الـراية الهاشميـة

الكاتب : مقالات سماحة المفتي العام

أضيف بتاريخ : 21-06-2015


الـراية الهاشميـة

سماحة المفتي العام عبد الكريم الخصاونة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وبعد:

فإن عقد الراية ليست مسألة شكلية وإنما لها دلائل ومعانٍ سامية عرفها السابقون واللاحقون، فقد كانت الرايات تعقد قديماً، ولما جاء الإسلام عقد الرسول صلى الله عليه وسلم الرايات والألوية فكانت أفضل الرايات وأصدقها هي التي عقدها الرسول صلى الله عليه وسلم والهاشميون من بعده، فكان للنبي صلى الله عليه وسلم عدة رايات، أي أن لكل قبيلة وقوم راية، فكان للمهاجرين راية وللأنصار راية، وكما هو موجود الآن لكل كتيبة راية يعرفها ويعتز بها المنتسبون لهذه الكتيبة، وأيضاً كان للقيادة العامة أو الجيش راية تكنى بأم الحرب، فالراية في الحرب سنة نبوية مستحبة، ولا مانع شرعي من تنوع أشكال الرايات.

والراية في الكتيبة يتجمع منتسبوها تحتها لغرض جليل، وأهداف سامية وكأنهم في توادّهم وتعاونهم وتكاتفهم كالجسد الواحد، ويحرصون على أن تبقى رايتهم مرفوعة شامخة، ويتنافسون في الميادين على أيهم أحسن عملاً وكلهم حسن، وهذا يدل على قوتهم واستعدادهم وأن جاهزيتهم القتالية عالية، فيرهبون عدو الله وعدوهم.

فرص الصفوف والالتفاف بإخلاص وانتماء تحت الراية عمل طيب يحبه الله ورسوله،(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) الصف/ 4.

قال التربشتي: الراية هي التي يتولاها صاحب الحرب ويقاتل عليها ويمثل المقاتلة إليها واللواء علامة كبكبة الأمير تدور معه حيث دار.

وأما عن لون الراية فقد روى ابن أبي عاصم في كتاب الجهاد من حديث كرز بن أسامه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عقد راية بني سليم حمراء

وعن يزيد بن بلال وكان من أصحاب علي رضي الله عنه قال، رأيت علي رضي الله عنه وفي يده راية حمراء مكتوب عليها "محمد رسول الله".

وروي أيضاً من حديث مزيدة يقول: كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فعقد راية الأنصار وجعلها صفراء، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عقد لواءً عُقَدُهُ أبيض وكان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيضاً، وكانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال لها: العقاب.

فالهاشميون هم أصحاب الرايات في السلم والحرب وفي العسر واليسر والمنشط والمكره وهم حملتها في الميادين يحافظون عليها ويسعون لتظل راية الإسلام شامخة عالية لا يضرهم من خالفهم، ففي غزوة خيبر قال الرسول صلى الله عليه وسلم: لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله عليه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، فبات الناس يذكرون أيهم يعطاها؟ وكلهم يرجون أن يعطاها، فقال صلى الله عليه وسلم أين علي بن أبي طالب فقيل يا رسول الله يشتكي عينه، قال: فأرسلوا إليه، فأتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرئ فأعطاه الراية.

وفي غزوة مؤتة (8هـ) تسلم الراية جعفر بن أبي طالب وكان على فرس له شقراء فاقتحم بها أتون المعركة وراية الرسول صلى الله عليه وسلم في يده، والمسلمون يقاتلون من خلفه بضراوة واستماتة وأحاط به العدو في إصرار مجنون على قتله، وحوصر بهم حصاراً شديداً وعقر فرسه، وضربوا بالسيوف يمينه فتلقى الراية بشماله وضربوها هي الأخرى فاحتضن الراية بعضديه، وفي هذه اللحظة تركزت كل مسؤوليته في ألا يدع راية رسول الله صلى الله عليه وسلم تلامس التراب وهو حي، وحين تكومت جثته الطاهرة كانت سارية الراية مغروسة بين عضدي جثمانه ونادى عبد الله بن رواحه فشق الصفوف كالسهم نحوها وأخذها بقوة ومضى بها إلى مصير عظيم، هكذا صنع جعفر رضي الله عنه لنفسه، وهكذا لقي ربه، رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه.

وفي يوم الثلاثاء 22/شعبان/1436هـ الموافق 9/حزيران/ 2015م، وبكل جد واجتهاد، وعزم وتصميم، واقتداءً بالسنة النبوية الشريفة، ومن مسجد الحسين بن طلال طيب الله ثراه، وهو شعيرة من شعائر الله، (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) الحج/ 32، كانت الراية الهاشمية تتلألأ نوراً وجمالاً بسورة الفاتحة، وتشع عزة وقوة بلا إله إلا الله محمد رسول الله، فتم تسليمها إلى الجيش العربي المصطفوي عنوان عزتها وكرامتها، فحملوها باعتزاز وافتخار وهو يتألقون عظمة ويتفوقون اقتداراً، فملئوا القلوب يقيناً وولاءً وانتماءً.

وهذا ديدن الهاشميين يتوارثون عقد الرايات جيلاً بعد جيل، ليدل على أنهم نذروا حياتهم على البذل والتضحية في سبيل الله، وتأكيداً لدورهم في نشر رسالة الإسلام وإبرازاً لصورته الحقيقية المشرقة، وإظهاراً لدورهم في حفظ المقدسات الدينية وخدمتهم للمسجد الأقصى الشريف مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

وحق أيضاً للأردنيين أن يعتزوا ويفتخروا بالراية الهاشمية الموشحة بسورة الفاتحة وبكلمة التوحيد عقدها سليل الدوحة الهاشمية الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله، وسلمها للجيش العربي المصطفوي في أحب بقاع الأرض إلى الله، ليواصلوا المسيرة المباركة التي التزمها الهاشميون في المحافظة على الأمن والأمان وحفظ الثغور والحدود وعلى مصطفوية الجيش العربي درع الأمة وسياج الوطن.

والحمد لله رب العالمين