أضيف بتاريخ : 20-03-2014

 

قرار رقم: (80) حكم تأجير الأراضي المغروسة بالأشجار المثمرة قبل نضوج الثمر

بتاريخ:  17/ 2/ 1425 هـ، الموافق: 7/ 4/ 2004م

 ورد إلينا سؤال يقول فيه صاحبه:

ما الرأي الشرعي حول جواز تأجير المشاريع الزراعية المغروسة بالأشجار المثمرة قبل نضوج الثمر لمدة تزيد عن عام واحد مقابل نقد؟

 الجواب وبالله التوفيق:   

بعد الدراسة والبحث والمداولة رأى المجلس أنه من الضروري أن يميز بين نوعين من الأراضي:

النوع الأول: الأراضي البيضاء التي لا شجر فيها، فهذه الأراضي تجري عليها أحكام المزارعة، ومعنى المزارعة (دفع الأرض إلى من يقوم بزراعتها أو يعمل عليها والزرع بينهما) وأجازها أحمد ومالك والأوزعي واسحق ومحمد وابن أبي ليلى والظاهرية وطاووس والشعبي وابن سيرين والقاسم بن محمد على اختلاف في التفاصيل فيما بينهم.

ومما يدل على مشروعيتها ما أخرجه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم: عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع)(1) .

قال الإمام النووي: (وهذا هو الظاهر المختار لحديث خيبر ولا يقبل كون المزارعة في خيبر، إنما جازت للمساقاة، بل جازت مستقلة، ولأن المعنى المجوز للمساقاة موجود في المزارعة قياسا على القراض، فإنه جائز بالإجماع وهو كالمزارعة في كل شيء، ولأن المسلمين في جميع الأمصار والأعصار مستمرون على العمل بالمزارعة، وأما أحاديث النهي عن المخابرة فهي محمولة على ما إذا شرط لكل واحد قطعة معينة من الأرض)(2).

ومن أحكام المزارعة اشتراط تعيين المدة كسنة أو أكثر، واشتراط تعيين حصة الزارع من الحاصلات جزءاً مشاعاً كالنصف والثلث.

ومن المعلوم هنا أيضا جواز تأجير هذا النوع من الأرض بمقدار معين من الذهب والفضة أو بمبلغ معين من النقود، للأحاديث الواردة في ذلك، منها ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن رافع ابن خديج من جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عن ذلك(3).

ومع جواز المؤاجرة إلا أن المزارعة أحل كما قال بعض العلماء :(والمزارعة أحل من المؤاجرة، فهي أقرب للعدل والأصول، فإنهما- أي مالك الأرض والمستأجر في المزارعة- يشتركان في المغنم والمغرم، بخلاف المؤاجرة، فإن صاحب الأرض تسلم له الأجرة، والمستأجر قد يحصل له زرع وقد لا يحصل)(4).

النوع الثاني: الأراضي التي فيها شجر، وهذا النوع من الأراضي تجري عليه أحكام المساقاة جاء في تعريفها (المساقاة هي نوع شركة على أن تكون الأشجار من طرف والتربية من طرف آخر، وأن يقسم الثمر الحاصل بينهما) [مجلة الأحكام/1441].

ومن الأدلة على مشروعية المساقاة حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما السابق، وقد أباحها أحمد ومالك والشافعي والأوزاعي وأبو ثور وأبو يوسف ومحمد ابن أبي ليلى.

ومن أحكامها: (يشترط في عقد المساقاة تعيين حصة العاقدين من الحاصلات جزءاً شائعاً كالنصف أو الثلث)(5).

ولهذا لا يجوز في هذا النوع من الأراضي تعيين حصة العاقدين بمقدار معين غير شائع من الحاصلات، ولا يجوز تأجيرها بالنقود لا لسنة ولا لأكثر من سنة، أو لأقل من سنة وسواء قبل بدو الصلاح أو نضج الثمار أو بعد بدو الصلاح أو نضج الثمار.

أما موضوع بيع الثمار فلا يجوز بيعها إلا بعد بدو صلاحها أو نضجها، وبيعها قبل بدو صلاحها أو نضجها  غير جائز شرعا، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيعها حتى يبدو صلاحها وحتى تزهر(6) وروي عنه عليه السلام: (أنه نهى عن بيع السنين والمعاومة) وهي بيع الشجر أعواماً - وذلك خوفاً مما يصيب الثمار من الجائحة غالبا قبل بدو صلاحها، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أنس: (أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه؟)(7) وبدو الصلاح أن تظهر في الثمر صفة الطيب التي من شأنها أمن العاهة وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : (أن بدو الصلاح في البسر يكون باصفراره وفي العنب باسوداده إن كان مما يسود وفي الحب باشتداده)؛ ولهذا لا يجوز تأجير الأشجار المثمرة لأجل ثمارها (بحيث يكون الشجر للمستأجر) ويجوز بيع الثمار بعد بدء نضوجها. والله تعالى أعلم.

رئيس مجلس الإفتاء

قاضي القضاة / عز الدين الخطيب التميمي

د. نوح علي سلمان القضاة

الشيخ عبدالكريم الخصاونة

الشيخ سعيد عبدالحفيظ الحجاوي

د. واصف عبدالوهاب البكري

د. محمد أبو يحيى

الشيخ نعيم محمد مجاهــد


 

(1) روا البخاري في صحيحه، كتاب المزارعة، باب المزارعة بالشطر ونحوه، حديث رقم (2328) ورواه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع، حديث رقم (1551).

(2) شرح النووي على صحيح مسلم (10/ 210).

(3) روى مسلم في صحيحه، كتاب البيوع، باب كراء الأرض بالذهب: الورق، حديث رقم (1547) عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء الأرض، قال: فقلت: أبالذهب والورق؟ فقال: أما بالذهب والورق فلا بأس. ونحره في صحيح البخاري،كتاب المزارعة، باب كراء الأرض بالذهب والفضة، حديث رقم (2346)

(4) مجموع فتاوي ابن تيمية (28/ 85) ورواه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب وضع الجوائح، حديث رقم (1555).

(5) مجلة الأحكام العدلية، المادة (1444).

(6) انظر صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، وصحيح مسلم، كتاب البيوع، باب النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع.

(7) رواه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ثم أصابته عاهة فهو من البائع، حديث رقم (2198).