أضيف بتاريخ : 09-03-2021


عقيدة أهل السنة والجماعة في حقيقة الأقوال في الشفاعة (*)

الدكتور عبدالله الربابعـة، مفتي في دائرة الإفتاء، دكتوراه في العقيدة الإسلامية

الدكتور عبدالله الخشاشنة، جامعة العلوم والتكنولوجيا، دكتوراه في العقيدة الإسلامية

ملخص

هدفت هذه الدراسة إلى الوقوف على مسألة الشفاعة بعامّة، وكذا على شفاعات سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم بخاصّة، وقد وضّحتُ معنى الشفاعة لغةً واصطلاحاً، وأجابت الدراسةً عن أسئلة: من يملك الشفاعة، عقائد المسلمين في الشفاعة، من هم الشفعاء، شروط الشفاعة، شفاعات الرسول صلى الله عليه وسلم، وخُتمت بأدلة النافين للشفاعة ومناقشتها، وقد تبيّن من خلال البحث أنّ الشفاعات الثابتة له صلى الله عليه وسلم بلغت ثمانية أنواع من الشفاعة، وأنّ أعظمها وأعلاها: شفاعته في الناس جميعاً لإراحتهم من هول الموقف.

المقدّمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شفيع الخلائق يوم الدين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فقد دلت آيات الكتاب العزيز وكذا أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم على أنه صلى الله عليه وسلم اختصّ دون غيره من إخوانه الأنبياء بأنواع من الشفاعة، أعظمها: الشفاعة العظمى، وهي الشفاعة في أهل الموقف، وهي المشار إليها بقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]، فقد جاء في السنّة المطهّرة أن المقام المحمود هو شفاعته صلى الله عليه وسلم في أهل الموقف لإراحة الخلائق مما يكونون فيه من الكرب الشديد، ... كما أن هنالك شفاعات أخرى دلّت عليها السنة المطهرة.

وللوقوف على الشفاعة بعامّة وكذا على شفاعاته صلى الله عليه وسلم بخاصّة كان هذا البحث الذي اشتمل على سبعة مباحث، هي:

المبحث الأول: الشفاعة لغة واصطلاحاً.

المبحث الثاني: من يملك الشفاعة.

المبحث الثالث: عقائد المسلمين في الشفاعة.

المبحث الرابع: من هم الشفعاء.

المبحث الخامس: شروط الشفاعة.

المبحث السادس: شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم.

المبحث السابع: أدلة النافين للشفاعة ومناقشتها.

والله تعالى أسأل أن يجنبنا الزلل والخطل، وأن يرزقنا شفاعته صلى الله عليه وسلم وصحبته في الآخرة، إنه أهل ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.

المبحث الأول

الشفاعة لغة واصطلاحاً

أولاً: الشفاعة لغة:

قال ابن فارس: "الشين والفاء والعين أصل صحيح يدل على مقارنة الشيئين"(1).

"والشفع: ضم الشيء إلى مثله"(2)، والشفع خلاف الوتر، وهو الزوج، تقول: كان وتراً فشفعته شفعاً، وشفع لي يشفع شفاعة وتشفّع: طلب، والشفيع: الشافع، والجمع شفعاء، واستشفع بفلان على فلان وتشفع له إليه فشفّعه فيه"(3)، وسميت الشَّفاعة بذلك؛ لأنّ المشفوع له يأتي بالشافع ليشفع له، فأصبحا بذلك شفعاً.

ثانياً: الشفاعة اصطلاحاً:

اختلفت عبارات العلماء وتعريفاتهم للشفاعة، من ذلك:

-"الانضمام إلى آخر ناصر له وسائلاً عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ورتبة إلى من هو أدنى"(4).

-"سؤال الخير للغير"(5).

-التوسّط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرّة"(6).

-أن يستوهب أحد لأحد شيئاً ويطلب له حاجة(7).

-"السؤال في التجاوز عن الذنوب من الذي وقعت الجناية في حقه"(8).

والناظر في التعريفات السابقة يرى أنها مجمعة على أنّ الشفاعة هي: طلب وسؤال الخير للغير من الأدنى للأعلى، ومن صور الخير: طلب دفع الضرر والشرّ عنه، أو هي الطلب أو السؤال في التجاوز عمّا اجترح من الذنوب والآثام.

المبحث الثاني

من يملك الشفاعة؟

الشفاعة ملك لله وحده، ومن رحمته بعباده أن وهبها من شاء من عباده، قال الله تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الزمر: 44].

"فالشفاعة كلها لله، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول ذلك لهم ليعلموا أن لا يملك الشفاعة إلا الله، أي: هو مالك إجابة شفاعة الشفعاء الحق، وتقديم الخبر المجرور، وهو (لله) على المبتدأ لإفادة الحصر، واللام للملك، أي قصر ملك الشفاعة على الله تعالى لا يملك أحد الشفاعة عنده، و(جميعاً) حال من الشفاعة مفيدة للاستغراق، أي لا يشذّ جزئي من جزئيات حقيقة الشفاعة عن كونه ملكاً لله، وقد تأكد بلازم هذه الحال ما دلّ عليه الحصر من انتفاء أن يكون شيء من الشفاعة لغير الله"(8)، وقال الله تعالى في آية أخرى: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86]، والاستثناء في الآية قد يكون متّصلاً وقد يكون منقطعاً، يقول الإمام القرطبي في تفسيره للآية: قوله تعالى: (إلا من شهد بالحقّ) "مَنْ" في موضع الخفض، وأراد بـ "الذين يدعون من دونه" عيسى وعزيراً والملائكة، والمعنى: ولا يملك هؤلاء الشفاعة إلا لمن شهد بالحقّ وآمن على علم وبصيرة، قاله سعيد بن جبير وغيره، قال: وشهادة الحقّ: لا إله إلا الله، وقيل: "مَنْ" في محلّ رفع، أي: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة، يعنـي الآلهة –في قول قتادة- أي لا يشفعون لعابديها إلا من شهد بالحقّ، يعني عزيراً وعيسى والملائكة، فإنهم يشهدون بالحقّ والوحدانية لله، (وهم يعلمون) حقيقة ما شهدوا به، وقيل: إنها نزلت بسبب أنّ النضر بن الحارث ونفراً من قريش قالوا: إن كان ما يقول محمد حقاً فنحن نتولى الملائكة، وهم أحق بالشفاعة لنا منه، فأنزل الله: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86]، أي اعتقدوا أن الملائكة أو الأصنام أو الجن أو الشياطين تشفع لهم ولا شفاعة لأحد يوم القيامة، (إلا من شهد بالحق) يعني المؤمنين إذا أذن لهم، قال ابن عباس: (إلا من شهد بالحق) أي شهد أن لا إلا الله وأن محمداً رسول الله، وقيل: أي لا يملك هؤلاء العابدون من دون الله أن يشفع لهم أحد إلا من شهد بالحق، فإن من شهد بالحق يشفع له ولا يشفع لمشرك، و(إلا) بمعنى لكن، أي لا ينال المشركون الشفاعة لكن ينال الشفاعة من شهد بالحق فهو استثناء منقطع، ويجوز أن يكون متصلاً، لأن في جملة (الذين يدعون من دونه) الملائكة"(9)، وقد سمّى الله تعالى شهادة الحق بالعهد في قوله تعالى: {لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} [مريم: 87]، فشهادة الحق هي شرط في الشافع والمشفوع له، وإذا كانت كذلك، فإنه ليس للمشركين من شفيع، كما قال: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18]؛ لأن الموحّدين لا يشفعون إلا لمن ارتضى، قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28]، ومن المعلوم أن المشركين ليسوا ممن ارتضى، ولو قدر أن شُفع لهم، فإنها شفاعة خاسرة لا تنفعهم، كما قال تعالى حكاية عن المجرمين: {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ* حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ* فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ } [المدثر: 46، 47]، وعندها أيقن الكفرة والمنافقون أن ليس لهم من صديق حميم ولا شفيع يطاع، قال تعالى حكاية عنهم: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ* وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [الشعراء: 100- 101].

المبحث الثالث

عقائد المسلمين في الشفاعة

اتفقت الأمة الإسلامية على إثبات الشفاعة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم اختلفوا بعد هذا لمن تكون الشفاعة؟ أهي للمؤمنين المستحقين للثواب، أم تكون لأهل الكبائر المستحقين للعقاب؟ فذهب المعتزلة، والخوارج، والإباضية، والقدرية، ومن وافقهم إلى أنها للمستحقين للثواب، وتأثير الشفاعة في أن تحصل زيادة من المنافع على قدر ما استحقوه، ومنعوا إسقاطها لعقوبة العاصي، وذلك انسجاماً مع مذهبهم في تخليد أهل الكبائر في النار، وقد اختار هذا الرأي جمهور الزيدية(10)، "وذهب بعض المعتزلة إلى إنكار الشفاعة جملة وتفصيلاً، وردّ الأخبار الصحيحة الواردة فيها وما دلّ عليه القرآن الكريم"(11).

أما أهل السنة والجماعة فقالوا بأنها حق، وهي إنما شرعت لتنال المطيع والعاصي، وهي داخلة في باب الفضل الذي يكرم الله به عباده، والله تعالى يختص برحمته من يشاء، ومن جملة تأثيراتها: إسقاط العقاب عن أهله، ودخولهم الجنة، وذلك بعد استيفائهم العذاب المقرر لهم بموجب قانون العدل الإلهي(12).

وقد نقل العديد من العلماء أن الأحاديث والآثار الواردة في أن شفاعته صلى الله عليه وسلم نائلة أصحاب الكبائر والتي بلغت مبلغ التواتر المعنوي(13)، "وانعقد عليها إجماع أهل الحق من السلف الصالح، قبل ظهور المبتدعة"(14)، يقول الإمام ابن تيمية: "... ولكن كثيراً من أهل البدع والخوارج والمعتزلة أنكروا شفاعته لأهل الكبائر، فقالوا: لا يشفع لأهل الكبائر، بناء على أن أهل الكبائر عندهم لا يغفر الله لهم ولا يخرجهم من النار بعد أن يدخلوها لا بشفاعة ولا بغيرها، ومذهب الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وسائر أهل السنة والجماعة أنه صلى الله عليه وسلم يشفع في أهل الكبائر، وأنه لا يخلد في النار من أهل الإيمان أحد، بل يخرج من النار من في قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال ذرة من إيمان"(15)، فمذهب أهل السنّة كما ذكره الإمام ابن تيمية هو : أنّ شفاعته صلى الله عليه وسلم نائلة أهل الكبائر، وهو مذهب السلف الصالح وهم أهل قرون الخيريّة في هذه الأمّة.

وقال الإمام الأشعري مناقشاً نُفاة الشفاعة ومبيناً وجه الحقّ في هذه المسألة: "قد أجمع المسلمون أن لرسول صلى الله عليه وسلم شفاعة، فلمن الشفاعة؟ أهي للمذنبين المرتكبين للكبائر؟ أم للمؤمنين المخلصين؟ فإن قالوا: للمذنبين المرتكبين للكبائر وافقوا، وإن قالوا للمؤمنين المبشرين بالجنة الموعودين بها، قيل لهم: فإذا كانوا موعودين بالجنة، وبها مبشرين، والله تعالى لا يخلف وعده، فما معنى الشفاعة لقوم لا يجوز عندكم أن لا يدخلهم الله جناته؟ ومن قولكم أنهم قد استحقوها على الله عز وجل واستوجبوها عليه سبحانه، وإذا كان الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة وكان تأخيرهم عن الجنة ظلماً، فإنما يشفع الشفعاء إلى الله تعالى في أن لا يظلم على مذاهبكم، تعالى الله عن افتراءكم عليه علواً كبيراً، فإن قالوا: يشفع النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى في أن يزيدهم من فضله، لا في أن يدخلهم جناته، قيل لهم: أوليس قد وعدهم عز وجل ذلك، فقال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 173]، والله تعالى لا يخلف وعده، فإنما يشفع إلى الله تعالى عندكم من أن لا يخلف وعده، وهذا جهل منكم، وإنما الشفاعة المعقولة فيمن استحق عقاباً، أن يوضع عنه عقابه أو في من لم يعده شيئاً أن يتفضل عليه به، فأما إذا كان الوعد بالتفضل سابقاً، فلا وجه لهذا"(16).

