شبهةُ الخطأ في وقتِ صيامِ رمضانَ والرَّدُّ عليها

الكاتب : المفتي الدكتور زهير ريالات

أضيف بتاريخ : 13-10-2026


شبهةُ الخطأ في وقتِ صيامِ رمضانَ والرَّدُّ عليها

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإنَّ صيام شهر رمضان المبارك من أعظم شعائر الإسلام، وقد ارتبطت أحكامه بالنظام القمري الذي أقرَّه القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية، وجعله الشارع أساسًا لتحديد مواقيت العبادات والمناسبات الدينية.

وقد أجمع المسلمون على أن الشهورَ الإسلاميةَ -ومنها شهر رمضان- شهورٌ قمريةٌ تنتقل بين فصول السَّنَة تبعًا لحركة القمر؛ فلا تثبت في وقت معين من السَّنَة الشمسية.

ومع ذلك، ظهرت بعض الشبهات التي تزعم أن شهر رمضان يجب أن يكون ثابتًا في شهر (أيلول/ سبتمبر)، مستندةً إلى تأويل بعض النصوص والآثار، وانتهت إلى التشكيك في النظام القمري الذي اعتمده المسلمون في تحديد مواقيت الصيام!

وتكتسب هذه الشبهة أهمية لما يترتب عليها من التشكيك في الأحكام الشرعية المتعلقة بالصيام، وفي إجماع الأمة العملي المتوارث عبر القرون؛ مما يستدعي مناقشتها في ضَوء النصوص الشرعية والحقائق التاريخية، مع إبراز أن اعتماد التقويم القمري في تحديد شهر رمضان أصلٌ ثابتٌ بنصوص الوحي وإجماع المسلمين.

الشبهة:

يقول أصحاب الشبهة: إن العرب كانوا يستخدمون تقويمًا قمريًّا، وبما أن السَّنَةَ القمريَّةَ أقصرُ من السَّنَة الشمسية بحوالي أحدَ عشَرَ يومًا؛ فهذا يجعل الأشهر تتنقل عبر الفصول مع مرور السنوات.

ولو بقي التقويم قمريًّا فقط؛ فهذا يعني أن الحج والمواسم الزراعية ستنتقل عبر الفصول، ولن تبقى ثابتة. فكان العرب يعالجون هذه المشكلة بعمل ما يسمى (النَّسيء)؛ أي إضافة شهر أحيانًا لجعل السَّنَة القمرية أقرب للسنة الشمسية؛ فتبقى الأشهر في نفس الفصول تقريبًا.

ولما جاء الإسلام نزلت آية في القرآن تُحرِّم (النسيء): (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ...)؛ فأُلغي نظام إضافة الأشهر، وأصبحت السَّنَةُ قمريةً خالصةً (12 شهرًا فقط)، وبسبب ذلك أصبحت الأشهر الإسلامية تتحرك كل سنة أحدَ عشَرَ يومًا!

فملخص هذه الشبهة أن المسلمين يصومون في الوقت الخطأ، وتوقيت رمضان تغيَّر عبر التاريخ بسبب إلغاء (النَّسيء)!

الرَّدُّ على الشبهة:

قبل الرَّدِّ على الشبهة ينبغي أن نعلم أن العباداتِ توقيفيةٌ، وهي متواترة منقولة عبر الأجيال لا يمكن تحريفها. ومن المسلَّمات أن النبي عليه الصلاة والسلام عاش منذ البعثة حتى وفاته لم يُبَدِّل شيئًا من أيام الشهور القمرية، ولو فعل ذلك لما خفي على أصحابه رضوان الله عليهم، ولَنقلوه إلينا كما نقلوا باقي العبادات.

ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن الأمة الإسلامية لا تجتمع على ضلالة، ولن يترك الله أمةَ الإسلام تعبده بشكل غير صحيح أكثر من ألف وأربعمئة سنة. وقد تكفل الله بحفظ دينه مِن التحريف والتبديل، ومَن يريد أن يُغيِّر في مواقيت العبادات فلن يستطيع؛ لأن هذا دينُ الله المتواترُ المنقولُ جيلًا عن جيل.

وهذه الشبهة تحوي أخطاء شرعية وعلمية وتاريخية واضحة. وسيكون الرَّدُّ عليها من خلال النقاط الآتية:

أولًا: الخطأ في فهم معنى (النَّسيء):

أخطأ أصحاب الشبهة في فهم معنى (النسيء) الوارد في قول الله تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ الله) [التوبة:37].

فالشبهة تفترض أن (النسيء) كان نظامًا ثابتًا لإضافة شهر كل عدة سنوات لضبط التقويم مع الفصول، مثل بعض التقويمات (الشمسية - القمرية). وهذا هو أحد نوعي (النسيء) ويسمى (نسيء الزيادة)، وأما النوع الثاني فهو (نسيء التأخير). وعلى الرغم من ورود (نسيء الزيادة) في بعض المصادر اللغوية والتاريخية إلا أن هذا النوع مختلَفٌ في وقوعه.

