاة الخلاف مجموعة من علماء المالكية، منهم القاضي عياض وأبو عمر بن عبد البر، والشاطبي في بداية الأمر لإشكالات عرضت لهم([67])، ثم صار جملة المالكية إلى الأخذ به.

ومنشأ الاعتراض أنّ من المقرر شرعاً أن الواجب على المجتهد أن يعمل بما أدى إليه اجتهاده، إذ هو الراجح في نظره، ولا يجوز له أن يعمل باجتهاد غيره، لأنّ اجتهاد غيره مرجوح في نظره، وإلا لما خالفه فيه، وقد تضافرت الأدلة الشرعية على وجوب العمل بالراجح حتى نقلوا الإجماع على ذلك([68]).

لكن كثيراً من الأئمة قبلوا هذا الأصل وأقروه، لأنه ليس فيه خروجاً عن مقتضى الأصول الشرعية، بل قول بدليل شرعي معتبر من جهة ما، وإنما كان لهذا الأصل قبول عند المالكية "إعمالاً منهم لرُوح الاجتهاد، والنظر في النصوص والأقوال بعين تُراعي الواقع، وتَستحضر الأحوال، ولَم يكن ذلك ليوقعهم في اتِّباع الهوى أو الأغراض، أو ليَميل بهم إلى ناحية الخروج عن المتَّفق عليه من الأقوال عن عبَث وجهلٍ"([69]).

وختاماً لهذا المطلب؛ نقول في نقاط موجزة:

- إنّ الأخذ بأصل مراعاة الخلاف عند السّادة المالكية يحقّق لنا مفهوم الإدارة الأرشد للخلاف الفقهيّ بين المذاهب الفقهية، بناءً على أسس صحيحة تأخذ مآلات الأمور بعين الاعتبار، وتكفل تحقيق المقاصد الشرعية في الأحكام.

- الأخذ بمراعاة الخلاف أخذ بجميع الأدلة الشرعية في المسألة الواحدة، بحيث يعمل المجتهد كل دليل من جهة معينة، بحيث يحقق مصلحة المستفتي ومصلحة المجتمع عموماً.

- مراعاة الخلاف ليست تركاً للاجتهاد المعتبر، بل هي ضرب آخر من ضروب الاجتهاد، وهو عند كثير من الفقهاء أصل معتبر ومعتمد.

- ينبني على مراعاة الخلاف الأخذ باجتهادات الفقهاء من مختلف المذاهب المعتبرة، وذلك يحقق للشريعة الإسلامية مرونة كبيرة، تضمن بقاءها فاعلة في التقنين الفقهي وحل مشكلات الناس.

المطلب الثالث: قاعدة الخروج من الخلاف وأثرها في إدارة الخلاف الفقهي

قاعدة الخروج من الخلاف قاعدة فقهية مشهورة عند الفقهاء، وتدل على حسن التعامل مع أقوال المذاهب الفقهية، وسعة الأفق العلمي والحضاري عند علمائنا المسلمين، وهي في الوقت نفسه من آليات الإدارة الراشدة للخلاف الفقهي.

وينص علماء أصول الفقه وفقهاء المذاهب على استحباب الخروج من الخلاف حيث أمكن ذلك، لأن خلاف الفقهاء هو خلاف معتبر مؤيد بأدلة صحيحة ومناهج مقبولة معتبرة.

معنى الخروج من الخلاف

ويعرف الإمام الزركشي الخروج من الخلاف في كتابه [المنثور في القواعد] بأنه: "اجتناب ما اختلف في تحريمه، وفعل ما اختلف في وجوبه"([70]).

ومعنى ذلك: أن من يعتقد جواز فعل يترك فعله إن كان غيره يعتقده حراماً، أو عدم وجوب فعل يفعله إن كان غيره يعتقده واجباً، وذلك كي لا يقع في فعل يعتقده البعض إثماً، أو بفعل عبادة يعتقدها البعض باطلة، وبذلك يكون قد خرج من خلاف العلماء.

حكم الخروج من الخلاف عند الفقهاء ومسوغاته

تكاد تجمع كلمة العلماء على أنّ الخروج من الخلاف مستحب([71])، قال ابن السبكي: "ويكاد يحسبه الفقيه مجمعاً عليه من أن الخروج من الخلاف أولى وأفضل"([72]).

ويقول ابن عابدين: لأنّ الاحتياط في الدين مطلوب، ومراعاة الخلاف أمر محبوب، سواء كان قولاً ضعيفاً في المذهب، أو كان مذهب الغير كيف وقد صحح"([73]).

