الهجرة رحلة الأرواح والأبدان من الدروس والعبر

الكاتب : المفتي يوسف أبو حسين

أضيف بتاريخ : 17-12-2009


 

 

يقول الله تعالى في حق رسوله صلى الله عليه وسلم:(إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)التوبة/40.

لم تكن الهجرة محض نقلةِ مكان من مكة إلى يثرب، ولا رحلة نجاة هروباً من البطش والظلم والطغيان فحسب، بل كانت رحلة بالأرواح والأبدان لأرض اختارها الله مهداً لإقامة دولة الإسلام عليها، والتي بنورها تبددت الظلمات، وترسَّخت من خلالها مبادئ العدل والمساواة والعزة والكرامة، وألَّف الله بها بين النفوس، وجعل بينها الرحمة والعطف، فكانت الهجرة نقطة انطلاق غيرت وجه الأرض؛ حتى إن الفاروق عمر رضي الله عنه جعل منها تاريخاً لأمة مستقلة بحضارتها، وكيف لا؟! وهي معين لا ينضب وكنز حافل لا تنتهي نفائسه ولا تنقضي عجائبه..

فما أحوجنا أن نقف عند بعض الدروس والعبر المستفادة من الهجرة الشريفة ومنها:

 

أولاً: التخطيط السليم والأخذ بالأسباب:

وهذا مبدأ هام في حياة الفرد والأمة، وهو من عوامل النجاح والنصر؛ فقد أحكم النبي صلى الله عليه وسلم -وهو القدوة- خطته، وتوكل على الله تعالى بعد أخذه بالأسباب بدقة وحذر وسرية وكتمان:

   - فلم يسلك الطريق المعتاد بل اختار طريقاً مغايراً، فاتجه جنوباً لا شمالاً؛ وذلك تمويهاً على المشركين.

   - واختبأ في غار ثور، مع وثوقه بقدرة الله عز وجل على حمايته وحفظه وتبليغه إلى المدينة، كما بلغه من قبل إلى الأقصى المبارك ليلة أسري    به، ولكن ليُعلِّم الأمة معنى التوكل والفرق بينه وبين التواكل، وهذا مع رعاية الله له في كل خطوة؛ فلجأ إلى الغار، ونسجت العنكبوت خيوطها، وباضت الحمامة على مدخله، ووقف القوم على الباب، ولو أن أحداً نظر إلى قدميه لرأى ما بداخله، كما قال أبو بكر رضي الله عنه، فيجيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إجابة الواثق من ربه:(يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما) متفق عليه. وصدق القائل:

وما حوى الغار من خير ومن كرم     وكل طرف من الكفار عنه عم

فالصدق في الغار والصديق لم يرما    وهم يقولون ما بالغار من أرم

ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على      خير البرية لم تنسج ولم تحم

  وقاية الله أغنت عن مضاعفة          من الدروع وعن عال من الأطم

- توزيع الأدوار؛ فاختار أبا بكر الصديق صاحباً في الرحلة، ونعم الصاحب، فقد قال صلى الله عليه وسلم:(لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً لاَتَّخَذْتُهُ خَلِيلاً، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلاَمِ أَفْضَلُ) متفق عليه، فعلى المسلم أن يختار من الأخلاء التقي مستحضراً قوله تعالى:(الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)الزخرف/67، ولقد قالت العرب:

إذا كنت في قَوْم فصاحِبْ خِيارَهم      ولا تَصْحب الأرْدى فتردى مع الرّدِي

عن المرْء لا تَسأل وسَلْ عن قَرينه     فكل قَرِين بالمُقارِن يَقْتدي

- التنظيم (اللوجستي)؛ فكانت أسماء بنت أبي بكر تزود الرحلة بالطعام والشراب، وعبد الله بن أبي بكر ينقل أخبار القوم؛ فكان بمثابة بعثة إعلامية واستخباراتية لحفظ أمن الرحلة المقدسة، وكان راعي غنم أبي بكر عامر بن أبي فهيرة يطمس أثار الأقدام بسير الغنم.

ثانياً:أداء الأمانة والفداء والتضحية:

فكان عليٌّ رضي الله عنه أول فدائي في الإسلام؛ حيث نام في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ليفديه بروحه في سبيل الله إن قصده المشركون وهو نائم.

فقد تآمر القوم على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الله دحض كيدهم. قال تعالى:(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) الأنفال/30، وهذا يدل على حب الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهم كانوا يفدونه بأنفسهم وأموالهم وأولادهم، ونحن نتعلم من هذا أن أداء الأمانة من كمال الإيمان، حتى إن المشركين وهم يعادون رسول الله يثقون بأمانته، ويضعون عنده ودائعهم، فردها إلى من كان يكيد لقتله، فيتعلم المسلم درساً في الوفاء برد الأمانات.

 

ثالثاً: الثقة بالله عز وجل حتى في أحلك الظروف:

فبعد انطلاق رسول الله وصاحبه في الرحلة رصدت قريش جائزة نفيسة(مئة من الأبل)لمن يأتي بهما؛ فيلحق سراقة بن مالك -وهو على الشرك يومئذ- بالركب الشريف، فينظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غارت أقدام فرسه في الأرض فيقول له -فيما يروى-:(كيف بك إذا لبست سواري كسرى) رواه ابن عبدالبر في "الاستيعاب" (2/581) بسند مرسل، وتدور الأيام وتتحقق نبوءة رسول الله بوعده لسراقة في عهد الفتوحات في خلافة الفاروق، فيقول عمر رضي الله عنه: الحمد لله الذي ألبس سراقة سواري كسرى كما وعد رسول الحق وسيد الخلق صلى الله عليه وسلم.

 

رابعاً: حماية حقوق الضعفاء:

فالنبي صلى الله عليه وسلم يشتري مربداً (أرضاً) ليتيمين؛ ليبني عليها مسجداً يُذكَر فيه اسم الله تعالى، ويأبى إلا أن يدفع ثمنه إلى ولي اليتيمين، وذلك ليعلم الأمة أن القوي هو الذي يحمي الضعيف واليتيم، لا من يستولي على حقوقهم.

ويستفاد من هذا أيضاً أن للمسجد دوراً ورسالة عظيمة؛ فمنه تخرجت كتائب الفتح الإسلامي، ومن جنباته تخرج ورثة الأنبياء، العلماء العاملون الذين بهم حفظ الله دينه، فما أحوج أن نعيد للمسجد دوره!

 

خامساً: تعلم الإيثار والمحبة والإخاء

فالنبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار حين وصوله المدينة شرفها الله به، وأخبرنا الله تعالى عن هذا بقوله:(وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الحشر/9.

فلنهاجر بأرواحنا وقلوبنا من الأنانية والحقد والحسد والتباغض والتدابر والاستغلال؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم:(المهاجر من هجر الخطايا والذنوب) رواه أحمد في "المسند" (6/21)، وما أحوجنا لمعاني التراحم والمحبة كما فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين وصفهم الله في كتابه العزيز بقوله:(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) الفتح/29.

وصدق الله العظيم حيث يقول:(وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) الصافات/171-173.