اللغة العربية .. شرف العرب وجامعة المسلمين

الكاتب : سماحة الدكتور نوح علي سلمان رحمه الله

أضيف بتاريخ : 12-09-2012


 

كثير من الأمور الجليلة لا يلتفت الإنسان إلى أهميتها لأنه يُعايشها ويألفها، لكن ذلك الإلْف لا يُنقص من قدرها. وأقرب مثال على هذا جسم الإنسان الذي كُتبت فيه وفي بيان وظائفه آلاف الكتب، وأُجريت آلاف البحوث، وأُنفق عليها ما لا يُحصى من الأموال، وما أحاط أحد ولا مؤسسة ولا جيل بتفاصيل هذا الجسم، ولا بتفاصيل وظائفه، ومع ذلك لا يلتفت الإنسان إلى عجائب جسمه لأنه ألِفَها، وقد نبهه الله سبحانه إلى هذه الآيات العظيمة التي يعايشها فقال:(وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) الذاريات/21.

ومثل هذا يُقال في اللغة العربية بالنسبة للعرب... لقد ألِفْناها فلم يعد البعض يدرك ما يجب أن يدركه منها، ولا يشعر بنعمة النطق السليم بها، ومعرفة بعض معانيها، فإذا ما رأينا أحد العلماء المسلمين من غير العرب يُتعب نفسه ليستقيم لسانه بما يقرأ من القرآن الكريم شعرنا بنعمة الله علينا، إذ جعل اللغة العربية لغتنا، وجعلها لغة الأمة الإسلامية؛ لأن المقصود أن يصل إليهم الهدى والنور باللغة التي يعرفونها، ويصل إليهم مُراد الله عز وجل، قال تعالى:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) إبراهيم/4.

فلما ارتقى البشر في سُلَّم المدنية، وتواصلوا مع تباعد ديارهم اقتضت حكمة الله تعالى أن يُرسل إليهم جميعاً رسولاً واحداً بدين واحد يجمعهم ويؤلف بينهم، ويكون ذلك النبي خاتماً للأنبياء والمرسلين، ويكون ذلك الدين خاتماً للديانات، واقتضت حكمته عز وجل أن يكون هذا الرسول الواحدُ الجامعُ هو محمدٌ العربي صلى الله عليه وسلم (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) الأنعام/124، لقد اختاره الله تعالى من العرب لكنه رسول لكل الناس، قال عز وجل:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) سبأ/28، ولهذا خاطبه بلغته ولغة قومه، وأنزل عليه القرآن عربياً، وخاطب الناس من وراء العرب باللغة العربية، قال تعالى:(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) يوسف/2.

هذه الحقيقة التي نعرفها جميعاً ترتب عليها أمور:

الأمر الأول:أن الله تعالى جعل للعرب شرفاً وميزة بين الشعوب عندما خاطب كل الشعوب بلغة العرب، وعن هذا يقول الله تعالى:(وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) الزخرف/44، والله تعالى إذ أنعم على عباده نعمة حاسبهم عليها وسألهم ماذا عملوا ليؤدوا شكرها، فمن شكر زاده الله في الدنيا، وأثابه في الآخرة، وقد شكر آباؤنا هذه النعمة فقاموا بما يجب عليهم تجاه الإسلام واللغة العربية، وما زالت الأمة قائمة بهذا ولله الحمد.

الأمر الثاني: أن على العرب ومن دخل بعدهم في الإسلام أن يواصلوا الدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة حتى يبلغ الإسلام مشارق الأرض ومغاربها، ويبلغ ما بلغ الليلُ والنهار كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وها نحن اليوم نرى وسائل الإعلام توصل كلمة الحق ودعوة الإسلام إلى القاصي والداني، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

الأمر الثالث: وهو موضوع هذا المقال: يجب أن نحافظ على اللغة العربية؛ وذلك بتعلمها وإتقانها والتخاطب بها فيما بيننا، وتذوق أسرارها ومعرفة أساليبها، فهي من أعذب اللغات وأرقها وأوسعها أيضاً، وهذا الواجب ليس تعصباً للغة العرب، بل هو ما يقتضيه العملُ بالإسلام، وطاعة الرحمن، وتقتضيه المحافظة على وحدة الأمة الإسلامية، أما طاعة الله فإنها غير ممكنة إلا بفهم ما أنزل الله تعالى من القرآن -وهو عربي كما ذكرت- وفهم الحديث النبوي الشريف -وهو عربي أيضاً-. وفهمُ معناهما ليس مجرد معرفة معاني المفردات -وهو أمر واسع- بل يجب إلى جانب ذلك فهم معاني الجمل والتراكيب اللغوية.

ولهذا اهتم السلف الصالح باللغة العربية، فدونوا معاني الكلمات التي يقل تداولها، حتى صارت غريبة على بعض طبقات المجتمع، ونسقوا القواعد التي يُعرَف بها ما تدل عليه حركات أواخر الكلمات، وهو ما يسمى علم (النحو)، وبينوا كيف تُرَكَّب كل كلمة، وما يدل عليه كل تركيب، وهذا علم (الصرف)، وبينوا كيف تُلفَظ الحروف، وهذا علم (التجويد)، وكيف تُكتَب الحروف، وهذا علم (الخط)، وبينوا المعنى الظاهر والخفي للجمل، وهذا علم (البلاغة)... إلى آخر العلوم التي ألهمهم الله تعالى أن يخترعوها ويدونوها مستنبطين ذلك من دراستهم لما سمعوا من كلام العرب.