ويقول القرافي "وهو مندوب إليه"([74])، و"تختلف مراتب الندب بحسب قوة دليل المخالف وضعفه"([75]).

والمسوّغ للخروج من الخلاف هو الاحتياط والورع، وهو المعبر عنه بالاستبراء للدين، "وهو مطلوب شرعاً مطلقاً، فكان القول بأنّ الخروج أفضل ثابت من حيث العموم"([76]).

يقول الزركشي: "وقد راعى الشافعي وأصحابه خلاف الخصم في مسائل كثيرة، وهو إنما يتمشّى على القول بأنّ مدعي الإصابة لايقطع بخطأ مخالفه، وذلك لأنّ المجتهد لما كان يجوز ما غلب على ظنه، ونظر في متمسّك خصمه فرأى له موقعاً راعاه على وجه لا يخلّ بما غلب على ظنه، وأكثره من باب الاحتياط والورع"([77]). ويقول القرافي: "ومن الورع الخروج من خلاف العلماء"([78]).

ومن الأدلة العامة الدالة على الخروج من الخلاف: أنه مستحب للورع، وهو مطلوب شرعاً مطلقاً، فكان القول بأنّ الخروج من الخلاف مستحب ثابتاً من حيث العموم([79]).

ومن الأدلة الخاصة الدالة على الخروج من الخلاف قوله تعالى: (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام: 90]، ووجه الاستشهاد بهذه الآية أن الله تعالى أمر بالأخذ بهداهم جميعاً، وقد علم منهم الاختلاف، ولا يحصل الأخذ بهداهم جميعاً إلا بالخروج من خلافهم([80]).

وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا، فقال: (أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)([81]).

ووجه الدلالة في الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتمسّك بهدي الخلفاء الراشدين، ومعلوم أنهم اختلفوا، ولا يكون التمسك بهديهم جميعاً إلا بالخروج من خلافهم.

وقد روي الأمر بالخروج من الخلاف عن عدد من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.

"ومن ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنا سُئلت عن أكل الصيد للمحرم إذا لم يصبه، فقالت: إنما هي أيام قلائل، فما رابك فدعه، يعني ما اشتبه عليك هل هو حلال أو حرام فاتركه، فإن الناس اختلفوا في إباحة أكل الصيد للمحرم إذا لم يصده هو"([82]).

وما ورد أن ابن عمر عاب على عثمان صلاته بمنى أربعاً، ثم صلى خلفه، فقيل له في ذلك، فقال: "الخلاف شر"([83])، فدلّ على أنّ الخروج منه أفضل.

ولم يقتصر العلماء على الجانب النظري في الخروج من الخلاف، بل أيدوه بالتطبيق الواقعي، حيث يروى أن الإمام المازري أمّ في صلاة جـهرية بـبعض الشافعية، ثم استهل الفاتحة بالبسملة سراً، فتـفطن له أحد المأمومين، وبعد الفراغ أخبره أنه سمعه يقرأ بالبسملة سـراً، وهي ليست من مذهب إمامه، فأجابه بقولته، المشهورة: "لأن تُكره صلاتي على مذهب مالك، خير من أن تبطل على مذهب الشافعي"([84]).

هذا وإنّ تلازم المذهبية وقواعد الأخلاق والالتزام المبدئي بها، يحيلنا على موقف فقهاء المذاهب من الرسالة العامة للقرآن الكريم([85]).

المبحث الثالث

ترشيد المذهبية من خلال الاجتهاد الجماعي

المطلب الأول: معنى الاجتهاد الجماعي وتأصيله في زمن النبي صلى الله عليه وسلم

يعدّ مصطلح الاجتهاد الجماعي من المصطلحات المعاصرة، إذ لم يرد لـه ذكـر عند المتقدمين، أما من حيث الممارسة العملية فقد شهد تاريخ التشريع الإسلامي جملة من الوقائع التي هي في حقيقتها اجتهاد جمـاعي وإن لم تسم بهـذا الاسـم.

وعرفته ندوة الاجتهاد الجماعي في العالم الإسلامي بأنه: "اتفاق أغلبية المجتهدين في نطاق مجمع أو هيئة أو مؤسسة شرعية ينظمها ولي الأمر في دولة إسلامية على حكم شرعي عملي لم يرد به نص قطعي الثبوت والدلالة بعد بذل غاية الجهد فيما بينهم في البحث والتشاور"([86]).

