سجايا المصطفى من خلال آيات سورة الانشراح

الكاتب : المفتي الدكتور عبد الله مقدادي

أضيف بتاريخ : 07-04-2026


سجايا المصطفى من خلال آيات سورة الانشراح

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وبعد:

ابتدأت سورة الانشراح بأسلوب الاستفهام؛ وذلك لبيان فضل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم، وإظهاراً لمنّته عليه؛ حيث اختياره لهذه الرسالة العالمية، وتلك الشريعة الربانية، ومذكراً إياه بآلائه إليه وإحسانه عليه، بما أنعم عليه من نِعم، وأسدل له من عطاء لا يُعدّ ولا يُحصى. بقوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ* وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ* الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ* وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) [الانشراح: 1-4]

مناسبة السورة لما قبلها:

تظهر مناسبة السورة جليّة لما قبلها من آيات سورة الضحى كما يقول البقاعي: "لمّا أمره صلى الله عليه وسلم آخر الضحى بالتحديث بنعمته التي أنعمها عليه، فصّلها في هذه السورة، فقال مثبتاً لها في استفهام إنكاري مبالغة في إثباتها عند من ينكرها والتقرير بها مقدماً المنّة بالشرح في صورته قبل الإعلام بالمغفرة، كما فعل ذلك في سورة الفتح الذي هو نتيجة الشرح، لتكون البشارة بالإكرام أولاً لافتاً القول إلى مظهر العظمة تعظيماً للشرح"([1]). فحملت ثلاثة شمائل للنبي صلى الله عليه وسلم، انشراح صدره ووضع وزره ورفع ذكره.

المعنى العام للآيات:

قال تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) جاءت مقدمة هذه السورة بأسلوب الاستفهام الإنكاري الذي يفيد التقرير، حيث قرر حقيقة انشراح صدره صلى الله عليه وسلم لهذه الدعوة الإيمانية ولهذه الرسالة النبوية، وهذا الأسلوب أبلغ في التقرير وأعمق في التأكيد، وهو ما يعرف بحسن الابتداء، يقول الآلوسي: "والتعبير عن ثبوت الشرح بالاستفهام الإنكاري عن انتفائه للإيذان بأنّ ثبوته من الظهور، بحيث لا يقدر أحد أن يجيب عنه بغير بلى"([2])، فكانت دلالة المعنى وسياق المبنى قائماً على التحقيق، قد شرحنا لك صدرك، وهذا يحمل في طياته الكثير من المنة والفضل والعظمة.

وأمّا ما حمله هذا الانشراح من دلالات في المعنى، فلها أكثر من وجه كما يقول الزمخشري: "فسحناه حتى وسع عموم النبوّة ودعوة الثقلين جميعا، أو حتى احتمل المكاره التي يتعرض لك بها كفار قومك وغيرهم، أو فسحناه بما أودعناه من العلوم والحكمة"([3]). والدلالة العامة تحتمل كل هذه الوجوه؛ فانشراح صدره صلى الله عليه وسلم حتى اتسع دعوة العالمين، واحتمل مكاره وأذى من المشركين، وحوى ما أودعه الله به من حكمة وموعظة حسنة فعمّت الثقلين.

(وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ* الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) وأما المنّة الثانية التي امتنّ الله بها على نبيه في هذه السورة فهي مغفرة ذنوبه ما تقدم وما تأخر، قال الطبري: "وغفرنا لك ما سلف من ذنوبك، وحططنا عنك ثقل أيام الجاهلية التي كنت فيها"([4])، (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) قال القشيري: "أي: إثمك قبل النبوّة. ويقال: عصمناك عن ارتكاب الوزر، فوضعه عنه بأنّه لم يستوجبه قطّ. ويقال: خفضنا عنك أعباء النبوّة وجعلناك محمولا لا متحمّلا"([5]).

(وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) ومن الشمائل التي امتن الله بها على نبيه في هذه السورة أيضاً أنه رفع ذكره وخلد أسمه، قال الزمخشري: "ورفع ذكره أن قرن بذكر الله في كلمة الشهادة والأذان والإقامة والتشهد والخطب، وفي غير موضع من القرآن"([6])، وصور هذا كثيرة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

الجوانب البلاغية في الآيات:

أول ما تقع عليه العين للمتأمل لهذه السورة أسلوب الاستفهام والعطف بين الآيات بعضها على بعض لتعطي الدلالة نفسها على جميع الآيات المعطوفة على بعض. قال النيسابوري: "اعتبار المعنى من جانب (وَضَعْنا) أصوب وأنسب ليكون الكل داخلا في الاستفهام الإنكاري كأنه قيل: ألم نشرح وألم نضع وألم نرفع"([7])، فتكون المنّة بهذا العطف أعظم وأظهر وأكثر جلاءً، فكل منّة مستقلة عن سابقتها، مستحقة للبيان.

ودخول همزة الاستفهام على النفي لتقرير التأكيد، وأنّ الجواب لا يحتمل إلا جواباً واحداً؛ وهو بلى قال الآلوسي: "والتعبير عن ثبوت الشرح بالاستفهام الإنكاري عن انتفائه للإيذان بأن ثبوته من الظهور بحيث لا يقدر أحد أن يجيب عنه بغير بلى"([8]).

وأسند الفعل إلى ضمير الجمع للمتكلم ليفيد العظمة قال الرازي: "إنّ عظمة المنعم تدل على عظمة النعمة، فدل ذلك على أن ذلك الشرح نعمة لا تصل العقول إلى كنه جلالتها"([9]).

وتوسط الجار والمجرور(لك) بين الفعل والمفعول به ليفيد التشويق والاختصاص، يقول ابن عاشور: "سلك طريقة الإبهام للتشويق فإنه لما ذكر فعل نشرح علم السامع أن ثم مشروحاً، فلما وقع قوله: (لك) قوي الإبهام فازداد التشويق؛ لأن لك يفيد معنى شيئا لأجلك فلما وقع بعده قوله «صدرك» تعين المشروح المترقب فتمكن في الذهن كمال تمكن"([10])، فكان بهذا الأسلوب المشوق مدخل للفرح والمسرة لقلبه عليه السلام، وأنّ هذا الانشراح له دون سواه من العالمين.

وجاء التصريح بذكر الصدر دون القلب في الآية الكريمة؛ لأن الصدر هو مكمن الوسواس كما يقول الرازي: "فمحل الوسوسة هو الصدر (يوسوس في صدور الناس) [الناس: 5]، فإزالة تلك الوسوسة وإبدالها بدواعي الخير هي الشرح، فلا جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب"([11]).

وإنما كان الانشراح للصدر؛ لأن الصدر هي حصن القلب ودرعه المتين، قال النيسابوري: "فإذا طرد العدو بذكر الله والإعراض عمّا لا يعنيه حصل الأمن، وانشرح الصدر، وتيسر له القيام بأداء العبودية"([12]).

وعطف الماضي على المضارع بين الآيات مع أنّ الأصل في العطف أن يتوافقا العاطف والمعطوف عليه في الإعراب وفي الزمن؛ لأنّ التابع تابع والعطف من التوابع، وفي ذلك لمسة بيانية؛ "لأن (لم) قلبت زمن الحال إلى الماضي فعطف عليه الفعلان بصيغة المضي؛ لأنهما داخلان في حيز التقرير"([13])، فدخول (لم) قلب المضارع ماضياً، ومعلوم أنّ صيغة الماضي تفيد تحقق وقوع الفعل، فتحقق بذلك انشراح صدره، ووضع وزره، ورفع ذكره صلى الله عليه وسلم.

وجاءت صيغة الآية الثانية مماثلة للآية الأولى بوقوع المجرور بين الفعل والمفعول به؛ لتحمل الدلالة السابقة وهي تعجيل المسرة والتشويق.