وهذا كلام من الإمام الأشعري في غاية الروعة والبيان، فقد كفى وشفى، ولا مزيد عليه، فقد ناقشهم مناقشة شرعية وعقلية، فقطع حجتهم، وأبطل مذهبهم، وانتصر لمذهب أهل السنة والجماعة القاضي بشمول شفاعته صلى الله عليه وسلم للعصاة والمذنبين.

وبناء على ما سبق؛ فإنّ هناك جوانب متعدّدة للشفاعة، وأهمها الجانب العقليّ، وقد أشرت لها في بداية المبحث تحت عنوان عقائد المسلمين في الشفاعة، حيث بينت أحاديث الشفاعة المفهوم العام للمؤمن من خلال تفصيلها في بيان حقيقة الداخلين للجنة، فمن دخل الجنة فهو مؤمن بنصّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخلها إلا مؤمن، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة... الحديث، فكل الداخلين إلى الجنة بمختلف درجاتهم هم مؤمنون، أما في الدرجات العلى فهم السابقون السابقون، وهؤلاء لا خلاف في فضلهم وسموهم، وهكذا من دونهم درجات، وبناء عليه فإن هناك دوراً لفهم أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم من الجانب العقلي، ولأنه يترتب عقلاً على من كان من أهل الشفاعة أن يكون من ضمن الداخلين من أهل الجنة، وهذا هو المراد من جملة أحاديث النبيّ صلى الله عليه وسلم، فالجانب العقلي مهم في موضوع الشفاعة، فمن كان من أهل الشفاعة فهو من أهل المغفرة.

المبحث الرابع

من هم الشفعاء

ذكر الله تعالى في كتابه العزيز ثلاثة أصناف من الخلق يشفعون، وهم:

الأول: الملائكة البررة

قال الله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 26-28]، قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28]: أي الذين ارتضاهم لشهادة أن لا إله إلا الله(17)، وعن مجاهد، قال: لمن رضي عنه(18)، فالملائكة يشفعون، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الله الشفاعة له، بأن يأذن للملائكة بالشفاعة له إظهاراً لكرامتهم ومكانتهم عند الله تعالى، وأكد الله تعالى هذا المعنى في قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26].

قال الإمام القرطبي في تفسير الآية: "اعلم أنّ الملائكة مع كثرة عبادتها وكرامتهم على الله، لا تشفع إلا لمن أذن أن يشفع له"(19)، "وأفردت الشفاعة في قراءة الجمهور، لأنها مصدر، ولأنهم لو شفع جميعهم لواحد لم تغن شفاعتهم عنه شيئاً"(20)، وإقناطهم عما طمعوا به من شفاعة الملائكة عليهم السلام موجب لإقناطهم عن شفاعة الأصنام بطريق الأولوية"21).

وفي السنة المطهرة؛ جاء الحديث عن شفاعة الملائكة الكرام، من ذلك ما رواه الشيخان بسندهما إلى أبي سعيد الخدري مرفوعاً: "شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون..."(22)، والحديث نصّ صريح في شفاعة الملائكة الأبرار عليهم السلام، والأحاديث الواردة في شفاعة الملائكة كثيرة.

الثاني: سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم

ولسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم شفاعات عديدة، جاءت بها آيات الكتاب العزيز، وكذا أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهذا ما سنأتي عليه مفصلاً –بإذن الله- في المبحث السادس من هذا البحث.

الثالث: الأنبياء والصالحون

فقد صرّحت السنة المطهرة بشفاعة الأنبياء والشهداء والصالحين، من ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: "شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون"(23)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "للشهيد عند الله عز وجل تسع خصال: ... ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه"(14)، والأحاديث في هذا الباب كثيرة، "والحاصل أنه يجب أن يعتقد أن غير النبيّ صلى الله عليه وسلم من سائر الرسل والأنبياء والملائكة والصحابة والشهداء والصديقين والأولياء على اختلاف مراتبهم ومقاماتهم عند ربهم يشفعون وبقدر جاههم ووجاهتهم يشفعون، لثبوت الأخبار بذلك، وترادف الآثار على ذلك، وهو أمر جائز غير مستحيل، فيجب تصديقه والقول بموجبه لثبوت الدليل هو قوله صلى الله عليه وسلم: "شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون"(23)، وهناك أعمال تشفع لصاحبها مثل الصيام وقراءة القرآن، قال الإمام ابن رجب: "والصيام يشفع لمن منعه الطعام والشهوات المحرمة كلها سواء كان تحريمها يختص بالصيام كشهوة الطعام والشراب والنكاح ومقدماتها، أو لا يختص به كشهوة فضول الكلام المحرم والسماع المحرم والنظر المحرم والكسب المحرم، فإذا منعه الصيام من هذه المحرمات كلها، فإنه يشفع له عند الله يوم القيامة، ويقول: يا رب منعته شهواته فشفعني فيه، فهذا لمن حفظ صيامه، ومنعه من شهواته، فأما من ضيع صيامه، ولم يمنعه عما حرمه الله عليه، فإنه جدير أن يضرب به وجه صاحبه، ويقول له: ضيعك الله كما ضيعتني... وكذلك القرآن إنما يشفع لمن منعه من النوم بالليل، فإن من قرأ القرآن وقام به فقد قام بحقه فيشفع له... (17)، كما في المسند عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فيشفعان"(16) .

المبحث الخامس

شروط الشفاعة

أشارت آيات الكتاب العزيز إلى شروط الشفاعة الصحيحة، وهي:

1. رضا الله تعالى عن الشافع، قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109]، فقوله تعالى: {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا}، عائد إلى قوله: {مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ}، وهو الشافع، واللام الداخلة على ذلك لام التعليل، أي: رضي الرحمن قول الشافع لأجل الشافع، أي: إكراماً له كقوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح: 1]، فإن الله ما أذن للشافع بأن يشفع إلا وقد أراد قبول شفاعته، فصار الإذن بالشفاعة وقبولها عنواناً على كرامة الشافع عند الله تعالى"(18).

2. رضا الله تعالى عن المشفوع له، وهذا فيما عدا الشفاعة العظمى في الموقف، فإنها لجميع الخلق، من رضي الله عنهم ومن لم يرض عنهم، ودليل هذا الشرط قوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى}، [الأنبياء: 28]، "أي لمن هو عند الله مرضي"(19)، أي وهم لا يشفعون إلا لمن رضي عنه، فلا تطمعوا في شفاعتهم لكم بغير رضاه تعالى"(28)، وقد أخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في البعث عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى}، قال: إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"(29).

3. إذن الله بالشفاعة، والإذن لا يكون إلا بعد الرضا عن الشـافع والمشفوع له، قال تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26]، وقال تعالى: {مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} [يونس: 3]، وقال سبحانه: {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23]، قال الشوكاني في تفسير هذه الآية: "أي لا تنفع الشفاعة في حال من الأحوال إلا كائنة لمن أذن له أن يشفع من الملائكة والنبيين ونحوهم من أهل العلم والعمل، ومعلوم أن هؤلاء لا يشفعون إلا لمن يستحق الشفاعة، لا للكافرين"(30)، فشروط الشفاعة هي: رضى الله تعالى عن الشافع، ورضاه سبحانه عن المشفوع له، وإذنه  تعالى للشافع بالشفاعة.

المبحث السادس

شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم

ذكر العلماء أنواع الشفاعات الثابتة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغت ثمانية أنواع، منها ما هو خاصّ بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ما هو مشترك بينه وبين غيره، وشفاعاته صلى الله عليه وسلم هي:

1. الشفاعة العظمى، وهي شفاعته صلى الله عليه وسلم في أهل الموقف حتى يقضي الله بينهم بعد طول الموقف عليهم، وبعد مراجعتهم الأنبياء عليهم السلام للقيام بها، فكل واحد منهم يقول: لست لها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، حتى يأتوا سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم فيقوم بها بعد إذن ربه، وهي المقام المحمود على ما سنبيّنه بعد قليل(31).

2. شفاعته صلى الله عليه وسلم في دخول أهل الجنة الجنة بعد الفراغ من الحساب(32).

3. شفاعته صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب في تخفيف العذاب عنه، وهي خاصة لأبي طالب، وهذه الأنواع الثلاثة هي من الشفاعات الخاصة بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم(33).

4. شفاعته صلى الله عليه وسلم فيمن استحق النار من عصاة الموحدين أن لا يدخلها(34).

5. شفاعته صلى الله عليه وسلم فيمن دخل النار من عصاة الموحدين أن يخرج منها(35).

6. شفاعته صلى الله عليه وسلم في رفع درجات بعض أهل الجنة فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم(36).

7. شفاعته صلى الله عليه وسلم في قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم أن يدخلوا الجنة، وهم أهل الأعراف على الراجح من قول العلماء(37).

8. شفاعته صلى الله عليه وسلم في دخول بعض المؤمنين الجنة بغير حساب ولا عذاب، كشفاعته صلى الله عليه وسلم في عكاشة بن محصن، حيث دعا له صلى الله عليه وسلم أن يكون من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب(38).

والأنواع الخمسة الأخيرة يشارك النبي صلى الله عليه وسلم فيها غيره من الأنبياء والملائكة والصديقين والشهداء، وأهل السنة والجماعة يؤمنون بهذه الشفاعات جميعها لتوافر الأدلة عليها مع إيمانهم أنها لا تتحقق إلا بعد تمام شروطها، أما المعتزلة فأنكروا كل شفاعة من شأنها أن تخرج من النار من دخلها، أو أن تدخل الجنة من استحق النار، وردّوا الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك.

قال الإمام الآجري: "والمعتزلة يخالفون هذا كله، لا يلتفتون إلى سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا إلى سنن الصحابة رضي الله عنه، وإنما يعارضون بمتشابه القرآن، وبما أراهم العقل عندهم"(39).

هذه هي الشفاعات الثابتة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مجملة، أما تفصيل الكلام فيها فكالآتي:

أولاً: الشفاعة العامة لأهل المحشر:

وهذه الشفاعة خاصة بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وهي التي تكون لفصل القضاء بين الخلائق بعد أن يترددوا إلى الأنبياء، والكلّ يقول: لست لها، نفسي نفسي، إلا سيد الخلق محمداً صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها.

فقد روى الشيخان بسندهما إلى أبي هريرة مرفوعاً: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغمّ والكرب ما لا يطيقون، وما لا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم فيأتون آدم.

فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا، فيقول آدم: إنّ ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح صلى الله عليه وسلم.

فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض، وسمّاك الله عبداً شكوراً، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم.

فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبيّ الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وذكر كذباته، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى صلى الله عليه وسلم.

فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول الله، فضّلك الله برسالاته وبتكليمه، على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى عيسى صلى الله عليه وسلم.

فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله، وكلمت الناس في المهد، وكلمةٌ منه ألقاها إلى مريم، وروح منه، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنباً، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

فيأتون فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟

فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربي، ثم يفتح الله عليّ ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: يا رب أمتي، أمتي، فيقال: يا محمد ادخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه، من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى"(40)، وهذه الشفاعة هي المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: "لكل نبي دعوة يدعوها، فأريد أن اختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة"(41)، "وهذه الشفاعة العامة لأهل الموقف إنما هي لتعجيل حسابهم ويراحوا من هول الموقف، وهي الخاصة به صلى الله عليه وسلم، وقوله: "فأقول يا رب أُمتي أمتي"(42) اهتمام بأمر أمته، وإظهار محبته فيهم، وشفقته عليهم"، وهذه الشفاعة هي المقام الذي وعده صلى الله عليه وسلم.

فمن المعلوم أن الله تعالى وعد نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يبعثه المقام المحمود يوم القيامة، قال تعالى: {ومن الليل فتهجّد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربّك مقاماً محموداً} [الإسراء: 79]، وقد نقل العلماء المراد بالمقام المحمود فبلغت سبعة أقوال(45)، أرجحها كما نقل الحافظ ابن حجر أن المراد بالمقام المحمود: الشفاعة(44)، وقد دلّت على ذلك الأحاديث الشريفة، منها قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن المقام المحمود الوارد في الآية، فقال: "هي الشفاعة"(43).

