عيد الفطر المبارك: حِكَم وأحكام

الكاتب : المفتي الدكتور لؤي الصميعات

أضيف بتاريخ : 17-03-2026


عيد الفطر المبارك: حِكَم وأحكام

على مذهب السادة الشافعية العظام

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد؛

فإن الأعياد ليست مجرد عادات وتقاليد اجتماعية نشأت بالمصادفة، بل هي جزء من المنهج الإلهي والشرائع التي أنزلها الله تعالى على رسله عليهم الصلاة والسلام، وكل أمة من الأمم السابقة كان لها أعياد خاصة بها، يحتفلون فيها ويتقربون فيها إلى الله  تعالى، كما جاء على لسان عيسى ابن مريم عليهما السلام في قول الله تعالى: (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [المائدة: 114]، وعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ)[1].

الحكمة من تشريع العيد:

والغاية العظمى من تشريع الأعياد إدخال الفرح والسرور إلى قلوب عباد الله تعالى المؤمنين خاصة، فالله تعالى يعلم أن النفس البشرية تحتاج إلى أوقات فرح وسرور، وأوقات ترويح عن النفس بعد فترات من الجد والعمل والعبادة، وقد خصّ الله المؤمنين بهذا التشريع ليكون عيدهم عيد شكر لله على نعمه وتوفيقه، وليس عيد لهو وعبث، وليكون ترويحاً لهم في الأرواح والنفوس والقلوب بالبهجة والسرور والرضا والشكر لله، والشعور بالوحدة والأخوة بين المؤمنين، مما يقوي الإيمان ويزيده. وفي الحديث: (رَوِّحُوا الْقُلُوبَ سَاعَةً وَسَاعَةً)[2]، وفي العقول بتغيير الجو النفسي والراحة من التفكير المستمر في أمور الحياة والعمل، فيتجدد النشاط والحيوية، وفي الأجساد بالاستمتاع بالطعام والشراب الحلال، واللباس الحسن، واللقاء بالأهل والأصحاب، وممارسة أنواع اللهو المباح التي تروض البدن وتقويه، فعن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَبْدَ اللهِ بْنَ حُذَافَةَ يَطُوفُ فِي مِنًى أَنْ (لَا تَصُومُوا هَذِهِ الْأَيَّامَ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ)[3]، وعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ، تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثٍ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي، وَقَالَ: مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: (دَعْهُمَا)، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا، وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِمَّا قَالَ: (تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟) فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ، خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: (دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ)[4]، حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ، قَالَ: (حَسْبُكِ؟) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: (فَاذْهَبِي)[5].

تعريف يوم عيد الفطر:

العيد مشتق من العود؛ لتكرره كل عام، وقيل لكثرة عوائد الله تعالى فيه على عباده، وقيل لعود السرور بعوده.

ويوم عيد الفطر هو اليوم الأول من شهر شوال، وشوال هو الشهر العاشر من الأشهر العربية.

الأحكام الفقهية المتعلقة بعيد الفطر[6]:

عيد الفطر شعيرة عظيمة من شعائر الله تعالى لهذه الأمة المحمدية، وفيه العديد من العبادات والأحكام التي ينبغي للمسلم أن يلتزم بها، ومنها:

أولاً: ليلة العيد

التكبير: يسن في عيد الفطر؛ لقول الله تعالى: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون) [البقرة: 185]، ويندب التكبير بغروب الشمس ليلة العيد في المنازل، والطرق، والمساجد، والأسواق برفع الصوت، ويندب إدامته للمصلي وغيره حتى يحرم الإمام بصلاة العيد، ويكبر المسلمون عقب صلاة المغرب وصلاة العشاء وصلاة الصبح في قول غير المعتمد، ولكن اختاره النووي، وعليه عمل غالب الناس.

ثانياً: صباح العيد (قبل الصلاة)

1. الاغتسال: يسن الاغتسال للعيد، لمن أراد أن يحضر الصلاة ولمن لم يحضر؛ لأن يوم العيد يوم زينة، ووقته يبدأ من نصف الليل، ولكن الأفضل فعله صباح العيد قبل الخروج إلى الصلاة. بدليل ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يغتسل يوم الفطر[7].

2. الزينة والتطيب: يسن لبس أجمل الثياب، والتطيب للرجال. فعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَلْبَسُ بُرْدَ حِبَرَةٍ[8] فِي كُلِّ عِيدٍ"[9]، ويجوز إلباس الصبيان الحلي والحرير في يوم العيد؛ لأنه لا تكليف عليهم.