ومن المحسنات الجمالية في هذه الآيات؛ أن شبه الوزر بالحمل الثقيل الذي يثقل الظَهر وينقضه كما يقول البيضاوي: "وهو صوت الرحل عند الانتقاض من ثقل الحمل، وهو ما ثقل عليه من فرطاته قبل البعثة"([14])، ثمّ أسند النقض إلى الوزر فكان التشبيه مركب من وجهين كما يقول ابن عاشور: "وإسناد أنقض إلى الوزر مجاز عقلي، وتعديته إلى الظهر تبع لتشبيه المشقة بالحمل، فالتركيب تمثيل لمتجشم المشاق الشديدة، بالحمولة المثقلة بالإجمال تثقيلاً شديداً، حتى يسمع لعظام ظهرها فرقعة وصرير. وهو تمثيل بديع لأنه تشبيه مركب قابل لتفريق التشبيه على أجزائه. ووصف الوزر بهذا الوصف تكميل للتمثيل بأنه وزر عظيم"([15]). فشبَّه الذنوب بحمل ثقيل يرهق كاهل الإِنسان ويعجز عن حمله بطريق الاستعارة التمثيلية.

ولما فطر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم على مكارم الأخلاق التي يصعب وجودها عند غيره من الخلق، شبه ذكره براية ترفع وتعلو فوق الجميع، وهذه إشارة على حسن الثناء بخير وعلو الشأن ورفعة المكان عند الله تعالى، قال ابن عاشور: "ورفع الذكر مجاز في إلهام الناس لأن يذكروه بخير، وذلك بإيجاد أسباب تلك السمعة حتى يتحدث بها الناس، استعير الرفع لحسن الذكر؛ لأن الرفع جعل الشيء عاليا لا تناله جميع الأيدي ولا تدوسه الأرجل."([16]) فذكره صلى الله عليه وسلم مقرون بذكر الله تعالى، فلا يذكر الله تعالى إلا ويذكر معه رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فوق المآذن، وعلى المنابر، وفي مجالس العلم، وحلق الذكر، فأي رفعة بعد ذلك؟! مع ما يدخره الله له من رفعة وعلو قدر في الآخرة.

وفيما يلي أبرز المسائل التي أثيرت على دلالة هذه الآيات:

المسألة الأولى: كيف كان انشراح صدر النبي صلى الله عليه وسلم

اختلف أهل التفسير في انشراح صدره صلى الله عليه وسلم عند تفسير هذه الآية، هل يحمل المعنى على الحقيقة؟ أم يحمل على المجاز؟ أم يحمل عليهما معاً؟ فعلى الحقيقة يحمل المعنى على حادثة شق الصدر، وعلى المجاز يحمل المعنى على انشراح صدره بنور الهداية الربانية وتهيئته للرسالة السماوية، وعند حمله عليهما معاً يحمل على شق الصدر وانشراحه لأنوار الهداية الربانبة.

وقد أشار الماوردي إلى هذه الأقوال بقوله: "أزال همك منك حتى تخلو لما أُمِرت به. الثاني: أي نفتح لك صدرك ليتسع لما حملته عنه فلا يضيق، ومنه تشريح اللحم لأنه فتحه لتقديده"([17])، فانشراح الصدر يطلق على الحالتين السابقتين؛ فصل أجزاء اللحم بعضها عن بعض، وهذه الدلالة مأخوذة من التشريح في الطب البشري، ويطلق على انشراح الصدر بالرضى وعدم التضجر من هموم الدنيا.

وفيما يلي بيان وتفصيل بهذين القولين: 

القول الأول: تنويره بالحكمة لتلقي الوحي الإلهي، قال ابن عطية "ذهب الجمهور إلى أنّ شرح الصدر المذكور هو تنويره بالحكمة وتوسيعه لتلقي ما يوحى إليه"([18]).

وعليه فيكون انشراح الصدر: "الإحساس الباطني الجامع لمعنى العقل والإدراك. وشرح صدره كناية عن الإنعام عليه بكل ما تطمح إليه نفسه الزكية من الكمالات، وإعلامه برضى الله عنه، وبشارته بما سيحصل للدين الذي جاء به من النصر"([19]).

القول الثاني: ذهب الفريق الثاني من المفسرين إلى أنه إشارة إلى حادثة شق الصدر. وهو ما أشار إليه ابن عطية بقوله: "قال ابن عباس وجماعة: هذه إشارة إلى شرحه بشق جبريل عنه في وقت صغره، وفي وقت الإسراء؛ إذ التشريح شق اللحم"([20]).