أما النوع الذي أجمعت المصادر الإسلامية المعتمدة على أن العرب فعلته فهو (نسيء التأخير) وهو ما يتوافق مع آية (النَّسِيء)، ونعني به تأخير حرمة الأشهر الحرم أو تبديلها، وليس إنشاء تقويم علمي ثابت. فقد كانت بعض القبائل تعلن أن الشهر الحرام أصبح حلالًا وتؤجل حرمته إلى شهر آخر؛ لتحقيق مصالحها مثل القتال والغزو.

فمثلًا: إذا جاء (المحرَّم) وهم يريدون القتال؛ أعلنوا أن (المحرَّم) أصبح حلالًا، وجعلوا (صَفَر) هو الشهر الحرام بدلًا منه. وبذلك كانوا يوافقون عدد الأشهر الحرم (أربعة)، لكن يغيِّرون توقيتها.

وهذا يعني أن (النسيء) لم يكن نظامًا فلكيًّا دقيقًا يربط الشهور بالفصول، بل تلاعبًا زمنيًّا لتحقيق مصالح اجتماعية وسياسية.

جاء في [تفسير الطبري]: "النَّسِيءُ مصدرٌ مِن قول القائل: "نَسَأَ اللهُ في أجلك" أي: زادَ الله في أيام عُمُرِك ومُدَّةِ حياتك حتى تبقى فيها حيًّا. وكلُّ زيادةٍ حَدَثَت في شيءٍ؛ فالشيءُ الحادثُ فيه تلك الزيادة يُسمى (نَسِيءٌ)... فمعنى الآية: إنما التأخيرُ الذي يُؤخِّرُه أهلُ الشِّرْكِ بالله من الأشهر الحُرُم الأربعة، وتصْييرُهم الحرامَ منهنَّ حلالًا، والحلالَ منهنَّ حرامًا؛ زيادةٌ في كفرهم وجُحُودِهم أحكام الله وآياته"([1]).

ثانيًا: القرآن الكريم يذكر أن عددَ الشهور اثنا عَشَرَ منذ خَلْقٍ الكون:

قرَّر القرآن مبدأ أساسيًّا في قضية الزمن. يقول الله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ الله اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ الله يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) [التوبة: 36]. فعدد الشهور اثنا عَشَرَ شهرًا فقط، وليس ثلاثةَ عَشَرَ شهرًا.

ثم جاءت الآية التالية مباشرة لتصف (النسيءَ) بأنه انحراف عن هذا النظام: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ الله) [التوبة: 37]. أي أن النسيءَ ليس تصحيحًا علميًّا للتقويم، بل تحريفًا في ترتيب الأشهر.

قال الإمام الطبري: "وأما قوله: (يُحِلُّونَهُ عَامًا) فإن معناه: يُحِلُّ الذين كَفَروا النسيءَ... ومعنى الكلام: يُحِلُّون الذي أخَّروا تحريمَه من الأشهر الأربعة الحُرُمِ عامًا (وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله) أي: ليُوافقوا بتحليلهم ما حَلَّلوا من الشهور وتحريمهم ما حَرَّموا منها عِدَّةَ ما حَرَّم الله، فيحلوا ما حرم الله. (زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ) أي: حُسِّنَ لهم وحُبِّب إليهم سَيِّئ أعمالهم وقبيحها، (وَالله لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) أي: والله لا يُوفِّقُ لمحاسن الأفعال وما لله فيه رضًى القومَ الجاحدين توحيده"([2]).

فالادعاء بأن الإسلام ألغى نظامًا صحيحًا للتقويم هو عكس ما تقوله النصوص؛ فالإسلام أعاد التقويم إلى أصله الطبيعي.

ثالثًا: النبي صلى الله عليه وسلم أعلن عودة التقويم إلى وضعه الصحيح:

في خُطبة (حَجَّة الوداع) قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) [رواه البخاري ومسلم]. ومعنى الحديث أن الأشهر التي كانت قد اختلطت بسبب (النسيء) رجَعت إلى ترتيبها الصحيح([3]).

أي أن الإسلام لم يُغيِّر التقويم الصحيح، بل صحَّح الانحراف الذي أحدثه العرب.

رابعًا: خطأ القول بـأن رمضان كان ثابتًا في فصل معين:

ادَّعى أصحاب الشبهة أن رمضان كان دائمًا في الصيف؛ لأن اسمَه مشتقٌّ من (الرَّمَض) أي شدة الحَرِّ.

لكن هذا الاستدلال غير دقيق؛ لأن العرب لما وضعوا أسماء الشهور قديمًا، سمَّوها بالأزمنة وأحوال الطقس التي تصاحبها آنذاك؛ ففي السَّنَة التي اجتمع فيها زعماء القبائل لتسمية الشهور، صادف وقوع تلك الشهور في تلك الفصول، فوافق رمضان أيام رَمَضِ الحرِّ وشدته فسُمِّي به. وربيع صادف فصل الربيع... إلخ؛ فسُمِّيت الشهور بهذه الأسماء([4])، ثم تغيَّرت الفصول مع الزمن لأن التقويمَ قمريٌّ. وهذا دليل على أن الأسماء ليست دليلًا على ثبات الفصل.