كل ذلك ليحافظوا على اللغة العربية؛ فيُحفَظ القرآن الكريم، تنجيزاً لوعد الله تعالى إذ قال:(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر/9. وقد ساهم في هذا الجهد عرب أصلاء، وعجم تعلموا العربية إذ أسلموا وأسلم آباؤهم من قبل؛ لأن اللغة العربية لم تَعُدْ لغة العرب فقط، بل غدت لغة الإسلام.

ويدلك على هذا أن كل متخصص بالعلوم الإسلامية تراه يتقن من اللغة العربية ما لا يتقنه العربي الذي لم يتخصص في هذه العلوم، ويدلك عليه أيضاً أن كل أمهات التراث الفكري الإسلامي كُتبت بالعربية، وإن كان بعض المؤلفين من غير العرب.

وهذا ينقلنا إلى موضوع وحدة الأمة الإسلامية -وهي الأمة العظيمة المباركة الماجدة الخالدة- التي أصبحت اليوم تُعد بمئات الملايين، وتسكن كل بقاع الأرض... هذه الأمة تجمعها اللغة العربية، ألا تراهم في الحج يتفاهمون بشيء من اللغة العربية؛ بكلمتي الشهادة: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله" وبالسلام: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"؟! فويل للذين يقولون عنهم: "إرهابيون"!

هذا في تواصل الجيل الحاضر، لكن لا بد من اللغة العربية أيضاً لتتواصل الأجيال الحاضرة مع الأجيال السابقة، والسلف الصالح قد دونوا فكرهم وثقافتهم باللغة العربية.

إذن فاللغة العربية هي التي تحفظ وحدة الأمة الإسلامية، تلك الوحدة التي أمر الله تعالى بها في قوله عز وجل:(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) آل عمران/103.

ومن البديهي بعد ذلك، أن يكون للأمة العربية موقع الصدارة والقيادة بين الشعوب الإسلامية، دون أن يغمطوا غيرهم حقاً مكتسباً أو ميزة خاصة، فالقاعدة العامة قول الله تعالى:(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) الحجرات/13، ومن البديهي أيضاً أن تتحقق عروبة العربي وغيره بمقدار إتقانه للغة العربية.

ولقد رأينا من يريد تقطيع أواصر الأخوة الإسلامية، وإسقاط هيبة العرب بين المسلمين، من خلال الهجوم على اللغة العربية، وتجهيل المسلمين بها، ولكن هيهات (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) الصف/8. ونور الله بيننا: القرآن العربي، يقرأه كل المسلمين، فيُشعرهم بوحدتهم، ويُنير قلوبهم ووجوههم وقبورهم أيضاً، ويكون نوراً لهم على الصراط إن شاء الله تعالى.

وإن مما يُشكَر للدول الإسلامية أن مدارسها تُدرِّس القرآن الكريم، وتُشجِّع على قراءته في المدارس والمجالس الخاصة، ومن تعلم القرآن تعلم اللغة العربية، ومما يُشكَر للدول العربية أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية فيها، فهي لغة التعليم والإعلام، وهذا يُؤصِّل اللغة العربية بيننا، ويحفظها من الاندثار، ويحفظ الله بها أمة الإسلام، أمة القرآن الكريم العربي.

إن اعتزازنا باللغة العربية، والحث على المحافظة عليها، لا يعني معاداة اللغات الأخرى، فإن التراث الإنساني كُتب بلغات شتى، ونحن مطالبون بأن نطَّلع على ثقافة غيرنا لأسباب كثيرة، وهكذا فعل سلفنا الصالح، اطلعوا على اللغات المعاصرة لهم، فاستفادوا مما فيها من علوم وثقافة لا تُخالف ما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وخاطبوا الشعوب أيضاً بلغاتهم المتعددة ليوصلوا إليهم دعوة الله عز وجل، لكن مع الاحتفاظ والمحافظة على اللغة العربية، وهكذا يجب أن نفعل اليوم؛ يطَّلع نفرٌ منا على اللغات العالمية لنُفيد ونستفيد، ونُحاور وندعو إلى الله، فلا نتقوقع على أنفسنا، ولا نذوب في غيرنا، بل تبقى لنا شخصيتنا المميزة باللغة العربية؛ لغة الإسلام، ولغة القرآن الكريم.

إن الجهات الرسمية ما قصَّرت في هذا كما ذكرت، لكن يجب علينا أن نُساهم في تأصيل اللغة العربية بين أبنائنا وفي بيوتنا، من خلال تعليمهم القرآن الكريم، وتلاوته في البيوت، وفي مراكز تعليم القرآن، ومن خلال مشاركتهم في المسابقات التي تُنَظَّم للتشجيع على نظم الشعر الفصيح، والخطابة، والمشاركة في كل النشاطات التي تعتمد اللغة العربية الفصحى.

إن لغةً خاطبنا بها رب العزة تبارك وتعالى، وخاطبنا بها خير خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم، وتكلم بها خير القرون، وكتب بها أفضل المؤلفين... لغةً تربط حاضرنا بماضينا، وتربط الشعوب الإسلامية في أرجاء المعمورة اليوم... إن لغةً هذا شأنها لجديرة بأن نحافظ عليها، ونعتز بها، وننشرها بين الناس.

وصلى الله على سيدنا محمد العربي الفصيح الذي أُعطي جوامع الكلم، واختُصر له الكلام اختصاراً، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.