وعن ابن عمر رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا كل أمة تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفع لنا، حتى تنتهي الشفاعة إليّ فذلك المقام المحمود"(46)، وأخرج أحمد وابن جرير والحاكم وصححه عن كعب بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل، ويكسوني ربي حلة خضراء، ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود"(47)، وأخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إنّ الناس يصيرون يوم القيامة جثاً، كل أمة تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفع، يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود(48).

وفي حديثه عن المقام المحمود، قال الحافظ ابن حجر: "والجمهور على أن المراد به الشفاعة، وبالغ الواحدي فنقل فيه الإجماع...، وقال الطبري: قال أكثر أهل التأويل: المقام المحمود هو الذي يقدمه النبي صلى الله عليه وسلم ليريحهم من كرب الموقف، ثم أخرج عدة أحاديث في بعضها التصريح بذلك، وفي بعضها مطلق الشفاعة...، وأشار الحافظ إلى بعض تلك الأحاديث، ولعلّ أصرحها الحديث المتقدم، وكذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]، قال: سئل عنها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هي الشفاعة(49)، وكذا ورد ذلك عن عدد كبير من الصحابة والتابعين(50).

ثانياً: شفاعته صلى الله عليه وسلم في أهل الجنة أن يدخلوها:

والدليل على هذه الشفاعة قوله صلى الله عليه وسلم: "أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعاً"(51).

ومن المعلوم أن المؤمنين إذا عبروا الصراط، حبسوا بقنطرة بين الجنة النار، فيقتص لبعضهم من بعض، والمراد بهذا القصاص "تنبع ما بينهم من المظالم وإسقاط بعضها ببعض"(52)، فإذا ما هذِّبوا أذن لهم في دخول الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: "إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا نقوا وهذّبوا أُذن لهم بدخول الجنة"(53) ...(54)، "والمراد بالمؤمنين هنا بعضهم"، وحبسوا بقنطرة: مكان(55)، قال القرطبي: هؤلاء المؤمنون هم الذين علم الله أنّ القصاص لا يستنفذ حسناتهم...، وخرج من هذا صنفان من المؤمنين: من دخل الجنة بغير حساب، ومن أوبقة عمله"(56).

ثالثاً: شفاعته صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب في تخفيف العذاب عنه:

من المعلوم أن أبا طالب عمّ النبي صلى الله عليه وسلم مات على الكفر، فعن سعيد بن المسيب عن أبيه، قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال: "أي عمِّ، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاجّ لك بها عند الله"، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعيدانه بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلّمهم، على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك"، فأنزل الله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113]، وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56](57).

ومن المعلوم أن أبا طالب كان كثيراً ما ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحسن إليه، لأنه كان صاحب حظوة وجاه في قومه، فكان يُحترم ويُقدّر وتُسمع كلمته من قريش لذلك.

ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعيش في كنف عمه أبي طالب، فإنّ الأيدي الآثمة ما كانت لتطاله، حيث كان يحميه من أذى قريش، ولأجل ما فعله مع الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أذن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يشفع فيه مع أنه كافر...، فعن أبي سعيد الخدريّ أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر عنده عمه فقال: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيُجعل في ضحضاح(60)، من النار يبلغ كعبه، يغلي منه دماغه"(59)، قال الإمام ابن تيمية: "فهذا نصّ صحيح صريح لشفاعته في بعض الكفار أن يخفف عنه العذاب، بل في أن يُجعل أهون أهل النار عذاباً، كما في الصحيح عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: "أهون أهل النار عذاباً أبو طالب وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه"(58)، وعن العباس بن عبد المطلب، أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: "هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار"(61)، وفي رواية مسلم: "وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح"(61)، {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48]، وهذه الشفاعة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، إذ لا يشفع أحد في كافر غير النبي صلى الله عليه وسلم(62)، "فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48]، قيل له: لا تنفعه في الخروج من النار كعصاة الموحدين الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة"(63)، فشفاعته صلى الله عليه وسلم من أجل تخفيف العذاب عن عمه، وليست من أجل إخراجه من النار، وهي ليست ثواباً للكافر، وإنما هي نوع من أنواع التطييب لقلب الشافع صلى الله عليه وسلم.

رابعاً: شفاعته صلى الله عليه وسلم في قوم استوجبوا النار بأعمالهم فيشفع فيهم فلا يدخلونها:

قال صاحب الإتحافات السنية: "وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، بمعنى أنها غير خاصة به، بل تكون للنبيين، حيث يشفعون في عصاة قومهم، وللصديقين يشفعون في عصاة أقاربهم وغيرهم من المؤمنين، وكذلك لغيرهم من الصالحين، حتى يشفع الرجل في أهله وفي جيرانه، وفيما أشبه ذلك، ولكن لا بدّ في هذه الشفاعة من ثلاثة شروط:

الشرط الأول: إذن الله تعالى فيها.

الشرط الثاني: رضاه عن الشافع.

الشرط الثالث: رضاه عن المشفوع له.

وقد اجتمعت هذه الشروط الثلاثة في قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26](64)، وكذلك جزم القاضي وابن السبكي بعدم اختصاصها به صلى الله عليه وسلم، وتردّد النووي في ذلك، قال السبكي: لأنه لم يرد نصّ صريح بثبوت الاختصاص ولا بنفيه، وجزم في الأنموذج (السيوطي) بأنها من خصائصه صلى الله عليه وسلم(65)، وقد استدل الحـافظ ابن حجر لهذا النوع من الشفاعة بحديث: ونبيّكم على الصراط يقول: رب سلِّم"(66)، وهذه الشفاعة قد تُستفاد من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم للمؤمنين بالمغفرة والرحمة على جنائزهم، فإنه من لازم ذلك أن لا يدخل النار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين.. الحديث"(67)، وتُستفاد أيضاً من قوله صلى الله عليه وسلم: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً، لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه"(68). لكن بشرط إذن الله ورضاه عن الشافع والمشفوع، كما تقدم.

خامساً: شفاعته صلى الله عليه وسلم فيمن دخل النار من المذنبين أن يخرج منها:

والأدلة على هذه الشفاعة كثيرة، من أشهرها قوله صلى الله عليه وسلم: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"(69)، وقد أسلفنا عن جمع كثير من العلماء أنهم نصّوا على أن الأحاديث الدالة على هذه الشفاعة بلغت مبلغ التواتر المعنوي.

قال الإمام النووي: "وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين، فأجمع السلف والخلف ومن بعدهم من أهل السنة عليها، ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها، وتعلقوا بمذاهبهم في تخليد المذنبين في النار، واحتجوا بقوله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48]، وقوله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18]، وهذه الآيات في الكفار، وأما تأويلهم أحاديث الشفاعة بكونها في زيادة الدرجات فباطل، وألفاظ الأحاديث في الكتاب وغيره صريحة في بطلان مذهبهم وإخراج من استوجب النار"(70).

وقال الإمام الآجري: "إنّ المكذب بالشفاعة أخطأ في تأويله خطأ فاحشاً، خرج به عن الكتاب والسنة، وذلك أنه عمد إلى آيات من القرآن نزلت في أهل الكفر، أخبر الله عز وجل: أنهم إذا دخلوا النار أنهم غير خارجين منها، فجعلها المكذب بالشفاعة في الموحدين، ولم يلتفت إلى أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم في إثبات الشفاعة، أنها إنما هي لأهل الكبائر، والقرآن يدل على هذا، فخرج بقوله السوء عن جملة ما عليه أهل الإيمان، واتبع غير سبيلهم، قال الله عز وجل: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]"(71).

أدلة القائلين بالشفاعة لأهل الكبائر:

وقد استدلّ أهل السنة والجماعة على هذه الشفاعة، بالعديد من آيات الكتاب العزيز وكذا أحاديث السنة المطهرة، والعقل، من ذلك:

1- قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} [آل عمران: 193].

قال الإمام الرازي: "احتج أصحابنا بهذه الآية على أن شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في حق أصحاب الكبائر مقبولة يوم القيامة؛ وذلك لأن هذه الآية دلّت على أن هؤلاء المؤمنين طلبوا من الله غفران الذنوب مطلقاً من غير أن يقيدوا ذلك بالتوبة، فأجاب الله قولهم وأعطاهم مطلوبهم، فإذا قبل شفاعة المؤمنين في العفو عن الذنب، فلأن يقبل شفاعة محمّد صلى الله عليه وسلم فيه كان أولى"(72).

2- وقوله: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمد: 19]، قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: "وللمؤمنين والمؤمنات": أي، ولذنوبهم، وهذا أمر بالشفاعة"(73)، ومن المعلوم أن مرتكب الكبيرة لا يزول عنه الإيمان بارتكابها إلا أن يستحلها، ولما كان قوله تعالى: {وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} عاماً يشمل جميعهم، فإخراج صاحب الكبيرة من هذا العموم مخالفة صريحة للنصّ وروحه، ومن جهة أخرى نعلم أن الله تعالى وعد رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه سيعطيه حتى يرضى، قال تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 5]. ومُحال أن يرضى صلى الله عليه وسلم وواحد من الموحدين في النار.

روي عن الحسن أنه سئل عن قوله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 5] قال: هي الشفاعة(74)، وعن ابن عباس، قال: لا يرضى محمد، وواحد من أمته في النار(75)، وعنه أيضاً: رضاه أن تدخل أمته الجنة كلهم(76)؛ وعليه، فالآية تُحمل على عمومها، وإخراج صاحب الكبيرة من هذا العموم مخالفة صريحة لروح النص ومنطوقه.

3- آيات عديدة في كتاب الله تعالى دلت بمنطوقها على جواز الشفاعة لأهل الكبائر، وبالشروط التي ذكرتها الآيات الكريمات، ولو كانت الشفاعة في حق أصحاب الكبائر غير المستحلين لها مستحيلة، لما قيدت بالإذن من الله تعالى؛ لأن الأمر المستحيل لا يكون ممكناً بحال، ومن تلك الآيات: قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109]؛ وقوله تعالى: {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23]، لو كانت الشفاعة من أجل زيادة الحسنات وعلو الدرجات –كما ذهب المعتزلة- لصحّ أن نكون شافعين في النبي صلى الله عليه وسلم حين نطلب من الله تعالى له الدرجة الرفيعة والفضيلة والوسيلة(77)، وهذا باطل من القول؛ لأن من شرط الشافع أن يكون مقامه ورتبته ودرجته أعلى من درجة ورتبة ومكانة المشفوع له، وإذا كان التالي باطل، فالمقدم مثله.

واستدلّ أهل السنة على إثبات الشفاعة لأهل الكبائر كذلك بمجموعة كبيرة من الأحاديث الشريفة التي بلغت بمجموعها حدّ التواتر المعنوي، ومن أشهرها:

1. قوله صلى الله عليه وسلم: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"(78)، والحديث –كما ترى في التخريج- جاء من عدة طرق، وهو نصّ صريح في أن الشفاعة تطال أهل الكبائر من المسلمين.

قال الإمام ابن خزيمة: "فأما قوله: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"، فإنما أراد: شفاعتي بعد هذه الشفاعة التي عمّت جميع المسلمين هي شفاعة لمن قد أدخل النار من المؤمنين بذنوب وخطايا قد ارتكبوها لم يغفرها الله لهم في الدنيا فيخرجوا من النار بشفاعته، فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "شفاعتي لأهل الكبائر" أي من ارتكب من الذنوب الكبائر فأدخلوا النار بالكبائر، إذ إن الله عز وجل وعد تكفير الذنوب الصغائر باجتناب الكبائر(79)".

ولو كانت الشفاعة للمؤمن التائب المطيع المقلع عن المحرمات، الملتزم بأداء الطاعات والعبادات، لم يكن لشفاعته معنى إلا الرغبة إلى الله عز وجل في أن لا يظلمه ولا يجوز عليه ولا يسفه بعقابه، وذلك لأن عقاب من هذا شأنه وديدنه ظلم وسفه على حدّ زعم المعتزلة، وخطرات الأنبياء والملائكة –عليهم أفضل الصلاة والسلام- أجلّ عند الله تعالى وأعظم من أن يتوسلوا في أن لا يظلم عبده ولا يجوز في حكمه(80).

2. وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم (أو قال بخطاياهم) فأماتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحماً، أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر جنائر(81)، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل"(81).

3. وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولاً الجنة، وآخر أهل النار خروجاً منها، رجل يُؤتى به يوم القيامة، فيُقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها، فتُعرض عليه صغار ذنوبه، فيُقال: عملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر، وهو مُشفق من كبار ذنوبه أن تُعرض عليه، فيُقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: ربّ قد عملت أشياء لا أراها ها هنا"، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه"(82).

4. وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن قوماً يخرجون من النار يحترقون فيها، إلا دارات وجوههم، حتى يدخلون الجنة"(83).

5. وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يخرج قوم من النار بعدما مسّهم منها سَفْعٌ، فيدخلون الجنة، فيسميهم أهل الجنة: الجهنميين"(84)، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

سادساً: شفاعته صلى الله عليه وسلم في رفع درجات بعض أهل الجنة فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم:

روى الشيخان بسندهما عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من حُنين بعث أبا عامر(85) على جيش إلى أوطاس(86)، فلقي دريد بن الصمّة، فقُتل دريد وهزم الله أصحابه، قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر، فرُمي أبو عامر في ركبته، رماه جُشمي لسهم فأثبته في ركبته، فانتهيت إليه فقلت: يا عم من رماك؟ فأشار إلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت إليه فلحقته، فلما رآني ولّى، فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي، ألا تثبت، فكفّ، فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته، ثم قلت لأبي عامر، قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته فنزا منه الماء، قال: يا ابن أخي اقرئ النبي صلى الله عليه وسلم السلام، وقل له: استغفر لي، واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيراً ثم مات، فرجعت فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم في بيته على سرير مرحل وعليه فراش، قد أثّر رمال السرير بظهره وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقال: قل له استغفر لي، فدعا بماء فتوضأ، ثم رفع يديه فقال: "اللهم اغفر لعبيد أبي عامر"(87). ورأيت بياض إبطيه، ثم قال: "اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس" فقلت: ولي فاستغفر، فقال: "اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريماً" قال أبو بردة: إحداهما لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى"(87).

ويدخل في إطار هذه الشفاعة، دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سلمة، حيث قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونوّر له فيه"(88)، ويدخل ضمن هذا الإطار –أيضاً- ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً، لا يشركون بالله شيئاً إلا شفّعهم الله فيه"(89).

ودعاء الأخ لأخيه نوع من الشفاعة فيه عند الله، سواء كان ذلك في الدنيا من الحي للحي، أو من الحي للميت أو كان ذلك يوم القيامة، قال ابن تيمية: "ولا ريب أن دعاء الخلق بعضهم لبعض نافع، والله قد أمر بذلك، لكن الداعي شافع؛ ليس له أن يدعو ويشفع إلا بإذن الله له في ذلك، فلا يشفع شفاعة نهى عنها، كالشفاعة للمشركين والدعاء لهم بالمغفرة، قال تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ* وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 113، 114]، وقال تعالى في حق المنافقين: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [المنافقون: 6]، فالشفيع الذي أذن الله له في الشفاعة: شفاعته في الدعاء الذي ليس فيه عدوان...(90).

وهذه الشفاعة –كما ترى- ليست خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل يشاركه فيها غيره من المؤمنين، والسؤال هنا: هل يعتبر دعاء المؤمن لأخيه من باب الشفاعة؟ وكيف ذاك والشفاعة لا تكون إلا بإذنه، وهو لم يستأذن من ربه؟ والجواب: إن الله تعالى أمرنا وحبّب إلينا الدعاء للميت، والأمر بذلك هو من قبيل الإذن، والله أعلم.

سابعاً: شفاعته صلى الله عليه وسلم في أهل الأعراف أن يدخلوا الجنة:

قال الحافظ: "ظهر لي بالتتبع شفاعة أخرى، وهي الشفاعة فيمن استوت حسناته وسيئاته أيدخل الجنة(91)، وهم أهل الأعراف...، فأهل الأعراف: قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، غادرت بهم سيئاتهم عن النار، وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة(92)، وهذا أرجح الأقـوال فيهم، كما قال الحافظ ابن حجر(93)، "... ويحتمل أن يكون أصحاب الأعراف من الأمة الإسلامية خاصة، ويحتمل أن يكونوا من سائر الأمم المؤمنين برسلهم، وأياً ما كان فالمقصود من هذه الآيات هم من كان من الأمة المحمدية"(94).

وقد استدل الحافظ ابن حجر لهذه الشفاعة بما أخرجه الطبراني عن ابن عباس قال: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه وأهل الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم(95).

وروى الحاكم بسنده عن حذيفة رضي الله عنه، قال: أصحاب الأعراف قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، فإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك، قال: قوموا ادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم(96)، قلت: ولا تعارض بين هذا الأثر وسابقه، لأنهم لا يدخلون الجنة إلا برحمة الله تعالى وإذنه وقبوله شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم، قال الإمام البيهقي: "فإذا أراد الله دخولهم الجنة، أمرهم بدخولها برحمته أو بشفاعة الشفعاء"(97)، والله أعلم.

ثامناً: شفاعته صلى الله عليه وسلم في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب:

روى الشيخان بسندهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "عُرضت عليَّ الأمم، فأجد النبيّ يمرُّ معه الأمة، والنبي يمرّ معه النفر، والنبي يمرّ معه العشرة، والنبي يمرّ معه الخمسة، والنبي يمرّ وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل، هؤلاء أمتي؟ قال: لا، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير، قال: هؤلاء أُمتك، وهؤلاء سبعون ألفاً قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب، قلت: ولم؟ قال: هؤلاء كانوا لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون"، فقام إليه عكاشة بن محصن فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهم، قال: "اللهم اجعله منهم"، ثم قام إليه رجل آخر قال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "سبقك بها عكاشة"(98)، وهؤلاء السبعون ألفاً دخلوا الجنة بشفاعة، وسؤال الرسول صلى الله عليه وسلم ربه، فقد روى أحمد في مسنده بسنده إلى أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سألت ربي عز وجل فوعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً على صورة القمر ليلة البدر... الحديث"(99)، وعن أبي أمامة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب مع كل ألف سبعون ألفاً، وثلاث حثيات من حثيات ربي"(100)، قال الإمام السندي في شرحه لسنن ابن ماجه: قوله: "وثلاث حثيات، قال السيوطي: قال في النهاية: هو كناية عن المبالغة عن الكثرة وإلا فلا كف ولا حثي، جلّ عن ذلك وعزّ. وقال السندي: وقد جاء: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67]، فهذه مثل ذلك الحديث، ولا يخفى أن هذه الآية تقتضي أن حثيه واحدة تكفي لتمام الأمة، فلعل في تعدد الحثيات تشريفاً للأمة، والله أعلم"(101).

المبحث السابع

أدلة النافين للشفاعة لأهل الكبائر ومناقشتها

استدلّ المعتزلة والخوارج والإمامية ومن معهم على نفي الشفاعة لأهل الكبائر بعدة أدلة من الكتاب والسنة، من أهمها:

أولاً: الأدلة من الكتاب العزيز:

1. قوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28]، ووجه الاستدلال بهذه الآية أن الله تعالى نفى أن يكون للظالمين شفيع البتة، ولو كان النبي شفيعاً للظلمة لكان لا أجلّ من الظالم ولا أعظم منه(102).

قال الإمام الرازي: "احتجت المعتزلة بقوله تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} على أن الشفاعة في الآخرة لا تكون لأهل الكبائر؛ لأنه لا يقال في أهل الكبائر: إن الله يرتضيهم.

والجواب: قال ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك: {إلا لمن ارتضى} أي لمن قال لا إله إلا الله"(103)، واعلم أن هذه الآية من أقوى الدلائل لنا في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر، وتقريره هو أن من قال لا إله إلا الله فقد ارتضاه تعالى في ذلك، ومتى صدق عليه أنه ارتضاه الله تعالى في ذلك فقد صدق عليه أنه ارتضاه الله، لأن المركب متى صدق فقد صدق لا محالة كل واحد من أجزائه، وإذا ثبت أن الله قد ارتضاه وجب اندراجه تحت هذه الآية، فثبت بالتقرير الذي ذكرناه أن هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على ما قرره ابن عباس رضي الله عنه"(104).

وأكد الإمام الباقلاني على أن الآية تردّ على من أنكر أصل الشفاعة، حيث "أخبر تعالى أن ثمّ شفاعة، لكن لمن أراد تعالى أن يشفع له وأذن في ذلك، ولم يرد إلا لمن رضي سائر عمله؛ لأن من رضي سائر عمله لا يحتاج إلى شفاعة، ويحتمل أن يكون {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28]، يعني لمن كان معه مرتضى، والمؤمن معه أفضل الأعمال التي ترضى، وإن كان عاصياً فاسقاً، وهو التوحيد والتصديق، وقوله: لا إله إلا الله، والذي لا يرضى عمله أجمع هو الكافر، فصحّ ما قلناه"(105).

"فإن قيل: الكلام على هذا الاستدلال من وجهين:

الوجه الأول: أن الفاسق ليس بمرتضى فوجب أن لا يكون أهلاً لشفاعة الملائكة، وإذا لم يكن أهلاً لشفاعة الملائكة وجب أن لا يكون أهلاً لشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم.

الوجه الثاني: أنّ الاستدلال بالآية إنما يتمّ لو كان قوله: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28]، محمولاً على أن المراد منه: ولا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله، أما لو حملناه على أن المراد منه: ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الله منه شفاعته، فحينئذ لا تدل الآية إلا إذا ثبت أن الله تعالى ارتضى شفاعة صاحب الكبيرة، وهذا أول المسألة.

والجواب عن الأول: أنه ثبت في العلوم المنطقية أن المهملتين لا يتناقضان، فقولنا: زيد عالم، زيد ليس بعالم، لا يتناقضان لاحتمال أن يكون المراد: زيد عالم بالفقه، زيد ليس بعالم بالكلام، وإذا ثبت هذا فكذا قولنا: صاحب الكبيرة مرتضى، صاحب الكبيرة ليس بمرتضى، لا يتناقضان، لاحتمال أن يقال: إنه مرتضى بحسب دينه ليس بمرتضى بحسب فسقه، وأيضاً فمتى ثبت أنه مرتضى بحسب إسلامه ثبت مسمى كونه مرتضى، وإذا كان المستثنى هو مجرد كونه مرتضى، ومجرد كونه مرتضى بحسب إيمانه وجب دخوله تحت الاستثناء وخروجه عن المستثنى منه، ومتى كان كذلك ثبت أنه من أهل الشفاعة.

وأما السؤال الثاني: فجوابه أنّ حمل الآية على أن يكون معناها: ولا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله أولى من حملها على أن المراد: ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الله شفاعته، لأنّ على التقدير الأول تفيد الآية الترغيب والتحريض على طلب مرضاة الله عز وجل والاحتراز عن معاصيه، وعلى التقدير الثاني لا تفيد الآية ذلك، ولا شك أن تفسير كلام الله تعالى بما كان أكثر فائدة أولى"(106)، فالآية "لا تدلّ على أكثر من أن لا يشفعوا لمن لا ترتضى الشفاعة له، مع أن عدم شفاعة الملائكة لا تدل على عدم شفاعة غيرهم"(107).

2. وقوله تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18]، قالوا: والآية تنفي أن يكون للظالمين شفيع البتة، فوجب أن يحصل لهم هذا الشفيع(108)، والجواب على ذلك: لا يصحّ الاستدلال بهذه الآية على نفي الشفاعة عن مرتكب الكبيرة، وذلك لـ:

أولاً: لأن المقصود بالظلم الوارد في الآية إنما هو الشرك والكفر، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]، والشرك لا تنفع معه طاعة فضلاً عن شفاعة، أما مرتكب الكبيرة، فبعيد عن ذلك؛ لأنه مؤمن ثم "إن هذه الآية وردت في زجر الكفار، قال تعالى: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر: 35]، فوجب أن يكون مختصاً بهم"(109).

