الطريق إلى الحبّ

الكاتب : المفتي الدكتور حسان أبو عرقوب

أضيف بتاريخ : 01-12-2021


الطريق إلى الحبّ

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

العبودية هي علاقة العبد مع ربّه سبحانه، وهي مبنية على السمع والطاعة، وامتثال الأمر والنهي، فالعبد لا يملك مخالفة سيده ومولاه وولي نعمته إيجاداً وإمداداً.

وينبغي للعبد أن يعزز علاقته بالله تعالى، فبعد التصديق به والإيمان بوجوده ووحدانيته والامتثال لأوامره ونواهيه يترقى العبد إلى رتبة الحبّ، أن يُحبّ الله تعالى، ويحبّ لله وفي الله، ويبغض لله وفي الله.

فالحبّ طريق لكمال إيمان العبد، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) متفق عليه، ومعنى قوله: لا يؤمن أحدكم أي الإيمان الكامل، فإذا أحبّ العبدُ الخيرَ للناس كحبه لنفسه فقد ارتقى إلى كمال الإيمان، وذلك ليكون العبد صافي القلب والنفس على عباد الله، ينشر الخير أينما وجد، فيشكّل طاقة خير إيجابية مشعة، يُقتدى به، وتسري أنوارها في بقية المجتمع، فيكون مجتمعاً خيّراً محباً.

وكذلك محبّة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، ثمرتها كمال الإيمان، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) متفق عليه؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم هو بابنا إلى الله تعالى، فلا إيمان دون التصديق به، وكمال له دون محبّته، فهو معيار وجود الإيمان وكماله صلوات ربي وسلامه عليه.

والحبّ طريقٌ يصل العبد من خلاله إلى حلاوة الإيمان، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) متفق عليه، فمن خلال الحبّ يقطف المؤمن حلاوة الإيمان، لينتقل الإيمان مِن براهين العقل وقضاياه إلى القلب والمشاعر والوجدان، ويصبح حالة وجدانية يستمتع بها الإنسان، ولا يريد الخروج منها.

والسؤال الآن، كيف نصل إلى محبة الله تعالى؟

الطريق إلى محبة الله تعالى يكون من خلال: الفكر والذكر والاتباع لسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، والإكثار من النوافل، ومن خلال التخلي عن بعض الصفات والتحلي ببعضها. وإليكم بيان هذا الإجمال.

أولاً: الفكر: إذا تفكّر العبد بآلاء الله ونعمه عليه من غير سابقة استحقاق، علم أنّ هذا الإله جوادٌ كريمٌ، والنفس جُبِلت على حبّ أهل الجود والكرم. وإذا تأمّلنا أكثر، وجدنا عظمة الله في خلقه وصنعه، والنفوس تحبّ العظماء، وهكذا مع كلّ صفة من صفات الله تعالى، كالعلم والحلم والحكمة وغيرها، ستجد لك مع كل اسم أو صفة سبباً لمحبّة الله تعالى.

ثانياً: الذكر: فإنّ من أحبّ شيئا أكثر من ذكره، ومن أكثر من ذكر شيء أحبّه، والذاكر لله جليس لمولاه، ومذكور عنده، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي حَيْثُمَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ) رواه البخاري.  وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ) متفق عليه.

ثالثاً: الاتّباع لسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو باب الله الأعظم، ونبيّه الأفخم، وطريق لمحبته، ووسيلة للوصول إليه، قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31]، فاتباع سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم من أكبر علامات محبة العبد لله، كما أنها طريق للوصول إلى محبته سبحانه.

رابعاً: الإكثار من النوافل: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ) رواه البخاري. فالإكثار من نوافل العبادات والطاعات طريق للوصول إلى محبّة خالق الأرض والسماوات.

خامساً: التخلي عن بعض الصّفات التي لا يُحبّها الله تعالى ولا يُحبُّ من اتصف بها، يُقرّب الإنسان من ساحات المحبّة لله، ومِن هذه الصّفات التي يجب الابتعاد عنها: العدوان، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) البقرة/190، الفساد، قال الله تعالى: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) البقرة/205، الكفر، قال الله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) آل عمران/32، الظلم، قال الله تعالى: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) آل عمران/57، الخيانة، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) النساء/107، الإسراف، قال الله تعالى: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) الأعراف/31، الاستكبار، قال الله تعالى: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ) النحل/23.

سادساً: التحلي ببعض الصّفات التي تجعل العبد في دائرة المحبوبية لله تعالى، ومن هذه الصفات: التوبة، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) البقرة/222، والتقوى، قال الله تعالى: (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) آل عمران/76، والإحسان، قال الله تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) البقرة/195، والطهارة الحسيّة والمعنوية،  قال الله تعالى: (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) البقرة/222، والجهاد بصف متحدٍّ، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) الصف/4.

وبعد هذا السّير الحثيث إلى الله تعالى على صراط الكتاب والسنّة، مع زاد الذكر والفكر، ووقود التخلي والتحلي سيصل العبد إلى التجلي، وينال من إشراقات الحبّ ما شاء الله له أن ينال، وسينتقل من الطاعة إلى حبّ الطاعة، فتصير العبادة هي لذّته وهواه ومنتهاه، ونفهم عندها قولَ نبيّ ربّنا ذي الجلال: (أرحنا بها يا بلال) رواه أبو داود.