أخبرني عن الإيمان

الكاتب : المفتي الدكتور حسان أبو عرقوب

أضيف بتاريخ : 30-03-2026


أخبرني عن الإيمان

يرسل الله تعالى سيدنا جبريل عليه السلام ليسأل سيدنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم أسئلة مهمة، يعلّم من خلالها أمته، منها السؤال عن الإيمان "ما الإيمان؟"، فلا بد لنا من أن نطوف سريعاً حول الإيمان ومعناه وبعض المسائل التي تتعلق به.

فالإيمان هو التصديق بكل ما جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، مما عُلم من الدين بالضرورة، فلا يحتاج إلى بحث ونظر؛ لعلم العامة والخاصة به، مثل: التصديق بوجوب الصلاة والصيام والزكاة والحج، والتصديق بحرمة الربا والزنا، والقمار، والظلم، وشرب الخمر.

والإيمانُ أوّل واجب على المكلف، وأصله تصديقُ القلب دون تردد أو شك مع التسليم والإذعان بأنّ كل ما جاء به سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم مما علم من الدين ضرورةً حقّ.

والدليل على أن الإيمان هو تصديق القلب قوله سبحانه: (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ) [المجادلة: 22]، فالآية الكريمة تدلّ على أن الإيمان هو التصديق وحده، وأن مكانه القلب، والشواهد على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة جدا.

فإن قيل: فما معنى قول جماعة من العلماء: الإيمان قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان.

قلنا: هذا وصف لكمال الإيمان، لا لأصله، فالتصديق القلبي هو أصل الإيمان، أما النطق بالشهادتين مع الأعمال الصالحة فهما متمّمان ومكمّلان له.

فالنطق بالشهادتين، شرط لإجراء الأحكام الدنيوية على الكافر الأصلي إذا أسلم وكان قادرا على النطق؛ لأنهما تدلّان على ما في القلب من التصديق المطلوب، وليس النطق بهما جزءًا من الإيمان، ولا ركناً له، فإذا وجد التصديق والإذعان ولم ينطق المكلف بالشهادتين لمانعٍ كالخرس مثلا، فهو ناجٍ عند الله تعالى، وإن اتفق للكافر ذلك بأن صدق وأذعن لكن لم يطلب منه أحد النطق بالشهادتين، وليس معانداً أو رافضا لذلك، فهو مؤمن، لكن لا يعامل معاملة المسلمين في الدنيا حتى ينطق بالشهادتين. 

أمأ إن رفض النطق بهما عناداً بعد المطالبة بهما، وليس له عذر في الامتناع من خوف ونحوه، فهو كافر؛ لأن ذلك دليل على عدم الإذعان. أما من ولد لأبوين مسلمين ولم ينطق بها مع أنه مصدق ومذعن فهذا مسلم عاص؛ لمخالفته الواجب الفرعي.

قال شيخ الإسلام الإمام ابن حجر الهيتمي في [التحفة 9/ 93]: "والحاصل أن الإيمان على هذه الطريقة التي هي طريقة المتكلمين له حيثيتان: النجاة في الآخرة وشرطها التصديق فقط، وإجراء أحكام الدنيا ومناطها النطق بالشهادتين مع عدم السجود لغير الله ورمي المصحف بقاذورة وغير ذلك من الصور التي حكم الفقهاء بأنها كفر، فالنطق غير داخل في حقيقة الإيمان، وإنما هو شرط لإجراء الأحكام الدنيوية".

والأعمال الصالحة كذلك ليست ركناً للإيمان ولا جزءًا منه، بل هي سبب زيادته وكماله، وعلامة على قوته؛ لأنّ بزيادتها يزيد الإيمان، وبنقصها ينقص، لكن لا يذهب أصله الذي هو التصديق. ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ* أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) [الأنفال: 2 -4]. وغيرها من الآيات كثير.

فالحاصل أن الإيمان هو التصديق، ومكانه القلب، ويزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والشهادتان شرط لإجراء الأحكام الدنيوية على من نطق بها. 

وبناء عليه، فمن قصّر في فعل المأمورات لا يعدّ كافراً ما دام لم يجحد وجوبها، كمن ترك الصلاة كسلا، وكذلك من فعل المنهيات لا يعدّ كافراً، ما دام أنه لم يستحلّها، كمن شرب الخمر ضعفا منه.