وهو ما ذكره البيضاوي([21])، ويستدل لذلك بالحديث الصحيح الذي أخرجه أصحاب الكتب الستة في هذه القصة، فقد روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعني ظئره-، فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون"، قال أنس: "وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره"([22]).

وقد أنكر بعض المعتزلة وغيرهم حادثة شق الصدر، فقالوا إنّها ممتنعة عقلاً من وجوه، أولاً: "أنّ هذه الواقعة من قبيل الإعجاز فكيف يمكن تصديقها قبل النبوة؟ ومن جهة أنّ الأمور المحسوسة لا يقاس بها الأمور المعنوية"([23])، ومما استدل به هذا الفريق أيضاً؛ "أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام، والمعاصي ليست بأجسام، فلا يكون للغسل فيها أثر"([24]).

وأجيب على ذلك من أوجه، أولاً: "بأن الإرهاص جائز"([25])، والإرهاص: "وهو كل خارق تقدم النبوة فهو مقدمة لها"([26])، ومثله حصل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً، منها تظليل الغمام له، وتسليم الشجر والحجر عليه، والبركات التي نزلت في بيت حليمة السعدية عندما أرضعته.

ثانياً: "فلا يبعد أن يكون حصول ذلك الدم الأسود الذي غسلوه من قلب الرسول عليه السلام علامة للقلب الذي يميل إلى المعاصي، ويحجم عن الطاعات، فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة لكون صاحبه مواظبا على الطاعات محترزا عن السيئات"([27]).

فلا يستبعد أنه تعالى جعل ذلك الغسل عصمته عن الخطايا، فليس للشيطان إلى القلب سبيل. فعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد، إلا وقد وكل به قرينه من الجن) قالوا: وإياك؟ يا رسول الله قال: (وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير)([28]).

ثالثاً: فقد ذكر سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان يرى أثر الخيوط في صدره صلى الله عليه وسلم، والحديث في الصحيح، ولو لم يكن الأمر كذلك لأنكر عليه أزواج النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة هذا الخبر.

القول الثالث: إنّ انشراح الصدر وقع على الحقيقة والمجاز معاً.

إنّ حمل المعنى على هذا القول أولى وأكمل، فقد شرح الله تعالى صدره بنور الهداية، ونور بصيرته بنور الرسالة، وقوّم سيرته بتجميل أخلاقه، كما شرح صدره وأخرج ما به من حظ الشيطان، فكان صادق السيرة والسريرة، فلا تنافي بين هذا، والجمع بين القولين أولى وأقرب للصواب، فيكمل بعضها بعضا. قال الطنطاوي: "وهذا الشرح، يشمل الشق البدني لصدره صلى الله عليه وسلم كما يشمل الشرح المعنوي لصدره صلى الله عليه وسلم عن طريق إيداعه الإيمان والهدى والعلم والفضائل"([29]).

فجاء التعبير بهذه الصيغة بإطلاقه على الحقيقة، وراعى فيه كثرة الاستعمال الذي وقع على المجاز؛ لأنّ الشرح الحقيقي خاص بشرح اللحم، وإطلاق الشرح على رضى النفس، فكانت دلالة المعنى؛ لقد شرحنا صدرك، بأن أمرنا ملائكة بشقه وإخراج منه ما يتنافى مع مقاصد الرسالة النبوية فهيأناه لحملها، بأن أودعنا فيه من الهدى والنور والمعرفة والإيمان الشيء الكثير.

المسألة الثانية: (وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ)، ما الوزر الذي وضع عن النبي صلى الله عليه وسلم؟

ذكر المفسرون في ذلك أكثر من قول وهي:

القول الأول: إنّ الوزر هو الذنب، وهو ما اختاره ابن جرير بقوله "وغفرنا لك ما سلف من ذنوبك،"([30]) واستدل ابن عطية لذلك من خلال تفسير القرآن بالقرآن، يقول رحمه الله: "وجمهور من المفسرين: الوزر هنا، الذنوب. وأصله الثقل، فشبهت الذنوب به، وهذه الآية نظير قوله تعالى: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) [الفتح: 2]"([31])، وهو ما اختاره الرازي أيضاً بأن معنى الوزر ثقل الذنب، واستدل لذلك بقوله: (وهم يحملون أوزارهم) [الأنعام: 31] ([32]).