وهناك فرق بين الاجتهاد الجماعي والإجماع، فالاجتهاد الجماعي هو أحد الوسائل الموصلة إلى الإجماع، وهو وسيلة مفضية للإجمـاع الذي لا يـستلزم بالضرورة لهذا النـوع مـن الاجتهـاد الجماعي، لا سـيما وقـد شـهدت الأمـة انعقـاد الإجمـاع باجتهادات فردية.

ويعتبر الاجتهاد الجماعي من أهم الآليات في ترشيد إصدار الأحكام الشرعية وضبطها، وقد بدأت هذه الآلية والمنهجية منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم ثم ظهر ذلك بشكل جلي بعد انتقال المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وظهور مستجدات وأحداث جديدة لم يسبق لها عهد بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، ولم ينزل نصّ شرعي خاص بها.

وللتعامل مع هذه المسائل والحوادث كان لزاماً على الصحابة رضي الله عنهم أن يجتهدوا فيما لا نص فيه، فكان منهم ذلك قبل وفاته صلى الله عليه وسلم في بعض الحالات التي يكون فيها النبي صلى الله عليه وسلم بعيداً عنهم، ثم يسألونه عمّا صدر منهم فلا يُعنف أحداً، فكان ذلك إيذاناً منه على مشروعية الاجتهاد، إضافة إلى النصوص الشرعية العديدة التي تبين ذلك([87]). 

إن الاجتهاد الجماعي في عصره صلى الله عليه وسلم يظهر من خلال مشاوراته للصحابة رضي الله عنهم في معالجة الأمور العامة التي تطرأ على الأمة الإسلامية كاستشارته صلى الله عليه وسلم للصحابة في الخروج إلى غزوة بدر حين عقد النبي صلى الله عليه وسلم مجلساً شورياً لدراسة الوضع الراهن مع الصحابة، ثم أشار عليه الصحابة رضي الله عنهم بتحويل مكانه في بدر، فاستجاب لهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا استشارهم في أسارى بدر وما يفعل بهم، وأخذ برأي أبي بكر الصديق رضي الله عنه بفدائهم، وغيرها كثير من الأمور التي عقد لها النبي صلى الله عليه وسلم مجالس للشورى.

ثم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أخذ هذا الاجتهاد الجماعي شكلاً آخر يتمثل بتشاور الصحابة رضي الله عنهم للخروج بالحكم الشرعي فيما لا نصّ به عن النبي صلى الله عليه وسلم، بسبب كثرة الوقائع في تلك الفترة وفتح بلدان جديدة، فتعامل الصحابة رضي الله عنهم مع نوازل جديدة، وتعرفوا على عادات لم تكن في بلادهم وكان أوّل من أقرهم على هذا الأمر هو النبي صلى الله عليه وسلم حين أرسل معاذاً إلى اليمن فسأله: (كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟)، قال: أقضي بكتاب الله، قال: (فإن لم تجد في كتاب الله؟)، قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا في كتاب الله؟) قال: أجتهد رأيي، ولا آلو فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره، وقال: (الحمد لله الذي وفق رسول، رسول الله لما يرضي رسول الله)([88])، ومن الأمثلة على الاجتهاد الجماعي عند الصحابة رضي الله عنهم، الاجتهاد الجماعي في اختيار خليفة للمسلمين حين اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وتداول الصحابة رضي الله عنهم الرأي فيمن يكون خليفة للمسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى استقر رأيهم على أبي بكر الصديق رضي الله عنه([89]).

وكذا الاجتهاد الجماعي عند انتشار الطاعون في بلاد الشام، فاستشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه من معه من الصحابة في مواصلة السير إليها، أو العودة فراراً من الطاعون، والاجتهاد الجماعي في معركة مؤتة حين تراءى الجيشان فتشاور الصحابة رضي الله عنهم بالرجوع إلى المدينة المنورة دون قتال أو المضي قدماً في قتال الروم، وغيرها من الأمثلة كثير.

فتأصيل الاجتهاد الجماعي يعود في أصله إلى عصر الرسالة والخلفاء الراشدين، ثم بنى الفقهاء المعاصرون على هذا الأصل.

