خير لكما من خادم

الكاتب : المفتي الدكتور مرزوق الشرفات

أضيف بتاريخ : 17-11-2021


خير لكما من خادم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

وبعد:

فيشكو بعض الناس-خاصة النساء- من عدم القدرة على القيام بأعمال البيوت، لكثرتها وصعوبتها، وهذا ما حدث بالفعل مع السيدة فاطمة رضي الله عنها بنت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد شكت ما تلقى في يديها من الرحى-آلة طحن الدقيق-[1]، حتى مجلت[2] يداها، وهذا يدل على أن فاطمة رضي الله تعالى عنها، كانت تطحن، والتي تطحن تعجن وتخبز، وهذا من جملة عمل المرأة في بيت زوجها[3].

وكانت رضي الله عنها تستقي بالقربة حتى أثرت في عنقها ونحرها، وتقمّ[4] البيت حتى اغبرت ثيابها، وأوقدت القدر حتى دكنت ثيابها، وأصابها من ذلك الضرّ[5] ، كل هذا يحصل مع السيدة الزهراء سيدة نساء أهل الجنة التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: (فاطمة سيدة نساء أهل الجنة)[6]، فلا غرو أن يحصل مثله مع غيرها من النساء، ولست بصدد بيان حكم عمل المرأة في بيتها في زمن يشكو فيه الكثيرون من هذا الموضوع؛ لأنه يكفينا للوهلة الأولى بيان حال هذه السيدة المباركة الحسيبة النسيبة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما حصل لها من خدمتها لبيتها من ضرر جسدي دفعها أن تطلب من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خادماً، وقد خرّج هذا الحديث الإمام البخاري رحمه الله في أكثر من موضع في صحيحه، حيث إن علياً ابن أبي طالب رضي الله عنه قال: إن فاطمة عليها السلام أتت النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى، وبلغها أنه جاءه رقيق، فلم تصادفه، فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء أخبرته عائشة، قال: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم، فقال: (على مكانكما) فجاء فقعد بيني وبينها، حتى وجدت برد قدميه على بطني، فقال: (ألا أدلكما على خير مما سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما -أو أويتما إلى فراشكما- فسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبرا أربعاً وثلاثين، فهو خير لكما من خادم)[7].

وحتى علي رضي الله عنه فليس بمنأى عن العمل ومشقته، فقد شكى صدره من العمل الشاق فلما ذكر ذلك لفاطمة قالت له عن حالها وتعبها، فأرسلها تطلب رقيقاً من السبي، فقال علي لفاطمة ذات يوم: والله لقد سنوت[8] حتى لقد اشتكيت صدري، قال: وقد جاء الله أباك بسبي، فاذهبي فاستخدميه، فقالت: وأنا والله قد طحنت حتى مجلت يداي، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما جاء بك أي بنية؟) قالت: جئت لأسلم عليك، واستحيت أن تسأله ورجعت، فقال: ما فعلت؟ قالت: استحييت أن أسأله، فأتيناه جميعا، فقال علي: يا رسول الله والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة: قد طحنت حتى مجلت يداي، وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخدمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم) فرجعا، فأتاهما النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخلا في قطيفتهما، إذا غطت رؤوسهما تكشفت أقدامهما، وإذا غطيا أقدامهما تكشفت رؤوسهما، فثارا، فقال: (مكانكما) ثم قال: (ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟) قالا: بلى. فقال: (كلمات علمنيهن جبريل)، فقال: (تسبحان في دبر كل صلاة عشراً، وتحمدان عشراً، وتكبران عشراً، وإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبرا أربعاً وثلاثين)[9].

والمتمعّن في حديث علي وفاطمة رضي الله عنهما يجد الكثير من الفوائد منها:

إن المرأة التي تصبر على أعمال بيتها مأجورة، والصبر على مشقة ذلك العمل دليل على خيريتها، فقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقد روي عنه عليه الصلاة السلام أنه قال لها: (يا بنية اصبري، فإن خير النساء التي نفعت أهلها)[10].

وفيه دليل على جواز شكوى البنت لأبيها، فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وأن واجب الأب في النصح لأولاده مستمر حتى بعد الزواج، وبيان إظهار غاية التعطف والشفقة على البنت والصهر، حيث لم يزعجهما عن مكانهما، فتركهما على حالة اضطجاعهما، وبالغ حتى أدخل رجله بينهما، ومكث بينهما حتى علمهما ما هو الأولى بحالهما من الذكر عوضاً عما طلباه من الخادم[11].