ويشهد لذلك حديث عائشة في الصحيحين، فعن عائشة رضي الله عنها: أنّ نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا، فلما كثر لحمه صلى جالسا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع)([33]).

وتحمل على أنها إمّا صغائر الذنوب، وإمّا أنها أمور وقعت بالجاهلية قبل البعثة، "وهو على قول من جوّز صغائر الذنوب على الأنبياء، أو على أن ذنوبه كانت قبل النبوّة"([34]).

القول الثاني: ذهب أبو حيان إلى أنّ دلالة الآية كناية عن عصمته من الذنوب وتطهيره من الأدناس، يقول رحمه الله: "عبّر عن ذلك بالحطّ على سبيل المبالغة في انتفاء ذلك، كما يقول القائل: رفعت عنك مشقة الزيارة، لمن لم يصدر منه زيارة، على طريق المبالغة في انتفاء الزيارة منه"([35]). وأنكر الألوسي هذا القول بأنّه لا دليل عليه، قال الألوسي: "وليس فيه دليل لنا في العصمة كما لا يخفى"([36])، وذلك بعد أن ساق ما يحمل عليه دلالة السياق من أقوال.

القول الثالث: إنّ الوزر هو أثقال النبوة وتكاليفها، قال الغرناطي: "ووضعها على هذا هو إعانته عليها، وتمهيد عذره بعد ما بلّغ الرسالة"([37])، فقد أخبر الله تعالى نبيه بالثقل التكليف والتنزيل في أكثر من موضع، نحو قوله تعالى: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) [المزمل: 5].

القول الرابع: أنّ ذنوب أمته صارت كالوزر عليه، "ماذا يصنع في حقهم إلى أن قال: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) [الأنفال: 33] فأمنه من العذاب في العاجل، ووعد له الشفاعة في الآجل"([38]).

فقد أخبر الله تعالى عن حزنه وهمه على قومه بقوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) [الكهف:6].

وساقها الألوسي بصيغة التضعيف بقوله: "وقيل المراد وزر أمتك، وإنما أضيف إليه صلّى الله عليه وسلم لاهتمامه بشأنه وتفكره في أمره، والمراد بوضعه رفع غائلته في الدنيا من العذاب العاجل ما دام صلّى الله عليه وسلم فيهم وما داموا يستغفرون"([39]).

القول الخامس: إنّ الوزر هو تحيره قبل النبوة، "إذ كان يرى أن قومه على ضلال، ولم يأته من الله أمر واضح، فوضعه على هذا هو بالنبوّة والهدى للشريعة، الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ عبارة عن ثقل الوزر المذكور وشدته عليه"([40]).

وهو ما اختاره ابن عاشور: "أن الله أزال عنه كل ما كان يتحرج منه من عادات أهل الجاهلية التي لا تلائم ما فطر الله عليه نفسه من الزكاة والسمو، ولا يجد بداً من مسايرتهم عليه، فوضع عنه ذلك حين أوحى إليه بالرسالة"([41]).

فكل هذه الأقوال لا تناقض بينها، والنص حمّال أوجه وإن كان القول الأول -قول الجمهور- هو الأقرب، فيحمل المعنى في القول الأول على المغفرة، والحق قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ويحمل على القول الثاني على العصمة والأنبياء معصومون من الزلل والمعاصي، كما يحمل القول الثالث على رفع أثقال النبوة وتخفيفها عليه، وتقويته صلّى الله عليه وسلم على تحمّل مشاق الرسالة، ويحمل القول الرابع على أنها ذنوب أمته بحيث صارت عليه كالوزر الذي يتعب الظهر ويهلكه، والخامس إزالة الحيرة عنه؛ وهي حيرته قبل النبوة لما كان يشاهد ويسمع من أمور عظام.