3. الأكل قبل الخروج: يسن في عيد الفطر أن يأكل تمرات وتراً (فردياً) قبل الخروج إلى الصلاة، تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم. فعن أنس: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ"، وَقَالَ مُرَجَّأُ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا"[10].

4. التكبير: يستمر التكبير في الطريق إلى المصلى.

5. إخراج زكاة الفطر: ينبغي على المسلم أن يحرص على إخراج زكاة الفطر قبل الصلاة إذا لم يخرجها قبل. فقد ذكر فقهاؤنا أن وقت الجواز أول الشهر، والوجوب إذا غربت الشمس، والفضيلة قبل الخروج لصلاة العيد، والكراهة تأخيرها عن صلاته إلا لعذر من انتظار قريب أو أحوج، والحرمة تأخيرها عن يوم العيد.

ثالثاً: التوجه إلى الصلاة

1. مكان صلاة العيد: تقام صلاة العيد في المسجد أو في الصحراء، وأفضلها أكثرهما استيعاباً للمصلين، فإن تساويا كان المسجد أفضل لشرفه على غيره، إذ ينال المسلم بالصلاة فيه أجر العبادة وأجر المكث في المسجد. وإنما صلاها النبي صلى الله عليه وسلم بالصحراء لضيق مسجده إذ ذاك عن الاستيعاب، فإذا كان المسجد متسعاً بحيث يستوعب جميع المصلين، برفق وراحة، لم يبق لأفضلية الصحراء معنى. ويسن الاجتماع لها في موضع واحد، ويكره تعدده بلا حاجة، وللإمام المنع منه.

2. الاصطحاب: يسن خروج الصبيان والنساء في العيد من غير فرق بين البكر والثيب والشابة والعجوز والحائض، لحديث أم عطية قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ، فَيَعْتَزِلْنَ الْمُصَلَّى، وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ، وَالدَّعْوَةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ"[11]، وعن ابن عباس: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْرِجُ نِسَاءَهُ وَبَنَاتَهُ فِي الْعِيدَيْنِ"[12].

3. مخالفة الطريق: يسن الذهاب إلى الصلاة من طريق، والعودة من طريق آخر، سواء كان إماماً أو مأموماً، وذلك زيادة في الأجر والثواب بذكر الله تعالى في أكثر من موضع، فعن جابر رضي الله عنه قال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ"[13].

رابعاً: صلاة العيد.

1. حُكم صلاة العيد: شرعت صلاة العيدين في السنة الأولى من الهجرة، وهي سنة مؤكدة واظب النبي صلى الله عليه وسلم عليها حتى توفَّاه الله عز وجل، وأمر الرجال والنساء أن يخرجوا لها. وواظب عليها أصحابه رضوان الله تعالى عليهم من بعده.

2. الأصل في مشروعيتها: قول الله عز وجل: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) [الأعلى: 14، 15]، فسَّرها الأكثر بزكاة الفطر وصلاة عيده[14]. وعن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى المُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلاَةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ، وَيُوصِيهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ، أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ)[15].

3. من يخاطب بها؟ يخاطب بها كل مكلف رجلاً كان أو امرأة، مقيماً كان أو مسافراً، حراً كان أو رقيقاً، إلا المرأة المتزينة، أو التي قد تثير الفتنة، فتصلي في بيتها.

4. وقت الصلاة: يسن تأخيرها لترتفع الشمس كرمح، أي كقدره، ويستمر إلى زوال الشمس، أي وقت الظهر.

5. وضع سترة أمام الإمام: يستحب وضع سترة أما الإمام إذا صلى في المصلى، فعن ابن عمر: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ العِيدِ أَمَرَ بِالحَرْبَةِ، فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ"[16].

6. الأذان والإقامة: ليس لصلاة العيد أذان ولا إقامة، وإنما ينادى لها بـ "الصلاة جامعة". وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْعِيدَ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَة،ٍ وَكَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجِلْسَةٍ"[17].

7. كيفية الصلاة:

- الركعة الأولى: تبدأ بتكبيرة الإحرام، ثم دعاء الافتتاح، ثم سبع تكبيرات، مع رفع اليدين، يفصل بين كل تكبيرتين بذكر "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر"، ثم يتعوذ ويقرأ الفاتحة، ويجهر بالقراءة، ويقرأ سورة.

- الركعة الثانية: يقوم إليها مكبراً، ثم بعد القيام وقبل القراءة يكبر خمس تكبيرات، غير تكبيرة القيام، ثم يقرأ الفاتحة وسورة.