المطلب الثاني: آليات الإدارة الأرشد للخلاف الفقهي والخطاب الإفتائي المعاصر من خلال الاجتهاد الجماعي

تبرز أهمية الاجتهاد الجماعي من خلال الحاجة لمعرفة الحكم الشرعي للوقائع الجديدة التي تطرأ على المجتمع والتي لم تكن موجودة في زمن السابقين، ولم تصدر الفتاوى بالأحكام الشرعية المتعلقة بها على وجه الخصوص، أو بسبب تغير الظروف المحيطة بالحكم الشرعي، أو تغير الأسباب المحيطة بحكم شرعي في عصر من العصور مما يستدعي تغير الحكم الشرعي تبعاً لتغير هذه الظروف، فالأحكام قد تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والعوائد والنيات مراعاة لتحقيق المقاصد العامة التي جاءت الشريعة الإسلامية للمحافظة عليها وهي حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل، فتكون الحاجة إلى الاجتهاد حاجة دائمة ما دامت وقائع الحياة تتجدد، وأحوال المجتمع تتغير وتتطور، وما دامت شريعة الإسلام صالحة لكل زمان ومكان، وحاكمة في كل أمر من أمور الإنسان.

والمسائل الطارئة في زماننا وواقعنا قد تتعلق بجمهور الناس، فتتسم بسمة العموم، ولم يتقدم لها نظير في أبواب الفقه، إذ الأصل أن يكون الاجتهاد فيها جماعياً لأن ذلك أقرب إلى الصواب وإلى عدم وقوع الاختلاف والمشقة والحرج بين الناس.

وعملية الفتوى وبيان الحكم الشرعي عبارة عن نظام متكامل له حلقاته ووسائطه وآلياته وأهدافه، ولا بدّ له من تنظيم وإدارة حتى يؤدي الغاية المنشودة على أحسن وجه ممكن.

وأول أسس الإدارة الراشدة للخلاف الفقهي الاعتراف بوجود الخلاف الفقهي والاعتداد بنتائجه إن كان معتبراً، حيث إن الخلاف الفقهي قديم بقدم الفقه الإسلامي ومذاهبه، وهذا ما يشكل الأساس الفكري لإدارة الفتوى بروح الوسطية والاعتدال المطلوبين.

ومن خلال ما سبق نجد بأن آليات الاجتهاد الجماعي وإدارة الخلاف الفقهي أصبحت تتمثل بالمؤسسات الكُبرى المتخصصة بالاجتهاد الجماعي وإصدار الفتاوى العامة والخاصة، ومن أشهر هذه المؤسسات:

أولاً: دور وهيئات الإفتاء القائمة في كل بلد أو إقليم من الأقاليم على مستوى العالم.

ثانياً: مجامع الفقه الإسلامي: والتي يتعدى عملها حدود الدولة أو الإقليم، وإنما تُعنى أيضاً ببيان الأحكام الشرعية وإصدار الفتاوى العامة المتعلقة بعموم الأمة وما يطرأ عليها من مستجدات على الساحة الدولية والعالمية.

ثالثاً: الاجتهاد الجماعي المتمثل بمظلة الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم في جمهورية مصر العربية.

رابعاً: الجهات المختصة بالاجتهاد الجماعي في مجالات وعلوم متخصصة: مثل منظمة "المعايير الشرعية" (aaoifi).

غير أن هذه الجهات في العالم الإسلامي قد تواجه صعوبات، من أهمها الفتاوى الفردية التي لا تراعي واقع الأمة ولا المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، والفتاوى التي تصدر من بعض الاتجاهات والتيارات لتوافق أهواءها وتحقق غاياتها، وفتاوى الجماعات التكفيرية والمتطرفة.

ولمواجهة هذه الصعوبات والتحديات الكبيرة، سواء الصادرة عن الغلاة والمتشددين وأصحاب الفكر التكفيري المتطرف، أو تلك الدعوات الصادرة عن أصحاب الدعوات الحداثية والعلمانية وغيرها؛ لا بد من وضع معالم ومعايير لتطوير الخطاب الإفتائي المعاصر.

وأقترح في هذا الصدد للاستجابة لهذه التحديات ما يأتي:

1. بناء الفتوى على مراعاة الخلاف بين الفقهاء المعتبرين ما أمكننا ذلك.

2. بناء الفتوى بالنظر إلى تغير معطيات الزمان والمكان، لأن اختلاف الفتوى بحسب هذه الاعتبارات لا ينكر، بل هو أمر مشروع ومعتبر.

3. بناء الفتوى على قاعدة حفظ مقاصد الإسلام الشرعية.

4. مراعاة أمن البلاد ومصالح العباد، واستقرار المعاملات والعقود في عملية الفتوى.