المسألة الثالثة: رفع ذكره وإعلاء شأنه

وتظهر هذه السمة من أوجه عدة:

أولاً: في الدنيا: ورفع ذكره في الدنيا بأن جعل اسمه صلى الله عليه وسلم مقترن باسم الله تعالى في أكثر من أمر كما يقول البغوي: "بالأذان والإقامة والتشهد والخطبة على المنابر، ولو أن عبدا عبد الله وصدقه في كل شيء ولم يشهد أن محمدا رسول الله لم ينتفع بشيء، وكان كافرا.... رفع ذكره بأخذ ميثاقه على النبيين، وإلزامهم الإيمان به والإقرار بفضله،"([42]) ومن هذه الصور أيضاً أن الله تعالى هو من صلى عليه، ثمّ أمر الملائكة بالصلاة عليه، ثمّ عطف بعد ذلك بالمؤمنين، وأنّ الصلاة على النبي ركن من أركان الصلاة -في الجلوس الأخير- فلا تصح الصلاة بدونها، وقرن طاعته تعالى بطاعته صلى الله عليه وسلم، كما جعل الصلاة على النبي نوع من أنواع الذكر المستحبة في أذكار اليوم والليلة ورتب عليها الأجور العظيمة.

ثانياً: في الآخرة: قال الخطيب الشربيني: "رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود وكرائم الدرجات"([43]). وتظهر جلية في أمور عدة:

أ. الشفاعة العظمى: عن ابن عمر رضي الله عنهما، يقول: " إن الناس يصيرون يوم القيامة جُثًا، كل أمة تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفع، يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود"([44]).

ب. المقام المحمود: قال تعالى: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) [الإسراء: 79]، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة)([45]).

ت. أول من يقرع باب الجنة: فعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة)([46]).

ث. أنّه سيد ولد آدم، وصاحب لواء الحمد: فعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر) قال الترمذي: "هذا حديث حسن"([47])، فكان ذلك كله له صلى الله عليه وسلم.

لقد حملت هذه الآيات من سورة الانشراح ثلاثة سجايا امتن الله بها على نبيه صلى الله عليه وسلم وهي:

أولاً: شرح الصدر؛ لتحمل أعباء النبوة والرسالة.

ثانياً: حطّ الذنوب والمعاصي التي تعد ثقيلة وكبيرة بالنسبة لقدره ومنزلته، وإلا فهي ليست ذنوبا على الحقيقة؛ لأن الأنبياء معصومون منها.

ثالثاً: رفع ذكره وإعلاء شأنه ومقامه في الدنيا والآخرة.

كل هذه السجايا الكاملات، والخصال العظيمات؛ لتخفيف حمل الرسالة التي تنوء عن حملها الجبال الراسيات، وتضيق عنها السطور والصدور، ولتظهر شمائله، وتبرز فضائله صلى الله عليه وسلم، بكلمات مودعة جامعة لفضائل الخير، مختصرة لكثير من المعاني، مختزلة للدلالة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 


([1]) البقاعي، إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر (المتوفى: 885هـ)، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، ج22، ص115.

 ([2])الألوسي، شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني (المتوفى: 1270هـ)، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، ت علي عطية، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى، 1415 هـ، ج15، ص387.

([3]) الزمخشري، جار الله (المتوفى: 538هـ)، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي، بيروت، الثالثة، 1407 هـ، ج4، ص770.

([4])  الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي (المتوفى: 310هـ)، جامع البيان في تأويل القرآن، أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الأولى، 1420هـ - 2000م، ج24، ص493.

 ([5])القشيري، عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك (المتوفى: 465هـ)، لطائف الإشارات = تفسير القشيري، إبراهيم البسيوني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، الثالثة، ج3، ص743.

 ([6])الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ج4، ص770.

([7]) نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري (المتوفى: 850هـ)، غرائب القرآن ورغائب الفرقان، الشيخ زكريا عميرات، دار الكتب العلميه – بيروت، الأولى، 1416هـ، ج6، ص521.

([8]) الآلوسي، روح المعاني، ج15، ص 387.

([9])الرازي، أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي (المتوفى: 606هـ)، مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الثالثة، 1420هـ، ج32، ص706.

([10]) ابن عاشور، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر (المتوفى: 1393هـ)، التحرير والتنوير [تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد]، الدار التونسية، تونس، 1984 هـ، ج30، ص310.