- ولا يأت بذكر "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" بعد التكبيرة السابعة، ولا بعد الخامسة، ولا قبل الأولى من السبع جزماً، ولا قبل الأولى من الخمس.

- وهذه التكبيرات الزائدة على المعتاد سنة، ويكره تركها كلها أو بعضها، فلو نسيها وشرع في القراءة فاتت وصحت صلاته. ولو شك في عدد التكبيرات أخذ بالأقل، ولو ترك إمامه التكبيرات لم يأت بها. لا يسجد لتركهن عمدا ولا سهوا.

- ويندب أن يرفع يديه في الجميع، ويسن أن يضع يمناه على يسراه تحت صدره بين كل تكبيرتين، كما في تكبيرة الإحرام.

- القراءة في العيدين: كان صلى الله عليه وسلم لا يُعيّن سورة في الصلاة بعينها، لا يقرأ إلا بها، إلا في الجمعة والعيدين، فتارة يقرأ سورة (ق) و(اقتربت) كاملتين[18]، وتارة سورة (سبح) و(الغاشية)[19]، ويسن الجهر فيهما.

8. السنة القبلية والبعدية:

لا توجد صلاة سنة قبل صلاة العيد ولا بعدها، لقول ابن عباس رضي الله عنهما: "خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عِيدٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلُ وَلاَ بَعْدُ"[20]، وإذا أديت في المسجد فيصلي تحية المسجد الإمام والمأموم، ويكره للإمام أن يتنفل قبل صلاة العيد، ولا يكره لغيره ذلك بعد طلوع الشمس.

9. فوات صلاة العيد أو بعضها:

- المسبوق: من فاته بعض الصلاة أتى بما فاته على صفتها.

- الجماعة: إذا فاتت أهل البلد صلاة العيد بسبب عذر من الأعذار، فتخرج من الغد فتصلي العيد.

- ومن فاتته الصلاة مع الجماعة صلى ركعتين، قال البخاري: باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين، وكذلك النساء ومن في البيوت والقرى، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (هَذَا عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلاَمِ)[21].

- ومن فاته وقتها فيشرع له قضاؤها متى شاء.

10. خطبة العيد:

- الخطبة بعد صلاة العيد سنة والاستماع إليها كذلك. فيسن بعد الفراغ من صلاة العيد خطبتان، أي بعكس خطبتي الجمعة، وذلك تأسياً بالنبي عليه الصلاة والسلام، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يُصَلُّونَ العِيدَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ"[22]، ولو اقتصر على خطبة فقط لم يكف، ولو قدم الخطبة على الصلاة لم يعتد بها.

- يسن أن يبدأ الخطبة الأولى بتسع تكبيرات، والخطبة الثانية سبع تكبيرات، فقد روى البيهقي[23] عن عبدالله ابن عتبة قال: "السنة في تكبير يوم الأضحى والفطر على المنبر قبل الخطبة أن يبتدي الإمام قبل الخطبة، وهو قائم على المنبر بتسع تكبيرات تترى[24] لا يفصل بينها بكلام، ثم يخطب، ثم يجلس جلسة، ثم يقوم في الخطبة الثانية فيفتتحها بسبع تكبيرات تترى، لا يفصل بينها بكلام، ثم يخطب".

- ويندب أن يعلمهم في الخطبة أحكام زكاة الفطر.

خامساً: بعد الصلاة والخطبة.

1. التهنئة: يسن التهنئة بمناسبة العيد، ومن صيغها الواردة: "تقبل الله منا ومنك". فعن جبير بن نفير قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: (تقبل منا ومنك)[25].

2. الانصراف: الانصراف بعد الصلاة والخطبة.

سادساً: أحكام عامة متعلقة باليوم.

1. تحريم الصوم: يحرم صوم يوم عيد الفطر، سواء أكان الصوم فرضا، أم تطوعا. لقول عمر رضي الله عنه: "إِنَّ هَذَيْنِ يَوْمَانِ، نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِهِمَا، يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالْآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ"[26].

2. اجتماع الجمعة والعيد: إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد، فلا يسقط وجوب الجمعة عمن شهد العيد، كما أفتت بذلك دائرة الإفتاء العام الأردنية، وأنقل الفتوى كاملة لأهميتها:

الموضوع: صلاة الجمعة لا تسقط إذا وافقت يوم العيد.