5. جعل سماحة الإسلام واعتداله نبراساً للفتوى، لا يحيد عنها المفتي، ليكون ذلك عوناً كبيراً في إظهار حقيقة الإسلام خصوصاً أمام الحضارات الأخرى والثقافات المتنوعة في العالم.

ولنختم هذا المطلب بكلمة للإمام الشاطبي رحمه الله تعالى، فيها خلاصة ما نبتغيه من وضع معالم هذا الخطاب الإفتائي المعاصر، يقول: "تقدم أن المقصود الشرعي في التشريع إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدا لله، وهذا كاف هنا، وينبني عليه قواعد وفقه كثير، من ذلك أن المقاصد الأصلية -إذا روعيت- أقرب إلى إخلاص العمل وصيرورته عبادة، وأبعد من مشاركة الحظوظ التي تغير في وجه محض العبودية"([90]).

فالمطلب النهائي لكل مسلم من عمله في هذه الدنيا، وفكره في أحوال نفسه وأحوال أمته أن يحقق رضا الله تعالى، وأن يكون كامل العبودية لله سبحانه، ولا يكون تحقيق ذلك على مستوى الأمة بصورة حضارية تليق بهذا الدين العظيم وبنبيه الكريم إلا بحسن التعامل مع التحديات التي نتعرض لها في واقعنا المعاصر، ومن ذلك تهذيب صناعة الفتوى مما ألم بها من الشذوذ والتطرف، ليصدق في هذه الأمة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلْفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ)([91]). والحمد لله رب العالمين

النتائج والتوصيات

- أولت الشريعة الإسلامية الإدارة أهمية كبيرة في جميع مناحي الحياة ومنها إدارة الخلاف الفقهي.

- الإدارة الفقهية هي الآليات والوسائل والإجراءات التي يتبعها الفقيه أو مجموعة من الفقهاء للتعامل مع الخلافات الفقهية تأصيلاً وتفريعاً، وصولاً إلى ترجيح حكم شرعي يظهر من خلاله حلول المشكلات المعاصرة، وذلك بحسب القواعد الفقهية والأصولية وعلوم الخلاف التي تميز بها الفقه الإسلامي.

- الاختلاف السائغ المقبول يقع في الفروع، وأما الاختلاف في الأصول فإنه مذموم وغير مقبول.

- الاختلاف أنواع: منه ما هو اختلاف تنوع، وهذا لا يعد خلافاً حقيقةً وفي هذا رحمة وسعة بالأمة، وذلك ليتسع الأمر ويتنوع، ومنه ما هو اختلاف تضادّ، ومنه ما هو سائغ مقبول، ومنه ما هو مذموم.

- الاختلاف الفقهي بين المجتهدين واقع لا محالة، مما يدعونا لوضع منهجية سليمة لإدارته والتعامل معه.

- وضع القرآن الكريم منهجاً متكاملاً لإدارة الخلاف الفقهي يتمثل في الآيات القرآنية التي بينت كيفية التعامل مع الخلاف الفقهي.

- وضعت الشريعة الإسلامية مجموعة من القواعد للتعامل مع الاختلاف الفقهي وإدارته.

- الشريعة الإسلامية تدور مع مصالح العباد وهو ما يسمى بالمقاصد العامة للشريعة الإسلامية، وهذا ما يجب أن يلحظه العلماء إبان إدارتهم للخلاف الفقهي.

- من القواعد التي وضعتها الشريعة الإسلامية لإدارة الاختلاف إدارة حكيمة:

1. قاعدة النظر في مآلات الأفعال.

2. قاعدة الخروج من الخلاف.

3. قاعدة مراعاة الخلاف.

4. قاعدة الاستحسان.

5. قاعدة سدّ الذرائع.

- الواجب على العلماء أن ينظروا إلى ما يترتب على اجتهاداتهم وفتاواهم من آثار قبل إصدارها، والنظر في مدى موافقتها أو مخالفتها للمقاصد العامة للشريعة الإسلامية.

- الأخذ بأصل مراعاة الخلاف عند السادة المالكية يحقق مفهوم الإدارة الأرشد للخلاف الفقهي بين المذاهب الفقهية.

- ينبني على الأخذ بمراعاة الخلاف الأخذ باجتهادات الفقهاء من مختلف المذاهب المعتبرة، وذلك يحقق للشريعة الإسلامية مرونة كبيرة، تضمن بقاءها فاعلة في التقنين الفقهي وحل المشكلات.