ثانياً: أن الله تعالى نفى أن يحصل لهم "شفيع يُطاع"، وهذا لا يدلّ على نفي الشفيع، ألا ترى أنك إذا قلت: ما عندي كتاب يُباع فهذا يقتضي نفي كتاب يُباع ولا يقتضي نفي الكتاب. ولفظ الطاعة يقتضي حصول المرتبة، فهذا يدلّ على أنه ليس لهم يوم القيامة شفيع يطيعه الله، لأنه ليس في الوجود أحدٌ أعلى حالاً من الله تعالى حتى يقال إن الله يطيعه.

ثالثاً: أنّ لفظ الظالمين، إما أن يفيد الاستغراق، وإما أن لا يفيد، فإن أفاد الاستغراق كان المراد من الظالمين مجموعهم وجملتهم، ويدخل في مجموع هذا الكلام الكفار، وعندنا أنه ليس لهذا المجموع شفيع؛ لأنّ بعض هذا المجموع هم الكفار، وليس لهم شفيع فحينئذٍ لا يكون لهذا المجموع شفيع، وإن لم يفد الاستغراق كان المراد من الظالمين بعض من كان موصوفاً بهذه الصفة، وعندنا أنّ بعض الموصوفين بهذه الصفة ليس لهم شفيع وهم الكفار(110).

ثمّ إنّ قوله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18] نقيض لقولنا: للظالمين حميم وشفيع، لكن قولنا: للظالمين حميم وشفيع موجبة كلية، ونقيض الموجبة الكلية سالبة جزئية، والسالبة يكفي في صدقها تحقق ذلك السلب في بعض الصور، ولا يحتاج فيه إلى تحقق ذلك السّلب في جميع الصور، وعلى هذا فنحن نقول بموجبه لأن عندنا أن ليس لبعض الظالمين حميم ولا شفيع يجاب وهم الكفار، فأما أن يحكم على كل واحد منهم بسلب الحميم والشفيع فلا(111)، ولو سلما أنها جاءت على سبيل العموم فهي مختصة بالآيات الدالة على ثبوت الشفاعة لحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم في أصحاب المعاصي، ثم ذكر الإمام الرازي اعتراض القوم على هذه الوجوه وعمد إلى تفنيدها واحداً واحداً(112).

3. وقوله تعالى: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [البقرة: 270]، قالوا: إن ناصر الإنسان هو من يدفع عنه الضرر، فلو اندفعت العقوبة عنهم بشفاعة الشفعاء لكان أولئك أنصاراً لهم، وذلك يبطل قوله تعالى: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [البقرة: 270](113)، والجواب: أنّ الآية جاءت في سياق من يمنعون حقوق الفقراء والمساكين؛ وعليه، فالظلم هنا هو ظلمهم للفقراء والمساكين بمنعهم حقوقهم، وقد أجاب الإمام الرازي على استدلالهم بالآية بعدة أجوبة، قال: اعلم أنّ العرف لا يسمي الشفيع ناصراً، بدليل قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 48]، ففرّق تعالى بين الشفيع والناصر، فلا يلزم من نفي الأنصار نفي الشفيع.

والجواب الثاني: أنّ هذا الدليل النافي للشفاعة عامّ في حقّ الكل، وفي كل الأوقات، والدليل المثبت للشفاعة خاصّ في حقّ البعض وفي بعض الأوقات، والخاصّ مقدم على العامّ.

والجواب الثالث: أنّ اللفظ العام لا يكون قاطعاً في الاستغراق، بل ظاهراً على سبيل الظن القوي فصار الدليل ظنياً، والمسألة ليست ظنية، فكان التمسك بها ساقطاً(114).

ثمّ إنّ قوله تعالى: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [البقرة: 270]، نقيض لقولنا: للظالمين أنصار، وهذا موجبة كلية، فقوله {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [البقرة: 270]، سالبة جزئية، فيكون مدلوله سلب العموم، وسلب العموم لا يفيد عموم السلب(115).

4. وقوله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48].

قالوا: والآية نصّ صريح في نفي شفاعة الشافعين(116)، والحقّ أن هذه الآية حجّة للمثبتين لا للنافين؛ ذلك أن "تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدلّ على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين"(117)، ثم إنّ الضمير في قوله تعالى: (تنفعهم) راجع إلى الكفار، بدليل ما قبلها من الآيات، قال تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ، وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ، حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 42-47]"، فصحّ أن لا شفاعة لهم لأجل كفرهم، وصارت في النار، وجداً لهم لأجل كفرهم، وصارت الآية إلى آخره حجة عليهم، إلا أن الله تعالى أخبر أن ثمّ شفاعة، وأنتم تقولون أن لا شفاعة، غير أنه تعالى أخبر أنها لا تنفع للكافرين، فدل على أنها تنفع المؤمنين"(118)، ولو لم تكن الشفاعة واقعة لعصاة المؤمنين، لم يبق بينهم وبين الكافرين ثمة فرق(119)، وبالجملة فالآيات المتقدمة التي استدل بها المعتزلة على ما ذهبوا إليه من نفي الشفاعة عن العصاة، فإنه يقابلها آيات عديدة تقرر مبدأ الشفاعة مع شروطها من الإذن والرضى، وبذلك يمكن حمل الآيات النافية مطلقاً على الآيات المثبتة مع هذه القيود، من باب حمل المطلق على المقيد، وبالتالي فلا تعود هذه الآيات صالحة للاستدلال على مدّعاهم.

ثانياً: الأدلة من السنة المطهرة:

كما استدلوا على نفي الشفاعة في حق أهل الكبائر بعدد من الأحاديث، منها:

قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تنال شفاعتي لأهل الكبار من أمتي"(120)، وهو نص صريح في نفي الشفاعة عندهم لأهل الكبائر.

ومن الغريب أن محقق كتاب مشارق أنوار العقول ذكر أن الحديث الذي استشهدوا به رواه ابن ماجه(121)، وإسناده صحيح ورجاله ثقات!!، وهذا إمعان منهم في التدليس والتعمية"(122)، فالحديث لا أصل له في المرفوع، بل الحديث الذي أشار إليه المحقق ليس إلا الحديث الذي يقرّر الشفاعة لأهل الكبائر، وقد أجاب الإمام الباقلاني على استدلالهم فقال:

"الجواب من وجهين: أحدهما: أن هذا عن الحسن لم يصح، ولم يرد في خبر صحيح ولا في سقيم، وإنما هو اختلاق وكذب، ولا يعارض الآثار الصحاح المتفق على صحتها، ثم لو جاز أن يكون قد روي فلم يسقط الصحيح المجمع على صحته بالضعيف السقيم الذي لا أصل له، مع إمكان الجمع بين الكل واستعمال الجميع، فتحمل صحاح الأخبار على ما قلنا، ويحمل هذا الخبر على أنه أراد به الكبائر التي تخرج عن الإسلام"(123).

قلت: وبما أنّ الحديث الذي استدلوا به على مذهبهم باطل بداية، ولا أصل له في المرفوع، فالأصل أن لا يُلجأ لتأويله، ولا يصار إلى الجمع بينه وبين غيره من الصحاح.

ومن الأحاديث التي استدلوا بها، قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة نمّام ولا مدمن خمر ولا عاق"(124)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من تحسّى سماً وقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالداً فيها أبداً"(125)، وغيرها مما يماثلها من الأخبار، قالوا: فهذه الأخبار معارضة لأخبار الشفاعة(126)، والجواب عن هذه الأخبار: "أن منها ما صحّ ومنها ما لم يصحّ، ويُجمع بين الكلّ، فتُحمل هذه الأخبار على من فعل ذلك مستحلاً لفعله، أو فعله على وجه التكذيب للصادق فيما أخبر به أن هذا الفعل كبيرة حرام، ونحو ذلك، وهذا صحيح؛ لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة"، فقال أبو ذر: "وإن زنا، وإن سرق؟ فقال: وإن زنا، وسرق، وقتل، وشرب الخمر، وإن رغم أنف أبي ذر"(127)، فصحّ ما قلناه.

فإن قيل: أليس عندكم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يشفع إلا في مؤمن، وقد وردت الروايات: "لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن"(128)، وكذلك روي أنه قال: "من غشنا فليس منا"(129)، و"لا إيمان لمن لا أمانة له"(130)، إلى غير ذلك، فكيف يشفع الرسول عليه السلام فيمن ليس بمؤمن؟

فالجواب: أن يُقال لهم: هذه الأخبار لا حُجة فيها ولا تُعارض أخبار الشفاعة، فإنها محتملة لوجوه إذا صُرفت إليها صحّت، ولم تكن معارضة لأخبار الشفاعة.

أحدها: أن يكون المراد: لا يزني ولا يسرق حين يفعل ذلك، وهو مؤمن: أي مستحل لذلك، حتى يصح الجمع بين هذه الأخبار وبين قوله صلى الله عليه وسلم: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن سرق وإن زنا وشرب الخمر"(131)، أو يكون أراد بذلك إذا فعله على وجه التكذيب لتحريم هذه الأشياء، والله تعالى لم يحرمها، أو يكون المراد: ليس بمؤمن كإيمان المؤمن الذي لم يكن منه سرقه، ولا زنا، ولا شرب خمر، أي في البر، والطهارة، والعفة، ونحو ذلك، وتصير هذه كقوله: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"(132)، أراد الكمال(133).

وقد يستدلّ القائلون بعدم خروج أصحاب الكبائر من النار بحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: "إذا صُيِّر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار أتى بالموت ملبياً، فيوقف على السور الذي بين أهل الجنة داخل النار، ثم يقال يا أهل الجنة، فيطلعون خائفين، ثم يقال: يا أهل النار فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة، فيقال لأهل الجنة ولأهل النار: تعرفون هذا؟ فيقولون: هؤلاء وهؤلاء، قد عرفناه هو الموت الذي وكل بنا فيضجع فيذبح ذبحاً على السور، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود لا موت، ويا أهل النار خلود لا موت"(134)، والحديث يدلّ بظاهره على أن من دخل النار قضي عليه بالخلود فيها أبداً.

والجواب أن ذبح الموت يكون بعد الشفاعات، وبعد أن خرج من النار الموحدون لما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار نادى مناد، يا أهل الجنة خلود فلا موت فيه، ويا أهل النار خلود فلا موت فيه"(135).

ومن الأدلة التي استدلوا بها: النصوص الدالة على الخلود في النار كقوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 14]، وقوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81]، والجواب على هذا الاستدلال: أن قاتل المؤمن لكونه مؤمناً لا يكون إلا كافراً، وكذا من تعدّى جمع الحدود، وكذا من أحاطت به خطيئة وشملته من كل جانب، ولو سلم فالخلود قد يستعمل في المكث الطويل، كقولهم: سجن مخلد، ولو سلم فمعارض بالنصوص الدالة على عدم الخلود(136)، وأن العذاب الدائم مختص بالكافر، لقوله تعالى: {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [طه: 48]، وقوله: {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى، الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [الليل: 15، 16]، فالآيات التي جاءت بتخليد صاحب الكبيرة من المؤمنين في النار إنما جاءت على سبيل التغليظ والمبالغة في الزجر عن المعاصي؛ لأنّ الفاسق لا يخرج بفسقه عن الإيمان ما لم يستحلّ ذلك، قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9]، والآيات في هذا المعنى كثيرة...، وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 48]، قال المعتزلة: وهذه الآية تدلّ على نفي الشفاعة من ثلاثة أوجه:

الأول: قوله تعالى: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا}، ولو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكان قد أجزت نفس عن نفس شيئاً.

الثاني: قوله تعالى: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ}، وهذه نكرة في سياق النفي فتعم جميع أنواع الشفاعة.

والثالث: قوله تعالى: {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} ولو كان محمد شفيعاً لأحد من العصاة لكان ناصراً له، وذلك على خلاف الآية(137)، وقد أجاب العلماء على هذه الوجوه، وبينوا أن سياق الكلام في الآية يقصد به اليهود، قال ابن كمال باشا: "وإنما قنَّطهم –أي اليهود؛ لأن الخطاب لهم" الإقناط الكلي؛ لأن اليهود كانوا يزعمون أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، ولما كان الخطاب لليهود، كان تقديره: لا تجزي نفس ما منكم عن نفس ما منكم، فلا دلالة فيه على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة مطلقاً، كأنه أُريد بالآية نفي أن يرفع العذاب أحدٌ عن أحد من كل وجه محتمل"(138).