خامسًا: الادعاء بأن العرب أحدثت (نسيء الزيادة) حتى تأتي الأشهرُ الحرمُ وَقْتَ تكاثرِ الحيوانات:

العلاقة بين الأشهر الحرم وموعد تكاثر الحيوانات ادعاء لا دليل عليه، بل ذكر العلماءُ خلافَه. قال الإمام ابن كثير: "وإنما كانت الأشهرُ المحرَّمةُ أربعةً؛ لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فحرم قبل شهر الحج شهر -وهو ذو القعدة-؛ لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحرم شهر ذي الحِجَّة لأنهم يوقعون فيه الحج، ويشتغلون فيه بأداء المناسك، وحرم بعده شهرًا آخر، وهو المحرم؛ ليرجعوا فيه إلى نائي أقصى بلادهم آمنين، وحرم رجب في وسط الحول؛ لأجل زيارة البيت والاعتمار به، لمن يَقْدَمُ إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمِنًا"([5]).

سادسًا: التقويم الهجري لم يبدأ مع عمر بن الخطاب:

يَنْسِبُ أصحاب هذه الشبهة تحريفَ التقويم إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ لأنه هو من اعتمد التاريخ الهجري، فهم يرون أن الناس كانوا على التقويم الصحيح ويزيدون في السَّنَة أيامًا، إلى أن أبطل ذلك عمر رضي الله عنه، وهذا غير صحيح لوجوه:

1. عمر رضي الله عنه لم يغيّر شيئًا في الشهور العربية، وكلُّ ما فعله -بإجماع من الصحابة- كان تحديدَ بداية التقويم، وهو سَنَة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم (التأريخ الهجري). فالأشهر بقيت كما هي، وإنما قيل فقط: شعبان من السَّنَة الأولى من الهجرة، أو العاشرة من الهجرة، وهكذا. كما أنهم جعلوا المُحَرَّم هو أول الشهور.

2. لم يكن هذا فعل عمر بن الخطاب وحده، بل هو اختيار الصحابة الكرام، يقول الإمام ابن كثير: "قام رجل إلى عمر فقال: أرِّخوا. فقال: ما أرِّخوا؟ فقال: شيء تفعله الأعاجم، يكتبون: في شهر كذا من سنة كذا. فقال عمر: حسنٌ، فأرِّخوا. فقالوا: من أي السنين نبدأ؟ فقالوا: من مبعثه. وقالوا: من وفاته. ثم أجمعوا على الهجرة. ثم قالوا: وأي الشهور نبدأ؟ فقالوا: رمضان. ثم قالوا: المُحَرَّم؛ فهو منصرَف الناس من حجِّهم، وهو شهر حرام. فاجتمعوا على المُحَرَّم"([6]).

الخلاصة:

الفكرة التي تطرحها الشبهة تقوم على مجموعة من الأخطاء منها:

1. سوء فهم (النسيء)؛ فهو لم يكن نظامًا لإضافة شهر ثابت، بل تلاعبًا في الأشهر الحرم.

2. تجاهل النصوص القرآنية التي تقرر أن عدد الشهور اثنا عَشَرَ منذ خَلْقِ الكون.

3. إغفال حديث (حَجَّة الوداع) الذي يُثبت أن الإسلام أعاد الأشهر إلى ترتيبها الصحيح.

4. الاستدلال غير الصحيح بأسماء الشهور مثل رمضان وربيع.

5. افتراض أن رمضان يجب أن يكون في فصل معين، وهو أمر لم تقلْه الشريعة.

لذلك لا يوجد أي دليل شرعي أو علمي أو تاريخي على أن المسلمين اليوم يصومون رمضان في غير وقته، بل الأدلة تشير إلى العكس؛ فالتقويم الإسلامي الحالي هو نفسه التقويم القمري الذي أقرَّه الإسلام، وصحَّح به تلاعب الجاهلية.

ونُنبِّه غيرَ المختصين في العلوم الشرعية إلى أنه لا يجوز الحديثُ في دينِ الله تعالى وتفسيرِ كتابه برأي شخصي، وينبغي تَرْكُ ذلك للعلماء الثقات الذين أفنَوا حياتَهم في الدراسة والبحث والتحقيق، وليس لعبيد الشهرة والمال الذين يعملون على تفتيت الأمة، وهدم الثوابت، وما أجمع عليه علماؤها.

 


([1]) يُنظر: تفسير الطبري (11/ 449).

([2]) المصدر السابق (11/ 451) بتصرف يسير.

([3]) يُنظر: شرح النووي على مسلم (11/ 168).

([4]) يُنظر: لسان العرب (7/ 161).

([5]) تفسير ابن كثير (4/ 148).

([6]) البداية والنهاية (4/ 511).