- الخروج من الخلاف مستحق حيث أمكن ذلك؛ لأن خلاف الفقهاء خلاف معتبر مؤيد بأدلة صحيحة ومناهج مقبولة معتبرة.

- الاجتهاد الجماعي من أهم الآليات في ترشيد إصدار الأحكام الشرعية وضبطها، وهو ضرورة ملحة في هذا العصر لضبط عملية الفتوى في القضايا العامة.

 

(*) مجلة الفتوى والدراسات الإسلامية، دائرة الإفتاء العام، المجلد الرابع، العدد التاسع، 1446هـ/ 2024م.

 

الهوامش


([1]) ابن فارس، أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، 1399هـ - 1979م، ج2، ص310.

([2]) الشاطبي، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، (1417هـ/ 1997م)، الموافقات، ط1، دار ابن عفان، ج4، ص355.

([3]) ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط3، 1414هـ 2/301، مادة خلف.

([4]) التهانوي، محمد علي الفاروقي، كشاف اصطلاحات الفنون، تحقيق: لطفي عبد البديع، دار الكاتب العربي 2/220.

([5]) إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، مكتبة الشروق الدولية، مجمع اللغة العربية، ط4، (1425ه/2004م)، 1/251.

([6]) الفيروز آبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، تحقيق: محمد علي النجار، المكتبة العلمية، بيروت 2/562.                                  

([7]) الكفوي، الكليات، 2/299، الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، 162.

([8]) أبو الوفاء البغدادي، علي بن عقيل بن محمد، الجدل على طريقة الفقهاء، مكتبة الثقافة، القاهرة، 1970م، ص1.

([9]) انظر: الجرجاني، علي بن محمد بن السيد الشريف، التعريفات، تحقيق: عبد المنعم الحفني، دار الرشادة القاهرة ص113.

([10]) ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، مقدمة ابن خلدون، تحقيق: علي عبد الواحد وافي، دار نهضة مصر، القاهرة، ص494.

([11]) طاش كبرى زاده، أحمد بن مصطفى، مفتاح السعادة ومصباح السيادة، تحقيق: كامل كامل بكري وعبد الوهاب أبو النور، دار الكتب الحديثة، القاهرة 1/306.

([12]) حاشية الفوائد الضيائية، 246، نقلاً عن: التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون 2/220.

([13]) الكفوي، أبو البقاء أيوب بن موسى الحسني، الكليات، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق1975م، 1/79-80.

([14]) انظر: المرجعين السابقين الصفحات نفسها.

([15]) الكفوي، الكليات، 1/80.

([16]) انظر: رد المحتار على الدر المختار المسمى حاشية ابن عابدين، 8/83، حيث نقل عنه قوله (والفرق أن للأول دليلا -أي الاختلاف- لا الثاني- أي الخلاف".

([17]) ابن الهمام 7/83: حيث نقل عنه قوله: (ومخالفة البعض غير معتبرة لأن ذلك خلاف لا اختلاف).

([18]) انظر: العلواني، طه جابر فياض، أدب الاختلاف في الإسلام، كتاب الأمة، العدد التاسع، ط1، يصدر عن رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية في دول قطر، جمادى الأولى، 1405هـ، 106.

([19]) حاشية ابن عابدين، 8/83.

([20]) الشيخ نظام وجماعة من علماء الهند 3/312.

([21]) انظر: الإسنوي، جمال الدين عبد الرحيم، نهاية السول شرح منهاج الوصول في علم الأصول للقاضي البيضاوي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1/33، البوطي، محمد سعيد رمضان، محاضرات في الفقه المقارن، الطبعة الثانية، دار الفكر، دمشق، 1401ه_1981م، 10.

([22]) المرجعين السابقين، الصفحات نفسها، البدخشي، مناهج العقول، 1/31-32.

([23]) الشافعي، محمد بن إدريس، الرسالة، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار الكتب العلمية، بيروت 560.

([24]) الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي، الاعتصام، ط1، دار المعرفة، بيروت، 1418هـ_1997م، 442.

([25]) السبكي وولده، علي بن عبد الكافي السبكي وولده تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول للقاضي البيضاوي، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1404هـ-1984م، 2/19.

([26]) المسائل الاجتهادية: هي ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً، انظر: البوطي، محاضرات في الفقه المقارن، 10.

([27]) الأشقر، عمر سليمان، فقه الاختلاف، ط2، دار النفائس، عمان 1414هـ _ 1994م، ص20.