وقال الإمام الرازي في جوابه على أوجه استدلال المعتزلة ومن وافقهم بهذه الآية: إن ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعة مطلقاً، إلا أنا أجمعنا على تطرق التخصيص إليه في حق زيادة الثواب لأهل الطاعة، فنحن أيضاً نخصه في حقّ المسلم صاحب الكبيرة بالدلائل التي نذكرها، لأنا نجيب عن الأول: بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعن الثاني: أنه لا يجوز أن يكون المراد من الآية نفي الشفاعة في زيادة المنافع، لأنه تعالى حذر من ذلك اليوم بأنه لا تنفع فيه شفاعة، وليس يحصل التحذير إذا رجع نفي الشفاعة إلى تحصيل زيادة النفع؛ لأنّ عدم حصول زيادة النفع ليس فيه خطر ولا ضرر، يبين ذلك أنه تعالى لو قال: اتقوا يوماً لا أزيد فيه المستحق للثواب بشفاعة أحد لم يحصل بذلك زجر عن المعاصي، ولو قال: اتقوا يوماً لا أسقط فيه عقاب المستحق للعقاب بشفاعة شفيع كان ذلك زجراً عن المعاصي، فثبت أن المقصود من الآية نفي تأثير الشفاعة في إسقاط العقاب، لا نفي تأثيرها في زيادة المنافع"(139)، ثم لو قلنا بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إلا أن تخصيص مثل هذا العام بذلك السبب المخصوص يكفي فيه أدنى دليل، فإذا قامت الدلائل الدالة على وجود الشفاعة وجب المصير إلى تخصيصها(140).

قال الإمام الألوسي: "وأجيب بالتخصيص من وجهين، الأول بحسب المكان والزمان، فإن مواقف القيامة ومقدار زمانها فيها سعة طول، ولعلّ هذه الحالة في ابتداء وقوعها وشدته ثم يأذن بالشفاعة، وقد قيل: مثل ذلك في الجمع بين قوله تعالى: {إِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: 101] وقوله: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} [الصافات: 27]، وكون مقام الوعيد يأبى عنه غير مسلّم، والثاني بحسب الأشخاص إذ لا بد لهم من التخصيص في غير العصاة لمزيد الدرجات، فليس العام باقياً على عمومه عندهم، وإلا اقتضى نفي زيادة المنافع وهم لا يقولون به، ونحن نخصص في العصاة بالأحاديث الصحيحة البالغة حد التواتر، وحيث فتح باب التخصيص نقول أيضاً: ذلك النفي مخصص بما قبل الإذن، لقوله تعالى: {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23]، وهو تخصيص له دليل، وتخصيصهم لا يظهر له دليل، على أن الشفاعة بزيادة المنافع يكاد أن لا تكون شفاعة، وإلا لكنا شفعاء الرسول صلى الله عليه وسلم عند الصلاة عليه، مع أن الإجماع وقع منا ومنهم على أنه هو الشفيع، وأيضاً في قوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ } [محمد: 19]، ما يشير إلى الشفاعة التي ندعيها، ويحث على التخصيص الذي نذهب إليه"(141).

وبناء على ما سبق؛ تبين لي أن هناك أثراً إيجابياً وسلبياً على سلوك الفرد في موضوع الشفاعة، أما الأثر الإيجابي فيتلخص في أنّ العبد الذي يعمل الصالحات تناله شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا نالت العبد الشفاعة انعكس هذا على سلوك العبد وفرح بها ورضي بها كذلك، وإذا لم يحصّل العبد الشفاعة ناله الضيق والحرج والتعب، وانعكس هذا على سلوكه من الناحية السلبية فصار يشكوا ويتألم، وقد يؤدي هذا إلى إلحاق الضرر بالغير، وهذا سلوك سلبي ينعكس على الفرد، وقد يؤدي إلى الهلاك.

تنبيه: شرط المشفوع فيه

إنّ الآيات السالفة الذكر تصرّح بوجود شفيع غير الله سبحانه وأن شفاعته تقبل عند الله تعالى في إطار خاص وشرائط معيّنة في الشفيع والمشفوع له. وهذه الآيات وإن لم تتضمن أسماء الشفعاء، أو أصناف المشفوع لهم، إلاّ أنّها تحدّد كلاًّ منهما بحدود واردة في الآيات:

أ ـ }من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه {[البقرة: 255].

ب ـ }ما من شفيع إلاّ من بعد إذنه {[يونس: 3].

ج ـ }لا يملكون الشفاعة إلاّ من اتّخذ عند الرحمن عهداً {[مريم: 87]، والضمير في قوله: {لا يملكون} يرجع إلى الآلهة التي كانت تعبد، وأُشير إليه في قوله سبحانه: {واتّخذوا من دون الله آلهةً ليكونوا لهم عزّاً، كلاّ سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدّاً} [مريم: 81-82].

د ـ }يومئذ لا تنفع الشفاعة إلاّ من أذن له الرحمن ورضي له قولاً} [طه: 109].

هـ ـ {ولا تنفع الشفاعة عنده إلاّ لمن أذن له حتى إذا فزّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربّكم قالوا الحقّ وهو العلي الكبير} [سبأ: 23].

و ـ {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلاّ من شهد بالحقّ وهم يعلمون} [الزخرف: 86]. والضمير المتّصل في يدعون يرجع إلى الآلهة الكاذبة كالأصنام، فهؤلاء لا يملكون الشفاعة إلاّ من شهد بالحق وهم يعلمون، أي شهد بعبوديّة ووحدانيّته كالملائكة والمسيح.

ويستفاد من هذه الآيات الأُمور التالية:

1- إنّ هذه الآيات تصرّح بوجود شفعاء يوم القيامة يشفعون بشروط خاصة وإن لم تصرّح بأسمائهم وسائر خصوصياتهم.

2- إنّ شفاعتهم مشروطة بإذنه سبحانه، حيث يقول: {إلاّ بإذنه}.

3- يشترط في الشفيع أن يكون ممّن يشهد بالحق، أي يشهد بالله سبحانه ووحدانيته وسائر صفاته.

4- أن لا يظهر الشفيع كلاماً يبعث غضب الله سبحانه، بل يقول قولا مرضياً عنده، ويدل عليه قوله: {ورضي له قولاً}.

5- أن يعهد الله سبحانه له بالشفاعة كما يشير إليه قوله: {إلاّ من اتخذ عند الرحمن عهداً}، ثم إنّ هناك سؤالاً يطرح في هذا المقام، وهو كيف يصح الجمع بين هذا الصنف من الآيات التي تثبت الشفاعة لغيره سبحانه، والصنف الخامس الذي يخصّها بالله سبحانه؟

6- هناك سلوك إيجابي وسلوك سلبي في موضوع الشفاعة ينعكس على طبيعة النفس البشرية.

الخاتمة

بعد هذا التطواف في رياض كتب أهل العلم في موضوع الشفاعة نخلص إلى النتائج التالية:

1. الشفاعة واقعة يوم القيامة بإذنه تعالى للشافع ورضاه عن الشافع والمشفوع له.

2. الأدلة القطعية دلت على أن طائفة من المؤمنين يعذبون ثم يخرجون من النار بالشفاعة.

3. المعتزلة والخوارج أنكروا إخراج من أُدخل النار من المذنبين.

4. الشفاعة العظمى للرسول صلى الله عليه وسلم هي في إراحة الناس من هول الموقف، وهي المقصودة بقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79].

5. الشفاعات الخاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم بلغت ثمانية أنواع، ذلك أنه صلى الله عليه وسلم يشفع في الخلق لإراحتهم من هول الموقف، ويشفع في بعض الكفار بتخفيف العذاب عنهم، ويشفع في بعض المؤمنين بإخراجهم من النار بعد أن دخلوها، وفي بعضهم بعدم دخولها بعد أن استوجبوا دخولها، وفي بعضهم بدخول الجنة بغير حساب، وفي بعضهم برفع درجاتهم فيها، وفيمن استوت حسناته وسيئاته بإدخاله الجنة، وشفاعته فيمن قال لا إله إلا الله ولم يعمل خيراً قط. والحمد الله رب العالمين

 

(*) مجلة الفتوى والدراسات الإسلامية، دائرة الإفتاء العام، المجلد الأول، العدد الأول، 1440هـ/ 2019م.

 

الهوامش


(1) أحمد بن فارس بن الرازي، (توفي395هـ،1004م)، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبدالسلام هارون، بيروت، دار الفكر،1979م، ط2، ج3/ص201.

(2) محمد بن يعقوب الفيروزآبادي (توفى: 817هـ)، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، تحقيق، محمد علي النجار، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، لجنة إحياء التراث الإسلامي، ج 3/ص328.

(3) محمد بن مكرم ابن منظور (توفى: 711هـ)، لسان العرب، بيروت، دار صادر، 1414 هـ ط2/333-334، مادة: شفع، ج3، ص55.

(4) الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني (توفى: 502هـ)، المفردات القرآنية، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، دمشق، بيروت، دار القلم، الدار الشامية، -1412هـ، ط1، ص270، وانظر: الفيروزأبادي، بصائر ذوي التمييز، ج3/ص328.

(5) محمد بن أحمد بن سالم السفاريني (توفى: 1188هـ)، لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية، دمشق، مؤسسة الخافقين ومكتبتها، -1402 هـ - 1982م،ط2، ج 2/ص204.

(6) محمد بن صالح بن محمد العثيمين (توفى: 1421هـ) لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، تحقيق: أشرف بن عبد المقصود بن عبد الرحيم، الرياض، مكتبة أضواء السلف، ،1415هـ-1995م، ط4، ص128.

(7) محمد بن عمر بن الحسن الرازي (المتوفى: 606هـ)، مفاتيح الغيب التفسير الكبير، بيروت، دار إحياء التراث العربي،- 1420هـ، ط3،  تفسير الرازي ج3/ص52.

(8) علي بن محمد الجرجاني (توفى: 816هـ)، التعريفات، تحقيق: ضبطه وصححه جماعة من العلماء بإشراف الناشر، بيروت، دار الكتب العلمية، 1403هـ -1983م، ط3، ص131.

(8) محمد الطاهر بن عاشور (توفى 1393هـ)، التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»، تونس، الدار التونسية للنشر، سنة النشر: 1984 هـ، ط3، ج3/ص102.

(9) محمد بن أحمد القرطبي (توفى: 671هـ)، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش،– القاهرة، دار الكتب المصرية، 1384هـ - 1964 م ،ط2، 16/122، وانظر:  تفسير الطبري 25/135، ومجموع فتاوى ابن تيمية ج1/ص151.

(10) القاضي عبدالجباري، شرح الأصول الخمسة، ص687 فما بعدها، أصول الدين للبغدادي، ص244، مشارق أنوار العقول، ص374، البحر الزخار لابن المرتضى 1/80، تفسير الرازي ج3/ص25-53.

(11) انظر: القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ص687 فما بعدها، أصول الدين للبغدادي، ص244، مشارق أنوار العقول، ص374، البحر الزخار لابن المرتضى 1/80، تفسير الرازي ج3، ص52-53.

(12) انظر: شرح الأصول الخمسة، ص687 فما بعدها، أصول الدين للبغدادي، ص244، مشارق أنوار العقول، ص374، البحر الزخار لابن المرتضى 1/80، تفسير الرازي ج3، ص52-53.

(13) الإنصاف للباقلاني، ص162.

(14) انظر: شرح المواقف 8/341، شرح المقاصد 5/158، نهاية الإقدام في علم الكلام، ص354، الإرشاد للجويني، ص393-394، شرح العقائد النسفية، ص182، الإبانة عن أصول الديانة، ص241، الإنصاف، ص162، لوامع الأنوار 2/212، مجموع فتاوى ابن تيمية 1/108، الأربعين في أصول الدين للرازي 2/246، تقريب المرام في شرح تهذيب الكلام 2/274، اليواقيت والجواهر 2/170، فتح الباري 11/426، 428، تفسير الرازي ج2، ص53، 59.