وفي الحديث بيان جواز دخول الرجل على ابنته وزوجها بغير استئذان، وجلوسه بينهما في فراشهما، ومباشرة قدميه بعض جسدهما، وقيل: الدخول بغير استئذان فيه نظر؛ لأنه ثبت في بعض طرقه أنه استأذن عليهما[12].

وفيه أن المرأة رفيعة القدر يجمُل بها تحمل المشاق من خدمة زوجها مثل الطحن وشبهه؛ لأنه لا أرفع منزلة من بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم كانوا يؤثرون الآخرة ولا يترفهون عن خدمتهم احتساباً لله وتواضعاً في عبادته[13].

ومن فوائد الحديث إيثار التقليل من الدنيا والزهد فيها رغبة في ثواب الآخرة، ألا ترى إلى قوله عليه السلام: (ألا أدلكما على خير مما سألتما)، فدلهما على التسبيح والتحميد والتكبير[14].

وفيه منقبة ظاهرة لعلي وفاطمة رضي الله عنهما، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم زارهما إلى بيتهما ولم يرضَ أن يقوما له، وجلس بينهما في الفراش، وعلمهما ما هو خير لهما، فلعمري أي شرف هذا لهما!

وفيه أن من واظب على هذا الذكر عند النوم لم يصبه إعياء؛ لأن فاطمة شكت التعب من العمل، فأحالها صلى الله عليه وسلم على ذلك، وكأن قراءة هذه الأذكار عند المنام تزيل تعب خدمة النهار والآلام[15].

والخيرية الواردة في الحديث إما أن يراد بها ما يتعلق بالآخرة، والخادم بالدنيا، والآخرة خير وأبقى، وإما أن يراد بها ما طلبته، بأن يحصل لها بسبب هذه الأذكار قوة تقدر على الخدمة أكثر مما يقدر الخادم[16].

وبيان أهمية المحافظة على الأذكار والالتزام بها، فهي غذاء الأرواح كما أن الطعام غذاء الأجساد، لذا قال سيدنا علي رضي الله عنه فما تركتها بعد، فقالوا له: ولا ليلة صفين، فقال: ولا ليلة صفين، وهي ليلة وقع فيها قتال وانشغلوا بها، لكنها لم تشغله عن ذكر الله سبحانه وتعالى، فالنائم على فراشه أولى بقولها، لكنه التوفيق والاصطفاء الرباني.

 


[1] لسان العرب، ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقي (المتوفى: 711هـ)، دار صادر – بيروت، ط3 ،1414هـ، ج14، ص312.

[2] أي تنفطت، انظر: معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 395هـ)، المحقق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر،1399هـ -1979م، ج5، ص298.

[3]  عمدة القاري شرح صحيح البخاري، أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابى الحنفى بدر الدين العينى (المتوفى: 855هـ)، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ج21، ص 20.

[4] قَمَّ الشيءَ قَمّاً: كَنَسَهُ. لسان العرب ج12، ص493.

[5] سنن أبي داود أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)، المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا – بيروت، ج4، ص315، رقم الحديث 5063.

[6] الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه = صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة: الأولى، 1422هـ، ج5، ص29.

[7] البخاري، صحيح البخاري، ج7، ص65، باب: عمل المرأة في بيت زوجها، رقم الحديث 5361.

[8] سنوت بفتح المهملة والنون أي استقيت من البئر فكنت مكان السانية وهي الناقة. انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، دار المعرفة -بيروت، 1379، ج11، ص119.

[9] مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241هـ)، المحقق: شعيب الأرنؤوط -عادل مرشد، وآخرون، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1421 هـ -2001 م، ج2، ص202، رقم الحديث 838.

[10] شرح صحيح البخاري لابن بطال، بطال أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك (المتوفى: 449هـ)، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد -السعودية، الرياض، الطبعة: الثانية، 1423هـ -2003م، ج7، ص540.

[11] فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، دار المعرفة -بيروت، 1379، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب ج11، ص124.

[12] المرجع السابق.

[13] شرح صحيح البخاري لابن بطال، مرجع سابق، ج7، ص540.

[14] المرجع السابق، ج7، ص540.

[15]  مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، علي بن (سلطان) محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (المتوفى: 1014هـ)، دار الفكر، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1422هـ -2002م، ج4، ص1658.

[16]  تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، أبو العلا محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى (المتوفى: 1353هـ)، دار الكتب العلمية – بيروت، ج9، ص250.