الموضوع : ضابط الإعانة على الحرام في وظائف البنك التقليدي

رقم الفتوى : 4504

التاريخ : 06-08-2026

السؤال :

ما ضابط الإعانة على الحرام في وظائف البنك التقليدي؟

الجواب :

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله

حرَّم الإسلام كلَّ عمل موصل إلى الحرام، قال الله تعالى: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: 2]، وعن جابر رضي الله عنه قال: (لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ) رواه مسلم.

والأعمال التي يقوم بها المسلم تنقسم بحسب حكمها في الأصل، وبحسب ما يمكن أن تفضيَ إليه أو تكون وسيلة له، إلى الآتي:

أعمال محرَّمة في ذاتها، ولا خلاف في حرمتها؛ كشرب الخمر وعقد الربا ونحوها؛ فهذه محرَّمةٌ وإن كانت غايتها مباحة؛ لأن الغايات لا تبيح الوسائل المحرَّمة. 

وأعمال مباحة لا شبهة فيها، وهي كلُّ ما لم تحرمه الشريعة؛ كالبيع والشراء والشراكة وغير ذلك مما لم يثبت تحريمه؛ فهذه حلال.

وأعمال مباحة في أصلها، يتوصل بها إلى الحرام، أو تكون وسيلةً له؛ فهذه تنقسم من حيث كونها وسيلة مفضية إلى الحرام إلى أقسام:

قسم محرَّم: وهو ما يتوصل به إلى الحرام قطعاً، أو بالظن الغالب، وهذا يشمل ما كان ركناً في العقد المحرَّم، أو سبباً له، أو شرطاً فيه، أو توثيقاً ووسيلةَ إثباتٍ له. 

قسم مباح: وهو ما اتصل بالعقد المحرَّم، مما لم يذكر في القسم السابق، كالشك في إفضائه للحرام؛ فهذا يبقي على أصل الإباحة -ولا يخفى الورع-، ولا يكلَّف المسلم في التحري عن كلِّ مشترٍ من غاية شرائه.

فالعمل في البنوك التقليدية (التجاري)، والمؤسسات المالية الربوية ينقسم إلى قسمين:

قسم محرَّم: وهو ما لا تتم العملية الربوية إلا به، ويتوقف وجودها عليه، فكلُّ ما هو وسيلة للحرام فهو حرام مثله؛ إذ الوسائل تأخذ حكم المقاصد، وهذا يشمل كلَّ الوظائف والأعمال التي يتوقف عليها إتمام العملية الربوية، أو تنفيذها أو توثيقها أو إدارتها.

وقسم ليس بمحرم والورع تركه: ويشمل الوظائف والأعمال التي لا يتوقف عليها إتمام العملية الربوية، ولا تنفيذها ولا توثيقها ولا إدارتها، فنرجو أن لا يُؤاخذ عليها؛ لأن دليل التحريم لا يشملها كالصور المحرمة المذكورة، ولكنها لا تخلو من الكراهة، والأولى اجتنابها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحَلَالُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَدْرِي كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَمِنَ الحَلَالِ هِيَ أَمْ مِنَ الحَرَامِ، فَمَنْ تَرَكَهَا اسْتِبْرَاءً لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ فَقَدْ سَلِمَ، وَمَنْ وَاقَعَ شَيْئًا مِنْهَا، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَ الحَرَامَ) رواه الترمذي وقال: "هذا حديث حسن صحيح".

قال الإمام الرملي الشافعي رحمه الله: "ودليل ذلك -أي تحريم بيع نحو الرطب والعنب لعاصر الخمر- لعنه صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة عاصرها ومعتصرها، الحديث الدال على حرمة كلِّ تسبب في معصية وإعانةٍ عليها، ومَن نسب للأكثرين الحل هنا -أي مع الكراهة- محمول على ما لو شك في عصره له" [نهاية المحتاج 3/ 471].

وأما مَن يعين البنوك الربوية دون أن يكون موظفاً فيها؛ فيختلف الحكم فيه حسب درجة الإعانة، فمَن يُعين على الحرام ويكون وسيلة له؛ فإعانته محرَّمة، مثله كفتح الحساب الجاري بلا فوائد في البنك الربوي دون حاجة معتبرة، فهو في واقع الحال مقرض لمن سيتعامل بهذا المال ربويًا مع غيره، وكذلك تأجير البناء للبنك الذي جعله البنك مركزاً لأعمال الربا؛ فهذه إعانة محرَّمة.

وأما ما لا يكون وسيلة للعمل المحرَّم؛ كبيع خدمات "الأمن السيبراني" وهو حماية الأموال والمعلومات من السرقة والاعتداء؛ فلا تصل الإعانة فيه إلى الحرمة، وهو جائز.

هذا؛ والموظف الذي يعمل في مجال الإعانة على الحرام؛ إذا ترتب على تركه لوظيفته تهلكة لنفسه أو ضياع لمن ينفق عليهم؛ فهذا مما يتسامح به للضرورة، فيستمر في عمله ويأخذ ما يسدُّ حاجته، ويتخلَّص من الباقي إلى أن يجد وظيفة أخرى، مع وجوب البحث عن عمل آخر ولو بمميزات أقل؛ للقاعدة الفقهية: "الضرورات تبيح المحظورات"، و"الضرورة تقدر بقدرها".

وعليه؛ فيحرم العمل في الوظائف التي يتوقف عليها إتمام العملية الربوية، أو توثيقها أو تنفيذها أو إدارتها، أما الوظائف التي لا تمت للعملية الربوية بصلة وفق ما سبق؛ فحكمها الكراهة، والأولى اجتنابها، وأما مَن لم يكن من موظفي البنك فيختلف حكم عمله حسب درجة الإعانة على الحرام وصلتها به وفق ما سبق بيانه.

هذا هو التفصيل العام، والموظف هو الأقدر على توصيف طبيعة عمله، ونُذَّكِر بقول الله عز وجل: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق: 2-3]، وأن مَن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه. والله تعالى أعلم.