رقم الفتوى: 3577، التاريخ: 26-07-2020، التصنيف: صلاة الجمعة، نوع الفتوى: بحثية، المفتي: لجنة الإفتاء.

السؤال: ما حكم صلاة الجمعة إذا وافق يوم العيد يوم جمعة؟

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله 

صلاة الجمعة فرض عين على كل مسلم انطبقت عليه شروط وجوب الجمعة، ولذا إذا وافق أول أيام عيد الفطر أو عيد الأضحى يوم الجمعة، فيجب إقامة صلاة الجمعة ولا تسقط بصلاة العيد؛ لأن صلاة الجمعة فرض، وصلاة العيد سنة مؤكدة، والسنة لا تُسقط الفريضة ولا تجزئ عنها، وذلك لقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} الجمعة/9.

وقد حدث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن وافق يومُ العيد يومَ الجمعة، فكان هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيه أنه صلى الصلاتين، وخطب الخطبتين، ولم يترك الجمعة ولا العيد، وذلك أمر مشهور معروف في كتب السنة والحديث، وهو ما ذهب إليه جماهير فقهاء المسلمين من الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عند الحنابلة.

وإنّما رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في ترك الجمعة ذلك اليوم لأهل العوالي الذين بعدت منازلهم عن المسجد النبوي، ويشقّ عليهم الذهاب والإياب مرتين للصلاتين، فرخص لهم أن يصلوا الظهر في أحيائهم، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (قَدْ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ؛ فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ مِنْ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ) رواه أبو داود.

وقد حمل جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية هذا الحديث على أنه واردٌ في حقّ من أتى لصلاة العيد من خارج المدينة المنورة؛ ممن لا تجب عليهم الجمعة ابتداءً؛ كونهم قاطنين خارج المدن والعمران، فهؤلاء إن انتظروا حتى يصلوا الجمعة كان في ذلك مشقة عليهم، وكذلك لو رجعوا إلى أهلهم ثم جاؤوا لصلاة الجمعة؛ فرخص لهم حينئذ في ترك الجمعة.

جاء في [مغني المحتاج 1/ 539]: "ولو وافق العيد يوم جمعة فحضر أهل القرية الذين يبلغهم النداء لصلاة العيد ولو رجعوا إلى أهلهم فاتتهم الجمعة فلهم الرجوع وترك الجمعة يومئذ على الأصح، فتستثنى هذه من إطلاق المصنف، نعم لو دخل وقتها قبل انصرافهم كأن دخل عقب سلامهم من العيد فالظاهر كما قال شيخنا أنه ليس لهم تركها".

وجاء في [البناية شرح الهداية 3/ 97]: "ثم المراد من اجتماع العيدين هاهنا اتفاق كون يوم الفطر أو يوم الأضحى في يوم الجمعة...، ولا يترك بواحد منهما: أي من العيد والجمعة، أما الجمعة فلأنها فريضة، وأما العيد فلأن تركها بدعة وضلال...، قوله: وإنما مجمعون، دليل على أن تركها لا يجوز، وإنما أطلق لهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخيرهم عثمان، لأنهم كانوا أهل أبعد قرى المدينة، وإذا رجع أهل القرى قبل صلاة الجمعة لا بأس به".

وقد ذهب بعض فقهاء الحنابلة إلى أنَّ مَن صلى العيد لا يطالب بصلاة الجمعة مطلقًا، وإنما يصلي الظهر، ويجب على الإمام إقامة صلاة الجمعة.

جاء في كتاب [المبدع 2/ 180] من كتب الحنابلة: "وإذا وقع العيد يوم الجمعة فاجتزى بالعيد، وصلى ظهراً، جاز؛ لأنه عليه السلام صلى العيد، وقال: (من شاء أن يجمع فليجمع) رواه أحمد من حديث زيد بن أرقم، وحينئذ تسقط الجمعة إسقاط حضور لا وجوب، فيكون حكمه كمريض، لا كمسافر ونحوه، عمن حضر العيد مع الإمام عند الاجتماع، ويصلي الظهر كصلاة أهل الأعذار، وعنه: لا تسقط الجمعة للعموم، كالإمام... هذا المذهب لما روى أبو داود، وابن ماجه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون) ورواته ثقات".