([28]) ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله، جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، دار الكتب العلمية، بيروت،2/92.

([29]) بازمول، محمد بن عمر بن سالم، الاختلاف وما إليه، ط1، دار الهجرة، الرياض، 1415هـ -1995م، 19.

([30]) الموسوعة الفقهية، 2/292.

([31]) انظر: البيانوني، دراسات في الاختلافات الفقهية، 19؛ الدهلوي، حجة الله البالغة، 1/334، والإنصاف في بيان سبب الاختلاف، 41.

([32]) البخاري، صحيح البخاري مع فتح الباري، 7/195، حديث رقم 3476، و5/352، حديث رقم 2410، وأحمد، مسند أحمد بن حنبل، 7/107-108، بلفظ آخر.

([33]) الدهلوي، شاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الفاروقي، حجة الله البالغة، تحقيق: السيد سابق، دار الكتب الحديثة، القاهرة، مكتبة المثنى، بغداد، 1/334، والإنصاف في بيان سبب الاختلاف، 41.

([34]) الموافقات، 4/570.

([35]) المرجع السابق، 4/570.

([36]) انظر هذه الأنواع في الموافقات، 4/570-574.

([37]) بازمول، مرجع سابق، الاختلاف وما إليه، 19.

([38]) انظر: ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، تحقيق: ناصر بن عبد الكريم العقل، ط5، مكتبة الرشد، الرياض، 1417هـ-1996م، 1/134.

([39]) الموافقات، 4/574-575.

([40]) القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري، الجامع لأحكام القرآن، دار الفكر، بيروت، 1415هـ-1995م، 11/217.

([41]) متفق عليه، صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، رقم (5060)، وصحيح مسلم، كتاب العلم، باب باب النهي عن اتباع متشابه القرآن، والتحذير من متبعيه، والنهي عن الاختلاف في القرآن، رقم (2667).

([42]) انظر: التركي، متى يكون اختلاف الفقهاء رصيداً فكرياً نافعاً، مجلة الفيصل، العدد 188، ص18.

([43]) صحيح مسلم بشرح النووي، 16/218-219.

([44]) الشاطبي، الاعتصام، مرجع سابق،442.

([45]) انظر: البغدادي، ضوابط وأدب الخلاف، مرجع سابق،32.

([46]) الشاطبي، الموافقات، مرجع سابق4/569.

([47]) الشافعي، الرسالة، مرجع سابق، 560.

([48]) ابن حزم الأندلسي، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق: لجنة بإشراف الناشر، الطبعة الثانية، دار الحديث، القاهرة، 1413هـ-1992م، 5/62.

([49]) متفق عليه، صحيح البخاري، رقم (5060)، وصحيح مسلم، رقم (2667)، وقد سبق تخريجه.

([50]) انظر هذه الأدلة في الإحكام في أصول الأحكام، 5/65 وما بعدها.

([51]) الإحكام في أصول الأحكام، مرجع سابق، 5/65.

([52]) المرجع السابق 5/65.

([53]) انظر: الجرجاني، التعريفات: ص113.

([54]) البغدادي، الجدل على طريقة الفقهاء، مرجع سابق، ص1.

([55]) الشاطبي، الموافقات، مرجع سابق، ج4، ص355.

([56]) انظر: الشاطبي، الموافقات: ج4، ص552.

([57]) انظر: ابن منظور، لسان العرب: ج1، ص133، والفيروز آبادي، القاموس المحيط: ج3، ص331، وابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر: ج1، ص81.

([58]) ابن منظور، لسان العرب: ج1، ص135.

([59]) انظر: الشاطبي، الموافقات، ج4، ص552، والدريني، فتحي، نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي، ط2، دار البشير، عمان، ومؤسسة الرسالة، بيروت،1419هـ-1998م: ص167-168.

([60]) الشاطبي، الموافقات: ج4، ص552.

([61]) انظر: الريسوني، أحمد، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، ط4، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1416هـ_1995م، ص381.

([62]) انظر: الدريني، نظرية التعسف، مرجع سابق، ص167-168.

([63]) القاضي عياض، عياض بن موسى اليحصبي، ترتيب المدارك وتقريب المسالك، مطبعة فضالة، المحمدية، المملكة المغربية، ط1، 1965، ج2/ص72.

([64]) متفق عليه، صحيح البخاري، كتاب الفرائض، باب الولد للفراش حرة كانت أو أمة، رقم (6749)، وصحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب الولد للفراش وتوقي الشبهات، رقم (1457).