([11]) الرازي، مفاتيح الغيب، ج32، ض706-707.

([12]) النيسابوري، نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي (المتوفى: 850هـ)، غرائب القرآن ورغائب الفرقان، زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى، 1416هـ، ج6، ص521-522.

([13]) ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج30، ص311.

([14])  البيضاوي، ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر (المتوفى: 685هـ)، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، محمد المرعشلي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الأولى، 1418هـ، ج5، ص320.

([15]) ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج30، ص312.

 ([16])بن عاشور، التحرير والتنوير ، ج30، ص313.

([17])  الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد (المتوفى: 450هـ)، النكت والعيون، ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية، بيروت، ج6، ص296.

([18]) ابن عطية، أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام الأندلسي (المتوفى: 542هـ)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية – بيروت، الأولى، 1422هـ، ج5، ص496.

([19]) ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج30، ص310-313.

([20]) ابن عطية، المحرر الوجيز، ج5، ص496.

  ([21])البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، ج5، ص320.

  ([22])مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (المتوفى: 261هـ)، المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، باب الاسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم الحديث: 161ج1، ص149.

([23]) النيسابوري، غرائب القرآن ورغائب الفرقان، ج6، ص521.

([24]) الرازي، مفاتيح الغيب، ج32، ص205.

([25]) النيسابوري، غرائب القرآن، ج6، ص521.

([26]) شمس الدين، أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني (المتوفى: 1188هـ)، لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية، مؤسسة الخافقين، دمشق، الثانية، 1982م، ج2، ص392.

([27]) فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب، ج32، ص206.

 ([28])مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (المتوفى: 261هـ)، المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، باب تحريش الشيطان، رقم الحديث:2814، ج5، ص2117.

([29]) محمد سيد طنطاوي، التفسير الوسيط للقرآن الكريم، دار نهضة مصر، القاهرة، الأولى، 1998م، ج15، ص436.

([30]) الطبري، جامع البيان، ج24، ص493.

([31]) ابن عطية الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ج5، ص497.

([32]) ينظر: الرازي، مفاتيح الغيب، ج32، ص207.

([33]) البخاري، أبو عبدالله محمد بن إسماعيل، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، محمد الناصر، دار طوق النجاة، الأولى، 1422هـ، باب ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك، رقم الحديث: 4837، ج6، ص135.

 ([34])الغرناطي، أبو القاسم، محمد بن أحمد بن محمد (المتوفى: 741هـ)، التسهيل لعلوم التنزيل، عبد الله الخالدي، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم، بيروت، الأولى، 1416هـ، ج2، ص492.

([35])  أبو حيان، أثير الدين محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان (المتوفى: 745هـ)، البحر المحيط في التفسير، صدقي محمد جميل، دار الفكر،  بيروت،1420 هـ، ج10، ص500.

([36]) الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، ج15، ص387-389.

([37]) الغرناطي، تسهيل العلوم، ج2، ص492.

([38])  فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب، ج32، ض706.

([39]) الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، ج15، ص387-389.

([40])  الغرناطي، التسهيل لعلوم التنزيل، ج2، ص492.

([41]) ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج30، ص410.

([42]) البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء (المتوفى: 510هـ)، معالم التنزيل في تفسير القرآن، ت: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الأولى، 1420هـ، ج5، ص274.

([43]) الشربيني شمس الدين، محمد بن أحمد الشافعي (المتوفى: 977هـ)، السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير، مطبعة بولاق (الأميرية) – القاهرة، 1285هـ، ج4، ص555.

([44]) صحيح البخاري، باب قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}، رقم الحديث: 4718، ج6، ص86.

([45]) صحيح البخاري، باب قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}، رقم الحديث، 4719، ج6، ص86.

([46])  صحيح مسلم، باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعا)، رقم الحديث:331، ج1، ص188.

([47])  الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك (المتوفى: 279هـ)، سنن الترمذي، ت: أحمد محمد شاكر وآخرون، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، مصر، الثانية، 1975م، باب سورة بني إسرائيل، رقم الحديث: 3148، ج5، ص308.