(15) أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (توفى: 728هـ) مجموع الفتاوى، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية ، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ط3،  1/318. وهنا أقول: من العلماء الذين نصوا على أن الأحاديث الواردة في شفاعته صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر بلغت مبلغ التواتر المعنوي: عياض والنووي كما في صحيح مسلم بشرح النووي 3/35، ابن كثير في النهاية في الفتن والملاحم 2/209، علي القاري في شرح الفقه الأكبر، ص197، التفتازاني في شرح المقاصد 5/158، شرح النسفية، ص184، ابن تيمية في مجموع الفتاوى 1/108، الكتاني في نظم المتناثر، ص301، الزبيدي في اللآلئ المتناثرة، ص75، السيوطي في قطف الأزهار، ص303 برقم 112، السفاريني في لوامع الأنوار 2/208، الباقلاني في التمهيد، ص367، الألوسي في روح المعاني 1/254، وغيرهم كثير .....

(16) السفاريني الحنبلي، لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية، ج2، ص208.

(17) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج1/ص318.

(18) أبو الحسن الأشعري، الإبانة عن أصول الديانة، ص241-242، وانظر للاستزادة: الشريعة للآجري، ص343.

(19) محمد عبد الرحمن ابن أبي حاتم (توفى: 327هـ)، تفسير القرآن العظيم، تحقيق: أسعد محمد الطيب- المملكة العربية السعودية، مكتبة نزار مصطفى الباز،- 1419 هـ، ط3، 8/2449 برقم 13635، السيوطي في الدر المنثور ج5/ص549 وزاد نسبته إلى ابن المنذر والبيهقي في البعث.

(20) محمد بن جرير الطبري (المتوفى: 310هـ)، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، بيروت، لبنان، مؤسسة الرسالة،1420 هـ - 2000 م ،ط4، ج17/ص23 برقم 18526.

21) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 17/104.

(22) أخرجه مسلم، باب معرفة طريق الرؤية، حديث رقم(302)، ج1، ص167.

(23) أخرجه مسلم، باب معرفة طريق الرؤية، حديث رقم(302)، ج1، ص167.

(14) أخرجه البخاري، ص1419 برقم 7439، كتاب التوحيد، باب: وجوه يومئذ ناضرة، مسلم، ص102، برقم 183، كتاب الإيمان، باب: إثبات الشفاعة، واللفظ له.

(23) أخرجه مسلم، باب معرفة طريق الرؤية، حديث رقم(302)، ج1، ص167.

(17) لوامع الأنوار 2/209.

(16) أخرجه الآجري في الشريعة، ص359، باب ذكر شفاعة العلماء والشهداء يوم القيامة، ابن ماجه، ص306 برقم 2799، كتاب الجهاد، باب فضل الشهادة في سبيل الله، (وبدلاً من تسع خصال، ذكر ست خصال)، الترمذي، ص288 برقم 1863، كتاب فضائل الجهاد، باب في ثواب الشهيد، (وذكر ست خصال)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، أحمد، ص1220 برقم 17314.

(18) أخرجه الحاكم في المستدرك 1/740 برقم 2036، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، أحمد في المسند، ص475 برقم 6626، وذكره الهيثمي في المجمع 10/504 برقم 18543، وقال: المنذري في الترغيب والترهيب 2/84: رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجاله محتج بهم في الصحيح. ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع، وغيره بإسناد حسن.

(19) عبد الرحمن بن أحمد السَلامي، (توفى: 795هـ)، لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، بيروت، دار ابن حزم للطباعة والنشر، 1424هـ/2004م، ط4، ص182.

(28) ابن عاشور، التحرير والتنوير 16/184، وانظر: تفسير الرازي ج3/ص103.

(29) أخرجه أبو داود في السنن، باب: في الشفاعة برقم (4739)، قال الألباني: صحيح، ورواه عن جابر الترمذي، ص399 برقم 2436، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، الحاكم في المستدرك 1/140 برقم 231، ابن خزيمة في التوحيد، ص271، الآجري في الشريعة، ص346 برقم 791، البيهقي في الشعب 1/235 برقم 311، وقال: وكذلك رواه الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد، وزاد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قوله: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) (الأنبياء: 28)، فقال: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، وصحح هذه الرواية الشيخ شعيب الأرناؤوط في تخريجه لصحيح ابن حبان 14/386 برقم 6467. ورواه عن أنس: أحمد في المسند، ص909 برقم 13254، أبو داود، ص516 برقم 4739، الترمذي، ص399 برقم 3435، وقال، هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، الطبراني في الأوسط 6/205 برقم 8518، 2/369 برقم 3566، الحاكم في المستدرك 1/140 برقم 230، وقـال: وله شاهد صحيح على شرط مسلم، البيهقي في شعب الإيمان 1/235 برقم 310، ابن خزيمة في التوحيد، ص271، الآجري في الشريعة، ص346 برقم 794، وذكره الهيثمي في المجمع 10/499 برقم 18521، وقال: رواه البزار والطبراني في الصغير والأوسط. وصحح هذه الرواية الشيخ شعيب في تخريجه لصحيح ابن حبان 14/387 برقم 6468.

(30) محمد بن مصطفى المراغي (توفى: 1371هـ)، تفسير المراغي، مصر، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده بمصر، 1365 هـ -1946 م، ط1، ج7/ص22.

(31) أخرجه الحاكم 2/414 برقم 3442، وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي: على شرط مسلم، البيهقي في البعث والنشور، ص55، برقم 6.

(32) محمد بن علي الشوكاني (توفى: 1250هـ)، فتح القدير، دمشق، بيروت، دار ابن كثير، دار الكلم الطيب 1414 هـ، ط2، ص1437.

(33) انظر: السفاريني الحنبلي، لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية 2/211، النهاية في الفتن والملاحم 2/202، التذكرة للقرطبي 2/607، شرح المشكاة للطيبي 10/ 240، شرح الخريدة البهية، 152، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز، ص253، الشفا للقاضي عياض 2/424 فما بعدها، التوحيد لابن خزيمة، ص248 فما بعدها، اليواقيت والجواهر 2/171، فتح الباري ج11/ص428.

(34) انظر: عبد الرحمن بن ناصر البراك، شرح العقيدة الطحاوية، ص253، النهاية في الفتن والملاحم 2/208، التذكرة 2/607.

(35) انظر: محمد بن أحمد القرطبي (توفى: 671هـ)، التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، تحقيق: الصادق بن محمد بن إبراهيم، الرياض، مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، 1425 هـ، ط1، ج2/ص607، النهاية في الفتن والملاحم 2/207، شرح العقيدة الطحاوية، ص257، فتح الباري 428، صحيح مسلم بشرح النووي 3/35، شرح الخريدة، ص152.

(36) انظر: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير (توفى: 774هـ)، النهاية في الفتن والملاحم، تحقيق: محمد أحمد عبد العزيز، بيروت – لبنان، دار الجيل، 1408هـ - 1988م، ط2،  2/207، شرح المشكاة للطيبي 10/240، اليواقيت والجواهر 2/170، شرح الخريدة ص152، لوامع الأنور 2/211، شرح العقيدة الطحاوية، ص257، صحيح مسلم بشرح النووي 3/35، الشفا 2/431.

(37) البراك، شرح العقيدة الطحاوية، ص259، اليواقيت والجواهر 2/170، لوامع الأنور 2/211، الشريعة للآجري، ص346، النهاية في الفتن والملاحم 2/209، التذكرة 2/607، شرح المشكاة للطيبي 10/240، شرح الخريدة، ص152، فتح الباري 11/428، الشفا 2/431، التوحيد لابن خزيمة، ص252.

(38) انظر: شرح المشكاة للطيبي 10/240، لوامع الأنوار 2/211، شرح الطحاوية لابن أبي العز، ص257، النهاية في الفتن والملاحم 2/206، فتح الباري 11/428، اليواقيت والجواهر 2/170، شرح الخريدة ص152، صحيح مسلم بشرح النووي ج3/ص36.

(39) انظر: شرح الطحاوية، ص257، النهاية في الفتن والملاحم ج2/ص204، فتح الباري ج11/ص436.

(40) انظر: التذكرة 2/607، النهاية في الفتن والملاحم، 2/207، لوامع الأنوار، 2/211، اليواقيت والجواهر، 2/170، شرح العقيدة الطحاوية، ص257، شرح الخريدة، ص152، الشفا 2/407، شرح المشكاة للطيبي ج10/ص240.

(41) محمد بن الحسين الآجُرِّيُّ (توفى: 360هـ) الشريعة، تحقيق: عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي، الرياض / السعودية، دار الوطن، 1420هـ -1999م، ط2، ص340، وانظر شرح المقاصد ج5/ص158.

(42) أخرجه البخاري، ص906 برقم 4712، كتاب التفسير، باب (ذرية من حملنا نوح)، مسلم، ص109 برقم 194، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، واللفظ له.

(45) أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (توفي 852هـ، / 1448م)، فتح الباري، بيروت، دار المعرفة، 1390، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي 11/427، وانظر: التذكرة، 2/604-606، تفسير القرطبي ج10/309-312.

(44) القرطبي، التذكرة 2/600، وانظر: فتح الباري 1/438-439، لوامع الأنوار البهية، ص207.

(43) أخرجه البخاري، ص1213 برقم 6304، كتاب الدعوات، باب لكل نبي دعوة مستجابة، مسلم، ص111 برقم 198، كتاب الإيمان، باب اختباء النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الشفاعة لأمته.

(46) المرجع السابق 11/427.

(47) أخرجه أحمد، ص677 برقم 9733، الترمذي، ص498 برقم 3137، كتاب تفسير القرآن، باب (ومن سورة بني إسرائيل)، وقال: هذا حديث حسن، البيهقي في شعب الإيمان 1/330 برقم 299، الطبري في تفسيره 15/182 برقم 17609، اللالكائي في الاعتقاد 6/420 برقم 2096.

(48) أخرجه النسائي في الكبرى 6/381 برقم 11295، كتاب التفسير، البخاري موقوفاً على ابن عمر، ص907 برقم 4718، كتاب التفسير، باب: عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً.

(49) أخرجه أحمد، ص1090 برقم 15875، الحاكم في المستدرك 2/395 برقم 3383 وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، ابن جرير الطبري في التفسير 15/182 برقم 17071، الطبراني في الكبير 19/72، وذكره الهيثمي في المجمع 7/100 برقم 11136، وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.

(50) أخرجه البخاري، ص907 برقم 4718، كتاب التفسير، باب (عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً).

(51) فتح الباري 11/426-427، والحديث أخرجه الترمذي، ص498 برقم 3137، وقال: هذا حديث حسن.

(52) الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 15/179-181.

(53) أخرجه مسلم، ص111 برقم 196، كتاب الإيمان، باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا أول الناس يشفع في الجنة".

(54) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، 5/96.

(55) قال الحافظ ابن حجر: "قوله (بقنطرة) الذي يظهر انها طرف الصراط مما يلي الجنة، ويحتمل أن تكون من غيره بين الصراط والجنة" انظر: فتح الباري 5/96، 11/399.

(56) أخرجه البخاري، ص410 برقم 2440، كتاب المظالم، باب قصاص المظالم.

(57) فتح الباري 5/96.

(60) الضحضاح في الأصل: ما رقّ من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين، فاستعاره للنار. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 2/71.

(59) أخرجه البخاري، ص930 برقم 4772، كتاب التفسير، باب: إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء، مسلم، ص44 برقم 24، كتاب الإيمان، باب صحة إسلام من حضره الموت.

(58) أخرجه مسلم، باب أهون أهل النار عذابا، برقم(362).

(61) أخرجه البخاري، ص736 برقم 3885، كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب، مسلم، ص115 برقم 210، كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب.

(62) أخرجه مسلم باب: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، برقم(358).

(62) أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (المتوفى: 728هـ)، مجموع الفتاوى، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ط2، ج2، ص145، والحديث أخرجه الحاكم 4/625 برقم 8735 وقال: هذا حديث على شرط مسلم ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي.

(63) أخرجه البخاري، ص736 برقم 3883، كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب، مسلم، ص114 برقم 209، كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب.

(64) أخرجه مسلم، ص114 برقم 209، كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب.

(65) التذكرة 2/608.

(66) أخرجه مسلم، باب: في إغماض الميت والدعاء له، ج2، ص634، وانظر: الإتحافات السنية شرح الواسطية 2/590.

(67) أخرجه مسلم، باب: في إغماض الميت والدعاء له، ج 2، ص634.