([65]) عليش، محمد، فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، الطبعة الأخيرة، شركة مكتب مصطفى البابي الحلبي، مصر، 1378هـ-1958م، 1/82، والمشاط، حسن بن محمد، الجواهر الثمينة في بيان أدلة عالم المدينة، تحقيق: عبد الوهاب بن إبراهيم أبو سليمان، ط2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1411هـ_1990م، ص235.

([66]) عليش، فتح العلي المالك، مرجع سابق: 1/82.

([67]) انظر: الشاطبي، الاعتصام، 2/422، والموافقات، 4/516، ابن الطالب عبد الله، إيصال السالك، 31، ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، 2/89، التواتي، الإسعاف بالطلب، 72، الجكني الشنقيطي، إعداد المهج للاستفادة من المنهج، 85، عليش، فتح العلي المالك، 1/82.

([68]) انظر: ابن الحاجب، جمال الدين أبي عمرو عثمان بن عمرو بن أبي بكر، منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل، دار الكتب العلمية، بيروت، ص216.

([69]) الصمدي، مصطفى، فقه النوازل عند المالكيَّة، مكتبة الرشد، المملكة العربية السعودية، الرياض، ط1، 2007م، ص377.

([70]) الزركشي، بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الشافعي، المنثور في القواعد، تحقيق: تيسير فائق أحمد محمود، الطبعة الأولى، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، 1412هـ_1982، 2/127-128.

([71]) انظر: الزركشي، المنثور في القواعد، 2/127، السيوطي، الأشباه والنظائر، 136، ابن السبكي، الأشباه والنظائر، 1/111، ابن عابدين، محمد أمين بن عمر، مجموعة رسائل ابن عابدين، 1/61، حاشية ابن عابدين، 1/250.

([72]) الأشباه والنظائر، 1/111.

([73]) ابن عابدين، مجموعة رسائل ابن عابدين، 1/61.

([74]) ابن عابدين، حاشية ابن عابدين، 1/250.

([75]) القرافي، شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس، الذخيرة، تحقيق: محمد بوخبزة، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1994م، 13/246.

([76]) ابن السبكي، الأشباه والنظائر، 1/112.

([77]) أبو حيان، محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان، البحر المحيط، تحقيق: صدقي محمد جميل، دار الفكر– بيروت، 1420ه، 6 /265.

([78]) انظر: القرافي، الذخيرة، 13/246.

([79]) انظر: ابن السبكي، الأشباه والنظائر، 1/112.

([80]) انظر: الجرهزي، المواهب السنية على نظم الفرائد البهية، ص204.

([81]) صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، رقم (867).

([82]) السَلامي، البغدادي، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، (1422هـ- 2001م)، جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، ط7، ج1، ص156، مؤسسة الرسالة – بيروت، 118-119.

([83]) ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله، جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، دار الكتب العلمية، بيروت، 2/81.

([84]) ملء العيبة، 3/245-247.

([85]) عبادي، أحمد، أهمية المذهبية الفقهية في الإعمال الأمثل لأحكام الشرع الحنيف، وبيان تهافت اللامذهبية، ص22.

([86]) سانو، قطب، أبحاث ندوة الاجتهاد الجماعي (2/1079) نقلاً عن الاجتهاد الجماعي المنشود، ص38.

([87]) الزحيلي، وهبة، أصول الفقه الإسلامي، دار الفكر، دمشق، سورية، ط1، 1986، ج1/ ص1067.

([88]) أبو داود، السنن، كتاب القضاء، باب اجتهاد الرأي في القضاء، (3/303).

([89]) انظر: صحيح البخاري (5/6)، حديث رقم (3668).

([90]) الشاطبي، الموافقات: ج2، ص328.

([91]) البيهقي، السنن الكبرى، رقم (20911).

رقم البحث [ السابق ]

اقرأ للكاتب

اقرأ للكاتب




التعليقات


Captcha


تنبيه: هذه النافذة غير مخصصة للأسئلة الشرعية، وإنما للتعليق على الموضوع المنشور لتكون محل استفادة واهتمام إدارة الموقع إن شاء الله، وليست للنشر. وأما الأسئلة الشرعية فيسرنا استقبالها في قسم " أرسل سؤالك "، ولذلك نرجو المعذرة من الإخوة الزوار إذا لم يُجَب على أي سؤال شرعي يدخل من نافذة " التعليقات " وذلك لغرض تنظيم العمل. وشكرا