ولكن المسلم يحرص على الأخذ بالأحوط والأبرأ للذمة في مسائل العبادات، وأما القول بسقوط صلاة الظهر عمن صلى العيد إذا وافق يوم جمعة، فلا يلتفت إليه لمخالفته لمذاهب أهل السنة المعتبرة، وهو مخالف للنصوص الموجبة للصلوات الخمس في اليوم والليلة، فلا يجوز العمل به، ولا تقليده، ولا الإفتاء به، ولا عبرة بما ورد في بعض الروايات من أحاديث تنسب إلى بعض الصحابة، ظاهرها إسقاط الظهر إذا اجتمع العيدان؛ فهذه الآثار لا تثبت سندًا، وليس في متونها دلالة على هذا القول الغريب، ولو ثبتت فهي معارضة بالأدلة القطعية المصحوبة بإجماع المسلمين على وجوب الخمس صلوات في اليوم والليلة فتقدم عليه في نظر أهل العلم.

فلا فسحة للجدل والخلاف الذي يُفرِّق صفوف المسلمين، بل الواجب العمل بالمحكمات، وترك المتشابهات، والتسليم بما استقرت عليه مذاهب المسلمين المتبوعة. والله تعالى أعلم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

الهوامش


[1] - صحيح، رواه أبو داود في السنن، برقم (1134).

[2] - رواه الديلمي في الفردوس، برقم (3181)، ويشهد له ما في صحيح مسلم من حديث، رقم (2750): (يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً).

[3] - صحيح، رواه أحمد في المسند، برقم (10664).

[4] - (جاريتان) مثنى جارية وهي الأنثى دون البلوغ. (تغنيان بغناء بعاث) تنشدان وترفعان أصواتهما بما قاله العرب في يوم بعاث، وهو حصن وقع عنده مقتلة عظيمة بين الأوس والخزرج في الجاهلية. (فانتهرني) زجرني وأنبني. (مزمارة الشيطان) يعني الضرب على الدف، والغناء مشتق من الزمير، وهو صوت الذي له صفير، وأضيف إلى الشيطان؛ لأنه يلهي عن ذكر الله عز وجل، وهذا من عمل الشيطان. (غمزتهما) من الغمز وهو الإشارة بالعين أو الحاجب أو اليد. (بالدرق) جمع درقة وهي الترس. (الحراب) جمع حربة وهي رمح صغير عريض النصل. (خده على خدي) أي وضعت رأسها على كتفه بحيث التصق خدها بخده. (دونكم) تابعوا اللعب. (بني أرفدة) لقب للحبشة أو اسم أبيهم الأكبر"، انظر: حاشية فتح الباري لابن رجب، (8 / 421).

[5] - متفق عليه، رواه البخاري في الصحيح، برقم (950)، ومسلم في الصحيح، برقم (892).

[6] - تنبيه: هذه الأحكام المذكورة في المقال مستقاة من كتب الشافعية، وخاصة كتاب "مغني المحتاج" للإمام الخطيب الشربيني.

[7] - صحيح، رواه مالك في الموطأ، برقم (609).

[8] - هو ما كان موشيا مخططا، ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر (1 / 328).

[9] - رواه البيهقي في السنن الكبرى، برقم (6137).

[10] - رواه البخاري في صحيحه، برقم (953).

[11] - رواه أحمد في المسند، برقم (20799).

[12] - رواه البيهقي في السنن الكبرى، برقم (6245).

[13] - رواه البخاري، برقم (986).

[14] - الصنعاني: سبل السلام (1 / 431).

[15] - رواه البخاري، برقم (956).

[16] - متفق عليه، رواه البخاري في الصحيح، برقم (494)، ومسلم في الصحيح، برقم (501).

[17] - رواه الهيثمي في مجمع الزوائد، برقم (3239).

[18] - رواه مسلم في الصحيح، برقم (891).

[19] - رواه مسلم، برقم (878)، عن النعمان بن بشير، قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين، وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية"، قال: "وإذا اجتمع العيد والجمعة، في يوم واحد، يقرأ بهما أيضا في الصلاتين".

[20] - متفق عليه، رواه البخاري في الصحيح، برقم (964)، ومسلم في الصحيح، برقم (884).

[21] - رواه البخاري، (2 / 23).

[22] - متفق عليه، رواه البخاري في الصحيح، برقم (963)، ومسلم في الصحيح، برقم (888).

[23] - رواه البيهقي، في السنن الكبرى، برقم (6217).

[24] - أي واحدا بعد واحد، ابن منظور: لسان العرب، (5 / 276).

[25] - رواه ابن حجر في الفتح، (2 / 446).

[26] - متفق عليه، رواه البخاري في الصحيح، برقم (1990)، ومسلم في الصحيح، برقم (1137).