(68) أخرجه مسلم، باب: من صلى عليه أربعون شفعوا، ج2، ص655 برقم (948).

(69) انظر: الإتحافات السنية 2/589، والحديث أخرجه مسلم، ص357 برقم 920، كتاب الجنائز، باب: في إغماض الميت والدعاء له إذا حضر. ورواه عن جابر الترمذي، ص399 برقم 2436، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، الحاكم في المستدرك 1/140 برقم 231، ابن خزيمة في التوحيد، ص271، الآجري في الشريعة، ص346 برقم 791، البيهقي في الشعب 1/235 برقم 311، وقال: وكذلك رواه الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد، وزاد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قوله: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) (الأنبياء: 28) فقال: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، وصحح هذه الرواية الشيخ شعيب الأرناؤوط في تخريجه لصحيح ابن حبان 14/386 برقم 6467.

(70) أنظر: شرح النووي على مسلم، ص368 برقم 948، كتاب الجنائز، باب إغماض الميت.

(71) أخرجه الآجري في الشريعة، ص359،

(72) تفسير الرازي 9/119.

(73) انظر: تفسير القرطبي 10/310، التذكرة 2/608.

(74) أنظر تفسير القرطبي 10/310، التذكرة 2/608.

(75) القرطبي، الجامع لأحكام القران، 16/242، وانظر: الأربعين في أصول الدين للرازي 2/245.

(76) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير 10/3443 برقم 19376، السيوطي في الدر المنثور 8/198.

(77) أخرجه السيوطي في الدر 8/498.

(78) انظر أحاديث طلب الوسيلة والفضيلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في: البخاري، ص134 برقم 614، كتاب الآذان، باب الدعاء عند النداء، مسلم، ص165 برقم 384، كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه.

(79) ورد هذا الحديث من عدة طرق: ورواه عن ابن عباس: الطبراني في الأوسط 3/319 برقم 4713، وذكره الهيثمي في المجمع 10/499 برقم 18522، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه حرب بن سريج وقد وثقه غير واحد، وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح. وبالجملة فالحديث صحيح بطرقه وشواهده ...

(80) التوحيد لابن خزيمة، ص272.

(81) قال النووي: قال أهل اللغة: الضبائر جماعات في تفرقة. انظر صحيح مسلم بشرح النووي 3/38.

(81) انظر: التمهيد للباقلاني، ص373، 384.

(82) أخرجه مسلم، ص103 برقم 185، كتاب الإيمان، باب: إثبات الشفاعة.

(83) أخرجه مسلم، ص105 برقم 190، كتاب الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة منها.

(84) أخرجه مسلم، ص106 برقم 190، كتاب الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة منها.

(85) أخرجه مسلم، ص1225 برقم 6559، كتاب الإيمان، باب: صفة الجنة والنار.

(86) أوطاس: واد في ديار هوازن. انظر: فتح الباري 8/42.

(87) هو عبيد بن سليم بن حضار الأشعري، وهو عم أبي موسى. انظر: فتح الباري 8/42.

(87) أخرجه مسلم، ص357 برقم 920، كتاب الجنائز، باب: في إغماض الميت والدعاء له إذا حضر.

(88) أخرجه البخاري، ص816 برقم 4323، كتاب المغازي، باب: غزوة أوطاس، مسلم، ص1013 برقم 2498، كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين.

(89) أخرجه مسلم، ص368 برقم 948، كتاب الجنائز، باب: من صلى عليه أربعون شفعوا فيه.

(90) انظر: مجموع فتاوى 1/130.

(91) العسقلاني، فتح الباري 11/428.

(92) وهذا مروي عن ابن عباس وابن مسعود وحذيفة، وغيرهم. انظر: الدر المنثور 3/420 فما بعدها، تفسير الطبري 8/250 فما بعدها.

(93) انظر: العسقلاني، فتح الباري 11/428.

(94) ابن عاشور، التحرير والتنوير 8/110.

(95) أخرجه الطبراني في الكبير 11/189 برقم 11454.

(96) أخرجه الحاكم في المستدرك 2/350 برقم 3247، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، ابن أبي حاتم في التفسير 5/1485 برقم 8499.

(97) شعب الإيمان 1/290.

(98) أخرجه البخاري، ص1253 برقم 6541، كتاب الرقاق، باب: يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، مسلم، ص17 برقم 220، كتاب الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب.

(99) أخرجه أحمد، ص614 برقم 8692، وقال الحافظ في الفتح 11/410، وسنده جيد.

(100) أخرجه الترمذي، ص399 برقم 2437، كتاب صفة القيامة، باب ما جاء في الشفاعة، وقال: هذا حديث حسن غريب، ابن ماجه، ص462 برقم 4286، كتاب الزهد، باب صفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ابن حبان في صحيحه 16/230 برقم 7246، وصحح الشيخ شعيب الأرناؤوط إسناده في تخريجه لصحيح ابن حبّان، وذكر الحافظ في الفتح أن إسناده جيد. انظر فتح الباري 11/410.

(101) انظر: سنن ابن ماجه بشرح السندي 4/511.

(102) شرح الأصول الخمسة، ص680، الكشاف 2/569.

(103) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير 8/2449 برقم 13635، الطبري في التفسير 17/23 برقم 18525، السيوطي في الدر المنثور 5/549، وقال: أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث.

(104) الرازي، مفاتيح الغيب التفسير الكبير،11/139، وانظر تفسير الرازي أيضاً 3/54، 56-57.

(105) الإنصاف، ص167.

(106) الرازي، مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، 3/57.

(107) شهاب الدين محمود الألوسي (توفى: 1270هـ)، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، تحقيق: علي عبد الباري عطية، بيروت، دار الكتب العلمية، 1415 هـ، ط2، 9/32.

(108) انظر: شرح الأصول الخمسة، ص689، الأربعين في أصول الدين 2/249، الكشاف 3/421، تفسير الرازي 27/45، مشارق أنوار العقول، ص374.

(109) الرازي، مفاتيح الغيب التفسير الكبير 27/45، وانظر: الإنصاف للباقلاني، ص167-168.

(110) الرازي، مفاتيح الغيب التفسير الكبير 27/45.

(111) الرازي، مفاتيح الغيب التفسير الكبير 3/61.

(112) الرازي، مفاتيح الغيب التفسير الكبير 27/45-46.

(113) انظر الرازي، مفاتيح الغيب التفسير الكبير 7/62.

(114) الرازي، مفاتيح الغيب التفسير الكبير 7/62 ببعض التصرف، وانظر: تفسير الرازي 3/ 54، 9/117.

(115) الرازي، مفاتيح الغيب التفسير الكبير 3/61.

(116) أبو القاسم محمود بن عمرو الزمخشري (توفى: 538هـ)، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، بيروت، دار الكتاب العربي، -1407 هـ، ط3، 4/187، الإنصاف، ص168.

(117) الرازي، مفاتيح الغيب، التفسير الكبير 30/186.

(118) عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنباري (توفى: 577هـ)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين، المكتبة العصرية، بيروت، 1424هـ- 2003م ، ط4، ص168.

(119) انظر: ابن عاشور، التحرير والتنوير، 29/305، التفسير الكبير للطبراني 6/389، الجامع لأحكام القرآن 19/86، تفسير الرازي 3/62، 30/186.

(120) قال محمد درويش في كتابه: أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب (ص: 166)، هذا ليس بحديث بل ولم يَصح وَهُوَ من أكاذيب الْمُعْتَزلَة.

(121) رواه ابن ماجه برقم 4311، كتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة.

(122) انظر: مشارق أنوار العقول، ص375، وانظر الهامش، الإنصاف للباقلاني، ص164.

(123) الإنصاف للباقلاني، ص164-165، وانظر: سنن ابن ماجه، ص464 برقم 4311، كتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة.

(124) أخرجه أحمد في المسند، ص17171 برقم 23714، مسلم، ص68 برقم 105 كتاب الإيمان، باب: بيان غلظ تحريم النميمة، وكلاهما روياه بغير اللفظ المشار إليه.

(125) أخرجه أحمد، ص702 برقم 10198.

(126) انظر: شرح الأصول الخمسة، ص691، الإنصاف، ص166.

(127) أخرجه البخاري، ص619 برقم 3222، كتاب بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة، مسلم، ص64 برقم 94، كتاب الإيمان، باب: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، الترمذي، ص428 برقم 2644، كتاب الإيمان، باب: ما جاء في افتراق هذه الأمة، أحمد في المسند، ص1555 برقم 21674.

(128) أخرجه البخاري، ص1099 برقم 5778، كتاب الأشربة، باب: قول الله تعالى: إنما الخمر والميسر والأنصاب، مسلم، ص55 برقم 57، كتاب الإيمان، باب: نقصان الإيمان بالمعاصي، الدارمي 2/98 برقم 2106، ابن أبي شيبة في المصنف 10/107 برقم 31032، ابن ماجه، ص324 برقم 3936، كتاب الفتن: باب النهي عن النهبة، أحمد في المسند، ص703 برقم 10220.

(129) أخرجه مسلم، ص67 برقم 101، كتاب الإيمان، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من غشنا فليس منا"، أحمد، ص386 برقم 5113، الترمذي، ص21 برقم 1315، كتاب البيوع، باب: ما جاء في كراهية الغش في البيوع، بلفظ (من غشّ) وقال: هذا حديث حسن صحيح، ابن ماجه، ص240 برقم 2224، كتاب التجارات، باب: النهي عن الغش، الطبراني في الأوسط 6/160 برقم 8360، الحاكم في المستدرك 2/11 برقم 2155 وصححه ووافقه الذهبي.

(130) أخرجه أحمد، ص851 برقم 12410، الطبراني في الأوسط 1/626 برقم 2292، وذكره الهيثمي في المجمع 2/9 برقم 1614 وزاد نسبته للطبراني في الصغير.

(131) أخرجه البخاري، ص1099 برقم 5778، كتاب الأشربة، باب: قول الله تعالى: إنما الخمر والميسر والأنصاب، مسلم، ص55 برقم 57، كتاب الإيمان، باب: نقصان الإيمان بالمعاصي، الدارمي 2/98 برقم 2106، ابن أبي شيبة في المصنف 10/107 برقم 31032، ابن ماجه، ص324 برقم 3936، كتاب الفتن: باب النهي عن النهبة، أحمد في المسند، ص703 برقم 10220.

(132) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2/237 برقم 3492، قال محقق المصنف: في إسناده سعيد بن حيان والد أبي حيان، وثقه العجلي، وهو في التساهل كابن حبان، لذا فقول ابن القطان عنه مجهول صحيح، وليس إغفالاً لتوثيق العجلي كما ذهب الحافظ ابن حجر، وذكره السيوطي في جمع الجوامع 8/263 برقم 26094.

(133) الإنصاف للباقلاني، ص166-167، وانظر: تفسير الرازي 3/62.

(134) أخرجه أحمد في المسند، ص621 برقم 8803، الترمذي، ص415 برقم 3557، كتاب صفة الجنة، باب: ما جاء في خلود أهل الجنة وأهل النار، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

(135) أخرجه أحمد في المسند ص604 برقم 8516، وصحح إسناده الشيخ شعيب الأرناؤوط في تخريجه لصحيح ابن حبان 16/486 برقم 7449، ورواه البخاري، ص1253 برقم 6545، كتاب الرقاق، باب: يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب.

(136) انظر: شرح العقائد النسفية، ص186.

(137) انظر: الرازي، مفاتيح الغيب التفسير الكبير 3/53، شرح الأصول الخمسة، ص689، الكشاف 1/279، طوالع الأنوار من مطالع الأنظار، ص233-234، الأربعين في أصول الدين للرازي 2/248-249.

(138) أحمد بن سليمان بن كمال باشا، شمس الدين (المتوفى: 940هـ)، ابن كمال باشا وآراؤه الاعتقادية، المؤلف: عبد الخالق بن مساعد الزهراني، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المدينة المنورة، السنة 33 - العدد (113) 1421هـ، ص476.

(139) الرازي، مفاتيح الغيب التفسير الكبير 3/53.

(140) الرازي، مفاتيح الغيب التفسير الكبير 3/61.

(141) الألوسي، روح المعاني 1/253-254، وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 1/149 فما بعدها.